الحركة العمالية
جريدة البديل: قضايا سياسية وعمالية ساخنة أمام أيام اشتراكية
نشره ayyam.admin يوم جمعة, 2007/12/07 - 02:12.المصدر:
(2007)Notes:
نشرت بجريدة البديل بتاريخ 6 ديسمبر 2007باحثون عرب وأجانب في مؤتمر (أيام الاشتراكية) بالقاهرة
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 20:10.المؤلفون:
المصدر:
(2007)Notes:
نشرتها رويترز بتاريخ 28 نوفمبر 2007النص الكامل:
القاهرة (رويترز) - يعقد مركز الدراسات الاشتراكية بمصر مؤتمره السنوي بالقاهرة الاسبوع القادم تحت عنوان (أيام الاشتراكية) بمشاركة نخبة من الباحثين العرب والاجانب. وقال المركز في بيان ان المؤتمر سيفتتح في نقابة الصحفيين في السادس من ديسمبر كانون الاول بجلسة عنوانها (معارك الالفية الثالثة.. ميلاد جديد للمقاومة الجماهيرية) وسيناقش على مدى أربعة أيام قضايا منها (صعود المقاومة في الشرق الاوسط.. معضلات وافاق) و(الليبرالية الجديدة على الطريقة المصرية) و(صعود النضالات الاجتماعية في مصر) و(خصخصة الجامعات في مصر) و(كيف نفهم الدولة الصهيوينة) و(الثورة البلشفية.. تسعون عاما على انتصار العمال). ومن المشاركين في المؤتمر اللبنانيان فواز طرابلسي وعلي فياض والعراقي سامي رمضان ومن المصريين عبد الوهاب المسيري وسمير أمين وعاصم الدسوقي وكمال خليل وبشير السباعي والبريطانيان كريس هارمان وجون روز مؤلف كتاب (أساطير الصهيونية). وسيعرض ضمن أنشطة المؤتمر فيلمان أحدهما (عالم حر) للمخرج البريطاني كين لوش الذي نال جائزة السيناريو في الدورة الاخيرة لمهرجان البندقية. اقرأ المزيد...كابوس الليبرالية الجديدة في قطاع الغزل والنسيج
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 17:24.المؤلفون:
المصدر:
(2006)Notes:
نشر هذا المقال في العدد 14 من جريدة "الاشتراكي" الصادرة عن مركز الدراسات الاشتراكية بتاريخ 24 ديسمبر 2006النص الكامل:
إن انتصار عمال المحلة في إضرابهم المهيب، الذي يعد أكبر تحرك عمالي منذ إضراب عمال كفر الدوار في 1994، لا يمثل فقط نقلة نوعية في الحركة العمالية المصرية وفضحاً للنخب السياسية القزمية. بل هو أيضاً يمثل بداية مرحلة جديدة في الساحة السياسية المصرية. ففي الوقت الذي يستعد فيه النظام المصري لتعديل الدستور لصالح رجال الأعمال، والبدء في هجمة سريعة من الخصخصة، تصفي ما تبقى من القطاع الصناعي العام، وتتوسع لتشمل التأمينات والمعاشات والتعليم. في هذه اللحظة بالذات يهب عمال المحلة، وهم عمال أكبر مصنع في القطاع العام، بل أكبر مصنع من حيث العمالة في العالم العربي والقارة الأفريقية، وينتزعوا مطالبهم ليس فقط من إدارة المصنع ولكن من تحالف شمل وزارة الاستثمار والقوى العاملة والداخلية واتحاد العمال المتواطئ. علينا أن نضع هذا الإضراب في سياق المعارك القادمة، والتي سيحاول فيها النظام ليس فقط تقليص حقوق العمال في الأرباح والحوافز، بل تشريد غالبيتهم استعداداً للبيع والتصفية. ولأن عمال شركات الغزل والنسيج الكبرى هم الأكبر عدداً وتركزاً والأعلى من حيث الخبرة النضالية فيما تبقى من القطاع العام الصناعي، تتخذ نضالاتهم الحالية أهمية استثنائية. حصاد عشر سنوات هناك اليوم 38 شركة غزل ونسيج تابعة لقطاع الأعمال العام، تعمل في كافة مراحل الإنتاج من الحلج إلى الغزل إلى النسج إلى إنتاج الملابس. هذه الشركات توظف أكثر من 120 ألف عامل، وكلها يتم تحضيرها الآن إما للبيع أو التصفية وعلى رأسها شركة المحلة. وخلال السنوات العشر الأخيرة، تم خصخصة عدد كبير من المصانع خاصة في قطاع الملابس. من هنا أصبح القطاع الخاص يستحوذ على أكثر من 70% من هذا القطاع. وفي قطاع النسيج، أصبحت نسبة 40% من الصناعة مملوكة للقطاع الخاص. أما قطاع الغزل فهو الاستثناء الوحيد حيث ما زال 90% منه تابع لقطاع الأعمال العام. وفي كل حالات الخصخصة تلك، شاهدنا نفس السيناريو من تشريد لغالبية العمال وتكثيف لاستغلال من يتبقى منهم، مع حرمانهم من الحقوق والمكتسبات والامتيازات التي تحققت عبر عقود من النضال. ومنذ بداية التسعينيات، ومع نجاح بعض البلدان الأسيوية خلال العقدين السابقين في دخول أسواق التصدير العالمية لمنتجات الغزل والنسيج والملابس، بدأ النظام المصري في الحديث عن تحولات جذرية في السياسة الصناعية تحول مصر إلى "نمر على ضفاف النيل". مؤكداً أن صناعة النسيج بحكم حجمها وتاريخها ستلعب دوراً رائداً في ذلك التحول التاريخي. كانت الخطة بسيطة: التخلص من غالبية العمال (فالعمالة "الزائدة" هي سبب كافة المشاكل)، ثم بيع المصانع للاستثمار المحلي والأجنبي، ثم تسهيل عملية التصدير من خلال علاقات النظام المتميزة بالغرب ثم الانطلاقة. لكن سرعان ما تحولت تلك الأحلام إلى كابوس. فإذا نظرنا ببعض التفصيل لإنجازات نظام مبارك في مجال اقتحام الأسواق العالمية للنسيج، سنجدها لا تختلف عن إنجازاته في مجال السكك الحديدية والنقل البحري وتنقية مياه الشرب. فمنذ بداية التسعينيات، انخفض نصيب مصر من صادرات الغزل والنسيج العالمية من 0.53% عام 1990 إلى 0.2% عام 2004. أما صادرات الملابس فظلت تراوح مكانها عند نسبة 0.12 الهزيلة. وبالنسبة لنصيب الصادرات المصرية من المنسوجات للسوق الأوروبي فانخفض من 2.2% عام 1995 إلى 0.5% عام 2004. أما الملابس فقد انخفض النصيب المصري منها من 0.4% إلى 0.3% في نفس الفترة. والأمر يسير في نفس الاتجاه بالنسبة للسوق الأمريكي، حيث انخفضت نسبة الصادرات المصرية في نفس الفترة من 0.9% إلى 0.8% بالنسبة للنسيج وظلت راكدة عند 0.6% في الملابس. هذا كله قبل البدء بإلغاء نظام الحصص في بداية 2005، والذي كان يضع حداً للصادرات الصينية والجنوب شرق آسيوية لأوروبا وأمريكا. ومنذ ذلك الحين والرأسمالية المصرية ونظامها يلهثان وراء أي وسيلة للحفاظ على وجود ما في السوق العالمي. وتشير العديد من الدراسات إلى أن عدد المصدرين في السوق العالمي للمنسوجات والملابس سينخفض من 60 مصدراً عام 2006 إلى عشرة مصدرين في عام 2010، وسيكون في مقدمتهم بالطبع الصين والهند. أما اتفاقية الكويز، والتي دافع عنها الكثيرون كمخرج أخير لأزمة صناعة النسيج، فكما أوضحت الاشتراكي في عددها السابق (محمد واكد: بين السطور)، فإن هذه الاتفاقية، إلى جانب كونها تسوق للسلع الصهيونية الغارقة بدماء الشعب الفلسطيني، فإنها لم تفد سوى عشر شركات كبرى مملوكة لكبار رجال الأعمال من أصدقاء عائلة مبارك، ولن تكون بأي حال من الأحوال مخرجاً لأزمة صناعة النسيج المصرية. استنتاجات الدولة والثمن المر عندما يسأل النظام عن فشله الاستثنائي في تطوير قطاع النسيج وتخلفه عن سائر دول العالم الثالث في هذا المجال، رغم عراقة هذه الصناعة في مصر، يشير إلى محور الشر بالنسبة له وهو العمالة "الزائدة" والملكية العامة. والحل السحري بالنسبة للطبقة الحاكمة، هو تشريد أكبر نسبة ممكنة من العمال وتخفيض أجورهم وحوافزهم وحقوقهم لأدنى مستوى ممكن، وعرض المصانع للبيع بأي ثمن لمستثمرين أو تصفيتها تماماً. ولكن ماذا عن السنوات العشر الأخيرة؟ ألم تتم خصخصة غالبية مصانع الملابس، وجزء كبير من صناعة حلج الأقطان، وألم يدخل القطاع الخاص بقوة في صناعة النسيج في مختلف مراحلها؟ ألم يحرر النظام أسعار القطن ليخنق المصانع العامة في قطاع الغزل، ويفتح المجال لمصانع القطاع الخاص لاستيراد الأقطان الأرخص سعراً؟ وألم يتخلص النظام من أكثر من 100ألف عامل نسيج من خلال وقف التعيينات والمعاش المبكر؟ ألم يفعل كل ذلك بحجة ضرورة الاندماج في السوق العالمي ومواجهة المنافسة العالمية؟ وأمام الفشل الذريع في تحقيق تلك الطفرة المنتظرة من خلال الليبرالية الجديدة ومقتضياتها وسياساتها وبرنامجها هذا، ما هو الاستنتاج الذي يصل إليه النظام في شكل لجنة السياسات وخبرائها؟ المزيد من التي كانت هي الداء: ضرورة الإسراع في الخصخصة والتخلص مما تبقى من القطاع العام سواء بالبيع أو التصفية. والخطوة الأولى لكل ذلك هي القضاء على العمال في تلك الشركات. أولاً بتقليص ما يحصلون عليه من حوافز وأرباح ومستحقات. وثانياً من خلال المعاش المبكر، وهو مجرد شكل مجمل من التشريد. وثالثاً من خلال المواجهات الأمنية والبطش لكسر مقاومة العمال. لا صوت يعلو فوق صوت المستثمر. المستثمر يريد التخلص من نصف العمالة- السمع والطاعة. المستثمر يريد شراء المصنع بعشر قيمته- السمع والطاعة. المستثمر يريد عمالاً بلا صوت ونقابة صفراء تخدم مصالحه- السمع والطاعة. المستثمر يريد إغلاقا للمصانع وبيعها خردة وطرد العمال- السمع والطاعة. والشرطة والجيش والإعلام والصحافة والوزراء والخبراء كلهم في خدمة المستثمر. وهاهم رجال الحكومة ولجنة السياسات يوضحون من جديد في خدمة من يعملون. فقد أعلن أحمد نظيف في ملتقى القاهرة للاستثمار أنه لا رجعة عن الإصلاح والإسراع بوتيرة الخصخصة وأوضح أن أحد أهم محاور التعديلات الدستورية القادمة تهيئة المناخ الاقتصادي من خلال التخلص من مواد لا تتوافق مع التطورات العالمية. وأعلن جمال مبارك في نفس الملتقى أن "البلاد مقبلة على مرحلة جديدة من التحولات الضخمة، وأن خطوات الإصلاح خلال العامين الماضيين لا تمثل الغاية الكبرى، ولم نصل بعد إلى منتصف طموحاتنا، وأن هناك قوى ما زالت تعارض هذه التحولات وتتحداها وعلينا أن نواجه هذه القوى ونقف أمامها". وعندما يتحدث جمال مبارك هكذا في ذات توقيت إضراب المحلة، ليس من الصعب اكتشاف أن من يقصده بالقوى التي تعارض وتتحدى، والتي يدعو لمواجهتها هي الحركة العمالية وأي مقاومة جماهيرية لسياسات النهب والإفقار. أمامنا معارك صعبة في حرب طويلة وقد بدأ عمال المحلة الطريق ولكنهم ليسوا وحدهم ففي خلال الشهر الماضي وحده أضرب 3000 عامل في ميناء بورسعيد بعد، مقتل زميل لهم في حادث أثناء العمل، مطالبين بظروف عمل أفضل وأكثر أماناً وبتعويض كامل لأسرة زميلهم. وشارك أكثر من ألفي صيدلي في مؤتمر حاشد، بعد سلسلة هجمات أمنية على الصيدليات بهدف إجهاض معارضتهم لمشروع خصخصة صناعة الدواء، والسماح للشركات متعددة الجنسيات بالاستحواذ على سوق توزيع الدواء في مصر. وأضرب 150 سائق بالسكة الحديد في محطة مصر للمطالبة بالإفراج عن زميلهم المتهم في قضية قطار قليوب رغم كل الأدلة التي تشير إلى أن سبب الحادث هو الفساد وسوء الإدارة وعدم صيانة وتجديد القطارات. نضالات عمال النسيج وعمال الموانئ وعمال السكة الحديد والمهنيين من صيادلة ومدرسين، هي الأفق الأوسع والطليعة الحقيقية لحركة التغيير المصرية. اقرأ المزيد...بين معركة العمال ومعركة الدستور: الحركة العمالية في مفترق طرق
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 17:14.المؤلفون:
المصدر:
(2007)Notes:
نشرت هذه المقالة بمجلة "أوراق اشتراكية" التي تصدر عن مركز الدراسات الاشتراكية في العدد 16 بتاريخ ابريل 2007النص الكامل:
يبدو أن إضراب عمال غزل المحلة (27 ألف عامل) في ديسمبر من العام الماضي قد نبّه البعض فجأة إلى أن هناك شيء في مصر اسمه الطبقة العاملة. قبل هذا الحدث كان الاشتراكيون يظهرون بمظهر الكائنات العجيبة "التي لا تعيش بيننا" عندما كانوا يتحدثون إلى قوى المعارضة ونشطاء حركة التغيير عن الطبقة العاملة وضرورة الارتباط بنضالاتها. ثم أتى الإضراب "فجأة" ليبدأ كثيرون، ممن لم يهتموا يوما بالعمال، في الحديث عن مركزية الطبقة العاملة. لكن إضراب المحلة لم يأت "فجأة". سبقت هذا الإضراب مئات الاحتجاجات في القطاعين العام والخاص من الإسكندرية حتى أسوان. ففي العام الأخير وحده – 2006 – رصد تقرير لمركز الأرض 222 احتجاجا عماليا تنوعت بين الإضراب والاعتصام والتجمهر والتظاهر. وقبل ذلك كانت احتجاجات العمال، وفقا لإحصاءات نفس المركز، تتوالى بلا توقف: 202 احتجاجا في 2005، 265 احتجاجا في 2004، 86 احتجاجا في 2003، 96 احتجاجا في 2002، 138 احتجاجا في 2001، 135 احتجاجا في 2000، 164 احتجاجا في 1999، 115 احتجاجا في 1998، و137 احتجاجا في 1997. فلماذا إذن حظي إضراب المحلة بكل الاهتمام الإعلامي والسياسي والحكومي ولم تحظ مئات الإضرابات التي سبقته حتى بواحد على عشرة من هذا الاهتمام؟ الإجابة على هذا السؤال مهمة لأنها تشرح لنا أسباب وطبيعة "بشائر نقلة نوعية" في الحركة العمالية المصرية. فخصوصية إضراب المحلة تنبع ليس فقط من أنه انتصار كبير، وهو كذلك بالفعل، ولكن أيضا من أنه قدّم إشارات مهمة، حول فرص وإمكانيات الحركة العمالية وأوضاع السلطة الحاكمة، لقطاع واسع من الطبقة العاملة المصرية، أي بتعبير آخر: من أنه انتصار يتجاوز الحدود الضيقة للمصنع الذي حققه. من القواعد المعروفة في العلوم العسكرية أن المعارك لا تتساوى. فهناك معارك أهم من معارك وجبهات أهم من جبهات. يعتمد الأمر على قراءة شاملة للقوى وتوازنها ونقاط قوتك ونقاط ضعف عدوك. فقد تكتسب معركة ما أهميتها من توقيتها؛ مثلا أنها تأتي في لحظة اهتزاز للثقة مما يجعل النصر فيها واحد من أدوات استعادة الثقة المفقودة. أو قد تكتسب معركة أخرى أهميتها من طبيعة الهدف الذي تتوخاه؛ مثلا إذا ما وصلت وحدة عسكرية، حتى ولو صغيرة جدا، إلى موقع يدّعي العدو حصانته التامة، مما يفقده مصداقيته ويشكك في تصوراته عن نفسه. وهكذا. كذلك الأمر في معارك الصراع الطبقي. إذ اكتسبت معركة غزل المحلة محوريتها طبعا من حجم المصنع وعدد عماله المهول (ربما يكون مصنع غزل المحلة أكبر مصنع في الشرق الأوسط وأفريقيا)، لكن أيضا من أمرين مهمين: رد فعل السلطة على الإضراب، وإمكانية تعميم الانتصار. الخبرة العمالية مع الإضرابات والاعتصامات، بالذات في مصانع القطاع العام، وبالذات في مصانع الغزل الكبرى، مريرة. فلا أحد من المتابعين يمكنه أن ينسى المواجهات الدامية، وقمع الدولة الوحشي، لعمال كفر الدوار في 1984 و1994، وأيضا لعمال الحديد والصلب في 1989. هذا بالإضافة إلى الاقتحامات والاحتكاكات والتهديدات في عدد آخر لا بأس به من المصانع والمدن العمالية، ومنها بالطبع المحلة في انتفاضتها عام 1988. كان عمال المحلة يتخوفون في إضرابهم الأخير من استخدام الدولة للعنف. ففي ثاني يوم للإضراب، وكان يوم جمعة مما أدى إلى تناقص أعداد العمال المعتصمين بالمصنع، كان توقع الهجوم مطروحا بقوة. لكن "المفاجأة" كانت أن الدولة لم تهجم، بل على العكس استخدمت خطابا إعلاميا وتفاوضيا غاية في المرونة والليونة مع "أبنائنا العمال". لا شك أن هذا الخطاب له أسبابه، وهو ما سنأتي له لاحقا، لكن المهم أن أثر هذه اللغة كان كسر حاجز الخوف وإشعال شرارة ثقة في أوساط العمال. "نحن قادرون على التأثير وليس صحيحا أنه لا حول لنا".. ربما يكون هذا هو ما دار في أذهان الكثيرين منهم بعد مرور يوم الجمعة بسلام، وطلوع صباح السبت مبشرا بعودة كثافة الإضراب وقوته، ثم انتهاء الأمر كله بالاستجابة للمطالب مقرونة بكلام معسول من جانب السلطة. على جانب آخر، فإن إضراب غزل المحلة كان معديا، لأن النصر فيه كان قابلا للانتشار في كل القطاع البائس (الغزل والنسيج)، بالذات في مصانع القطاع العام. فتحقيق وعود توزيع الأرباح، التي قطعتها وزارة الاستثمار على نفسها قبل شهور، بالذات بسبب إضراب عمال المحلة، كان بمثابة رسالة للكل: إذا أردت أن تحصل على حقك عليك بالإضراب. وهو ما حدث بالفعل في سلسلة من مصانع الغزل: غزل ميت غمر، المنصورة-إسبانيا، غزل شبين الكوم، غزل كفر الدوار، مصنع السيوف بالإسكندرية، وغيرها. ما قبل المحلة وما بعدها لكن من المهم التأكيد على الحقيقة التالية: إضراب غزل المحلة، برغم دوره النوعي، جزء من سلسلة من النضالات سبقته وتلته. عادت الطبقة العاملة المصرية للنضال في عام 1984 بعد مرحلة من الركود تلت قمع انتفاضة يناير 1977 (ساهم فيها جزئيا الانتعاش الكبير، لكن الزائف، الذي شهده الاقتصاد المصري في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات). العودة كانت مع إضراب عمال كفر الدوار (1984)، الذي تلته سلسلة من "الاحتجاجات الكبرى" في إسكو (1986)، السكة الحديد (1986)، المحلة الكبرى (1986 و1988)، وأخيرا الحديد والصلب (1989). الأمر المؤسف أن نتيجة النضالات المبهرة في النصف الثاني من الثمانينات كانت، إلى حد كبير، الهزيمة. فمن ناحية أولى لم تنجح هذه النضالات، وكانت كلها اقتصادية، في إيقاف التدهور في أجور العمال الذي بدأ في عام 1985. ففي 1985، ولأول مرة منذ عام 1975، انخفض الرقم القياسي للأجور الحقيقية من 141 في العام السابق إلى 137. ثم توالت الانخفاضات حتى نهاية العقد إلى أن وصلت للرقم القياسي 94 في عام 1990، هذا مع الوضع في الاعتبار أن سنة الأساس لهذه الحسابات هي عام 1972. ومن ناحية أخرى، فإن التضحيات الكبرى في ظروف صعبة، وبدون نقابات حقيقية، التي قدمها العمال في الثمانينات انتهت، لأسباب لا مجال لذكرها الآن، إلى بدء الحكومة في مطلع التسعينات أشرس هجمة على القطاع القائد في الطبقة العاملة، القطاع العام، من خلال القانون رقم 203 المسمى بقانون قطاع الأعمال العام، وهو القانون الذي أدى إلى تفكيك هذا القطاع وتقليصه من أكثر من مليون عامل إلى نصف مليون عامل بالكاد في غضون سنوات قلائل. وهكذا بدأ عقد التسعينات القاسي! في هذا العقد شهدت الطبقة العاملة المصرية ربما أكبر عملية "فك وتركيب" رأتها في تاريخها، وهو ما صفّى تاريخا نضاليا رائعا وضرب قطاعات رائدة. وقد أثّر هذا كله على الشكل الذي أخذته معارك واحتجاجات العمال في التسعينات: نضالات اقتصادية، وليس في هذا في حد ذاته عيبا، ولكنها نضالات اقتصادية شديدة الجزئية والمحدودية وذات طابع دفاعي ولا تحدث تراكما على مستوى الوعي والتنظيم والتضامن، بل إن جاز التعبير فإن أثرها في كثير من الأحيان كان هو الإحساس بالعجز وعدم القدرة على تغيير مسار الأمور. فكثير من المعارك كانت من نوع "معارك النهاية"، أي المعركة الأخيرة قبل التفكيك والتصفية، مثلا كحالات القاهرة للمنسوجات بشبرا الخيمة والحراريات بحلوان. لكن القاعدة الأساسية للعملية التاريخية الجدلية كانت تفعل فعلها ببطء. ذلك أن النضالات الدفاعية المحدودة الجزئية، مع تراكمها، ومع تزايد أعدادها عاما وراء عام بفعل سياسات الخصخصة والليبرالية الجديدة، أدت في "لحظة مناسبة" إلى الانتقال ــ أو ربما من الأدق أن نقول إلى احتمال الانتقال ــ إلى مرحلة جديدة في النضال العمالي. وكانت نقطة البدء في تحول الكمي إلى نوعي هي إضراب عمال المحلة وما تلته من كفاحات عمالية شديدة الأهمية في الشهور الأخيرة. "اللحظة المناسبة" لا يمكنك أبدا، مهما كنت مخلصا ومدققا، أن تفهم الصراع الطبقي بتحليل ما يحدث داخل "المصنع" فقط. بتعبير آخر: لا يمكنك اختزال الصراع الطبقي إلى ما يحدث داخل أماكن العمل فحسب. هذا درس أساسي يحتاج إليه من يريد أن يفهم نضال عمال المحلة ونتائجه. من هنا يبدو أن هناك حاجة إلى فهم طبيعة ما وصفناه قبل قليل بـ"اللحظة المناسبة" التي سمحت للعمال بدفع نضالهم المتصاعد "كميا" خطوة أخرى للأمام "نوعيا". تتعلق تلك اللحظة المناسبة بالأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر، بل والمنطقة، عامة، وخاصة درجة تماسك وقوة الطبقة الحاكمة والتوازنات فيما بينها وبين الطبقات الأخرى، والمزاج الفكري في المجتمع، وحالة حركات التمرد والرفض الأخرى عدا الحركة العمالية ــ أي باختصار الصورة الشاملة للنضال الطبقي عند أبواب المصانع وبعيدا عن أبوابها. لن يكون ممكنا في هذا الحيز المحدود طرح صورة كاملة عن هذه المسألة. لكن من المناسب تقديم بعض الملاحظات. فأولا ينبغي أن نلاحظ أن واحد من أسباب انفتاح النضال المطلبي والاجتماعي في مصر في العامين الأخيرين (وهذا الانفتاح لا يقتصر على نضالات "العمال" بحصر المعنى، وإنما يضم نضالات المدرسين والصيادلة والصيادين وأهالي الأحياء والعشوائيات.. الخ) هو "مساحة المعارضة والاختلاف" التي أتاحتها عملية الأزمة/التحول التي تمر بها الطبقة الحاكمة ونظامها السياسي في نفس تلك المرحلة. فبغض النظر عن التفاصيل، وعن التقلبات من الهجوم إلى الدفاع إلى الهجوم مرة أخرى مؤخرا، يمكننا أن نرى بجلاء أن من يحكمون مصر، والمسيطرين طبقيا فيها، يمرون في الأعوام الأخيرة بمرحلة تحول، صحيح أنه جزئي ومشوّه، لكن له آثاره المهمة على الوضع العام للصراع الاجتماعي والسياسي في البلد. على خلفية ظهور علامات النهاية على الديكتاتور العجوز، بدأت مشاكل نظام الحكم في مصر تظهر وتلح طالبة إيجاد حلول. الشخص الذي طالما نجح في الإمساك بكل الخيوط وفي توفيق المتناقضات وإخراس المعارضين وإسكات الطامعين يبدو أن نهايته قد اقتربت، وهذا يعني "قلق شديد" من المستقبل يستوجب التدبير والتحرك والفعل. لكن القلق، وإن كانت قد عززته الحالة العمرية والصحية للديكتاتور، فإنه يجد مصدره في أوضاع الأزمة والتغيير الذين مرت بهما مصر في الأعوام الأخيرة: الأزمة الاقتصادية التي تطلبت القطع مع الطريقة البيروقراطية القديمة في إدارة التحول الليبرالي الجديد في مصر، والتي بالتالي تطلبت تصفية سيطرة "الحرس القديم" على بعض مواقع السلطة؛ صعود قوة رجال الأعمال الاحتكاريين وحاجتهم إلى المشاركة في السلطة بقدر ما؛ صعود الحركة الجماهيرية والنضالات المطلبية وعدم وجود أي مؤسسات "نظامية" لاحتوائها مع الحفاظ على المصالح السائدة؛ الضغوط المرحلية والمؤقتة للإمبريالية الأمريكية؛ الأزمات الإقليمية وما تعنيه من موت للدور المصري كسمسار ومن فضح للهوان والتواطؤ في أوساط المعارضة والجماهير.. الخ. إذن فنحن نشهد نظام حكم يحتاج أن يتغير، والوضع كله يضغط في اتجاه أن يتغير، لكنه لا يريد ذلك، أو بالأدق هو يتذبذب ويراوح، مع بعض الإجراءات الشكلية مصحوبة باحتكاكات بين تياراته وعناصره. ونحن أيضا نشهد ظروفا محلية ودولية تدفع هذا الأداء للطبقة الحاكمة إلى أن يكون كارثيا عليها على المدى الطويل، ولكنه في الوقت الراهن للأسف كارثيا على الجماهير وعلى قوى المعارضة. في ضوء هذا كله نمت الحركة الاجتماعية المطلبية، ونمت أيضا الحركة السياسية المناهضة للإمبريالية والمطالبة بالتغيير. والحق أن النقلة بدأت من الجبهة السياسية. فقد انفجر بركان الغضب المتراكم في التسعينات عند أضعف نقطة وفي أكثر اللحظات مناسبة: تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية في لحظة لم يكن أمام أحد في النظام من خيار إلا "التضامن" مع نضال الشعب الفلسطيني و"التسامح" مع حركة التضامن المصرية. ثم توالت السلسلة: من فلسطين إلى العراق إلى التغيير الديمقراطي إلى النضال المطلبي المهني ثم إلى النضال العمالي والفلاحي، ومن الطلاب إلى المهنيين إلى المثقفين والفنانين ثم إلى العمال والفلاحين. ونلاحظ أن القانون العام للحركة هو أنه كلما تكثفت الحركة في جهة ما، توجه النظام الحاكم تجاهها في محاولة لسد الثغرة إما بالاستيعاب أو ــ وهذا هو الأغلب ــ بالقمع. لكن سرعان ما تظهر ثغرة أخرى في مكان آخر تستلم الراية وتكمل المشوار. فلا يوجد سور عازل بين النضال السياسي والاقتصادي، وعملية التبادل بين الجبهات والمعارك تعبر عن طبيعة الوضع كله، بنفس درجة تعبيرها عن الديناميكية الخاصة للقطاع أو الفئة المعنية. وبنظرة ملموسة نجد أن الدولة تقرن مرونتها وكرمها الحاتمي المفاجئ تجاه الطبقة العاملة في نضالاتها الأخيرة، بقسوة غير معهودة مؤخرا تجاه حركة التغيير الديمقراطي وقوى المعارضة السياسية، خاصة الإخوان المسلمين. ويبدو أن الاستراتيجية المعتَمدة تقوم على تقدير أن هذه مرحلة تحول حاسمة في تاريخ نظام الحكم القائم. فهو يرتب أوضاع ما بعد مبارك، سواء على مستوى توريث السلطة، أو على مستوى تحديد شكل العلاقات والتوازنات في ظل الحاكم الجديد. وعلى هذا فالمطلوب القيام بهذه المهمة بكل سرعة لأن الظروف مهيأة الآن (أمريكا نفضت يدها من الموضوع)، ولأنها لن تظل مهيأة كثيرا، والمطلوب أيضا القيام بها بشكل يضمن نجاحها وبناء أسس لاستقرار يتلوها. في ضوء هذه الرؤية كان تصور من يحكمون البلد، بمساندة بعض "المنظّرين الليبراليين"، أن الخطة الصحيحة هي، بمعنى ما، "تحطيم المعارضة لتأسيس الديمقراطية"! فصحيح أنهم يريدون متنفسا ديمقراطيا لأنفسهم في مواجهة الحكام والبيروقراطية، لكن إن كان هذا سيأتي بالإخوان فلا داعي له. إذن فالخطة هي "أن نقضي على الإخوان، أو على الأقل أن ننزع ريشهم تماما، حتى ولو اقتضى هذا تحطيم كل إمكانية للديمقراطية في البلد"! وهكذا استخدم تحالف جناح من رجال الأعمال الاحتكاريين مع الوريث مع حفنة من رجال السلطة الهاجس الإخواني للهجوم على المعارضة والانقلاب على ما أسماه البعض أحيانا بـ"الهامش الديمقراطي". في هذا السياق، بنى النظام الحاكم ـ فيما يبدو ـ استراتيجيته للتعامل مع الحركة العمالية. فالهم الأول هنا أيضا هو الإخوان، أو بصياغة أخرى، عزل النضال العمالي عن النضال السياسي ونزع السياسة منه. وهذا ما اقتضى التعامل المرن مع النضالات العمالية الأخيرة مع السعي حثيثا لمنع اتصالها بالحركة أو المطالب السياسية. المعارك القادمة طبيعة المرحلة الليبرالية الجديدة في الرأسمالية العالمية، والوضع المصري الخاص في هيكل المنافسة الدولية، يؤكدان أن الانتعاش المصري المتحقق (انظر مقال وائل جمال في نفس هذا القسم) لن يطول كثيرا، ويؤكد أيضا أن آثاره لا يتم توزيعها على الفقراء، بل هي تقترن باستقطاب طبقي أعلى. لكن ربما كانت ميزة الانتعاش الحالي هي أنه يسهم، من ضمن عوامل أخرى، في تعزيز مطالب العمال وفي تلبيتها، مما يغذي ثقتهم النضالية. لكن الأهم من هذا أن ما يدور في كواليس السلطة من مساومات وترددات ومخاوف، على خلفية عملية الانتقال السياسي الجارية، مرشح للتزايد مع دورة أخرى من الأزمة، بل حتى قبل ذلك مع انفلات عفريت النضال الاقتصادي والاجتماعي من قمقمه. القضية الجوهرية في كل هذا هي السياسة. فالخطأ الشائع القائم على اعتبار النضال السياسي مضيعة للوقت والنضال المصنعي والعمالي هو كل شيء، هو عودة لأمراض النزعة الاقتصادية التي تمجد نضالات العمال تمجيدا أجوف، ولكن التي لا تسعى لتطويرها سياسيا إن أمكن. والحق أن انتصار المحلة وتوابعه قد كشف على الفور الآثار السياسية لأي انتصار كبير كهذا. ففور الانتصار انطرحت إشكالية التنظيم على الطبقة العاملة في المحلة وفي عدد من المواقع في صورة مواجهة مع التنظيم النقابي الأصفر ومحاولة لتشكيل لجان مندوبين عمالية. وإشكالية التنظيم في مصر هي إشكالية سياسية بامتياز. ذلك أن الدولة الديكتاتورية لا تعترف بحق التنظيم للعمال، ومن ثم فإن النضال من أجل هذا الحق سيصطدم، إن عاجلا أو آجلا، بقمع الدولة، وحسم هذا النضال لابد أن يتم على صعيد السياسة: أي على صعيد اتخاذ موقف من السلطة السياسية. بيد أنه ربما كان لدى من يخطئون خطأ النزعة الاقتصادية في أوساط اليسار وحركة التغيير بعض الحق باعتبار موقفهم هذا رد فعل متطرف ضد انحراف الحركة السياسية، ومنها حركة اليسار، بعيدا عن نضالات الجماهير وفي قلبها العمال. لكن إن انغمسنا في نضالات العمال، فأول سؤال سيطرح نفسه هو سؤال السياسة: كيف نوحد هذه النضالات؟ وكيف ننظمها في تنظيم نقابي مكافح؟ وكيف نربطها بالنضالات أخرى؟ وكيف نطور مطالبها إلى مطالب سياسية؟ كل هذه أسئلة سياسية، إن لم يجب عنها اليسار الثوري والمناضل عموما بشكل إيجابي، ومن قلب إمكانيات النضالات وليس من قلب الجدل المجرد العقيم، فسوف يجيب عنها آخرون. وساعتها سوف نفهم حجم الخطأ الذي نرتكبه بالمفاضلة العجيبة بين معركة تعديل الدستور ومعركة العمال من أجل الأرباح.. فلا مفاضلة بين المعركتين.. بل بحث عن جسر يربطهما ويوحد كل النضالات في بوتقة واحدة. اقرأ المزيد...العمال والسياسة : هل 200 احتجاج يكفون لكي يتغير الحال؟
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 16:53.المؤلفون:
المصدر:
(2006)Notes:
نشر هذا المقال بجريدة "الاشتراكي" التي تصدر عن مركز الدراسات الاشتراكية، العدد 3 بتاريخ 2 ابريل 2006النص الكامل:
تقول إحصاءات "مركز الأرض لحقوق الإنسان" أن عدد احتجاجات العمال وصل في 2005 إلى رقم قياسي: 200 اعتصام وإضراب وتجمهر وتظاهر. هذا التصاعد في الاحتجاجات العمالية يطرح سؤالين مهمين نحتاج إلى الإجابة عليهما. فلماذا لا تؤدي زيادة المعارك العمالية إلى نتائج "تنظيمية"، أي إلى تنظيم (أجزاء من) الطبقة العاملة في روابط واتحادات ونقابات ولجان حقيقية تعبر عن مصالحهم؟ ولماذا لا تؤدي زيادة المعارك العمالية إلى نتائج "سياسية"، أي إلى رفع (بعض) العمال لشعارات أوسع من مطالبهم المباشرة والجزئية ومرتبطة بمسائل أعم كالحرية السياسية والسياسات العامة للحكومة كخصخصة البنوك والتأمين الصحي وخلافه؟ هذان السؤالان يلخّصان المشكلة من وجهة نظر أي مناضل اشتراكي. فالاشتراكي يؤمن أن دور العمال مركزي في التغيير السياسي والاجتماعي الشامل. ولذلك فإن أول ما يشغل باله هو أحوال العمال: هل يتحركون بشكل فردي أم بشكل جماعي؟ هل هم منظمون أم مفتتون؟ هل يطلبون مطالب جزئية أم يطرحون مطالب سياسية؟ المصنع الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ من إدراك حقيقة مهمة جدا، هي أنه في أحيان كثيرة تسبق الحركة على الأرض الوعي والتنظيم. فبغض النظر عن الفلتات الفردية التي تسمح لأقلية من العمال بفهم متماسك للواقع السياسي، فإن "الطبقة العاملة ككل"، أو قطاعات مهمة منها، لا يتكون لديها وعي سياسى-طبقي ولا تبني نقابات أو اتحادات إلا عندما تفرض عليها الضرورة ذلك وتسمح لها الظروف بذلك. يبدو إذن أن الـ200 احتجاج سنويا ليسوا كفاية لكي يتحرك العمال خطوة مهمة إلى الأمام. فلماذا؟ السبب أن العمال يناضلون في ظروف صعبة. فالتجربة المباشرة التي عاشوها على مدى العشرين سنة الماضية تقول أن المطالب الجزئية الخاصة بالحافز أو الوجبة صعبة المنال، فما بالك بالمطالب الأكبر التي تغيّر اتجاه الدولة في الصميم؟ التجربة أيضا تقول أنه لا حاجة ملحة إلى تنظيمات نقابية تضم عمالا من شركات مختلفة لأن الاحتجاجات محدودة بحدود مصنع واحد هو مصنعهم. حتى يتغير هذا النوع من التفكير، وحتى يتحقق الإقدام على مطالب أخرى، يحتاج العمال إلى تجربة تهزهم من الأعماق. ففي ظل ميراث التفكك والهزائم المتكررة والديكتاتورية الذي يعيشه العمال، لا يمكننا أن نتوقع أن يتجاوزوا حالتهم الراهنة إلا إذا كان ضغط التطورات الواقعية كبيرا إلى الحد الذي يجبرهم على تغيير ما اعتادوا عليه من أفكار وأفعال. فلو افترضنا مثلا أن العمال "فوجئوا" بأن نضال مصنعهم انتشر واتسع، دون قصد منهم، إلى مصانع وشركات كثيرة أخرى، فإن هذا ربما يفرض عليهم التفكير في الاتصال بهذه الشركات ومحاولة تنسيق النضال. ساعتها ستنشأ فكرة "التضامن" وتتحول إلى واقع ليس من خلال الإقناع النظري، ولكن من خلال التجربة. ولو افترضنا مثلا أن العمال اكتشفوا، وسط أحد نضالاتهم، أن إضرابهم أو اعتصامهم هز رجال الدولة وأخافهم ودعاهم إلى التنازل، فإن هذا سيشجعهم على طرح مطالب أوسع، وهكذا. التجربة العملية إذن تلعب دورا كبيرا في تغيير أفكار العمال. فهم، ككل البشر، يكتشفون إمكانيات جديدة وهم يتحركون. هذا يكون صحيحا بالذات لو كانت كل خبراتهم، أو معظمها، سلبية أو مهزومة. في هذه الحالة يكون الاحتمال الأكبر هو أن الثقة بالنفس مرة أخرى تأتي من تجربة ناجحة حدثت "بالصدفة" (بالطبع كلمة صدفة هنا غير مناسبة. فبالتأكيد تحقيق انتصار مهم تكون له أسبابه الموضوعية. لكن نحن نقصد بالصدفة هنا أن العمال أحيانا لا يدركون مسبقا أن انتصارهم وارد). السياسة لكن ما قلناه حتى الآن لا يستكمل الصورة كلها. فنحن ركزنا فقط على تجربة العمال داخل المصنع، وعلى خبرتهم في النضال (أو الخضوع) داخل أسواره. لكن العمال لا يعيشون في المصنع فقط. هم أيضا يعيشون في مجتمع أكبر، ويتأثرون بالأفكار الموجودة فيه. يتأثرون بالأفكار التي يطرحها التليفزيون والصحافة الحكومية. ويتأثرون أيضا بالأفكار التي تطرحها صحف المعارضة، خاصة عندما يبدأ صوتها في الارتفاع كما هو الحال الآن في مصر. ليس هذا فقط، بل إن بعض العمال ربما يكونوا متأثرين بالإخوان المسلمين أو بالناصريين. وأقلية منهم بالتأكيد ذهبت إلى اللجان الانتخابية وأعطت أصواتها لمرشح معارض. لا يهمنا هنا أي نوع من الأفكار تأثر بها العامل، ولا أي نوع من الخبرات السياسية خاضها. ما يهمنا هو أن تجربة المصنع ليست وحدها هي التي تشكل أفكار العمال أو تحدد طريقة تصرفهم. هذه حقيقة هامة. فإذا كانت تجربة "بالصدفة" داخل المصنع قد تعطي العامل ثقة وتنقل وعيه وأفعاله خطوات إلى الأمام، فإن تجربة خارج المصنع ربما يكون لها تأثير مهم هي الأخرى. ما نقوله ليس مجرد كلام. هناك ما يثبته. ففي حالات كثيرة كان أحد الأسباب المهمة التي دفعت العمال للتحرك والنضال وتنظيم أنفسهم في نقابات بعض طول خوف وسكون، هو وجود حركات سياسية خارج أبواب المصنع أشعرت المجتمع كله، ومن ضمنه العمال، أن السلطة ضعيفة أو أن التحرك له أثر. هذا سبب كاف حتى يهتم أي اشتراكي بما يحدث خارج المصنع قدر اهتمامه بما يحدث داخله. لا خوف على الاشتراكي إن فكر هكذا. لن تكون هذه خيانة للنضال العمالي داخل المصنع. بل ربما، إذا فكر الاشتراكي صح، تكون الأحداث خارج المصنع وسيلة من وسائل تحريك الأوضاع داخله. معركتان هذه النقطة هي أحد الأشياء التي أستهدف الوصول إليها من هذا المقال. فواجبنا لا يقتصر فقط على المشاركة في معارك العمال الاقتصادية داخل مصانعهم، على رغم الأهمية القصوى لهذه النضالات. واجبنا أيضا أن نحاول تحريك أجزاء من الطبقة العاملة "من الخارج"، أي من خلال تحركات تقوم بها حركة التغيير أو أجزاء منها. لا أحد يدعي أن حركة التغيير المصرية، بضعفها وتفككها في الوقت الحالي، قادرة على تفجير الحركة العمالية ونقلها نقلة كبيرة إلى الأمام. لكن الظروف الحالية تعطي إشارات واضحة على أنه توجد احتمالات لانفجار أزمة سياسية في النظام الحاكم يمكنها أن تفتح بابا للثقة في أوساط قطاعات جماهيرية عريضة. باختصار نحن ندعو إلى التحرك على مستويين: الأول هو خوض معارك الطبقة العاملة اليومية المباشرة بطريقة تحاول ربطها بباقي المعارك المطلبية وبالمعركة السياسية، والثاني هو السعي إلى تحريك الطبقة من الخارج من خلال الضغط على حركة التغيير، وعلى حركة المعارضة كلها، لدفعها إلى التوجه للعمال وتبني مطالبهم. فقط تذكروا أن هناك 200 إضراب في العام. بالقطع تفرز هذه الإضرابات قيادات، أو حتى مشاريع قيادات، وربما يكون بعضها مستعدا للارتباط بالحركة السياسية. هناك مشكلة واحدة في هذا النوع من التفكير، وهي أن اليسار غائب. فحركة التغيير لن تتجه إلى العمال من تلقاء ذاتها. هذا سيحدث فقط إذا ما كان بها تيار يساري مؤثر قادر على تجميع قسم مهم منها حول شعاراته، وعلى الضغط على باقي الأقسام للتحرك في هذا الاتجاه. لا بديل إذن عن ربط معركة النضال في أوساط العمال بمعركة بناء بديل يساري مناضل وقوي. فهل سننجح؟ اقرأ المزيد...انتصار عمال المحلة
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 16:39.المصدر:
(2006)Notes:
نشر هذا المقال بجريدة الاشتراكي، الصادرة عن مركز الدراسات الاشتراكية، العدد 14 بتاريخ 24 ديسمبر 2006النص الكامل:
انطلقت صفارة المصنع فى شركة غزل المحلة فى تمام الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الخميس 7 ديسمبر إيذاناً ببدأ العمل كالعادة، ولكن في هذا اليوم لم يتوجه العمال إلى العمل، بل اعتبروا صفارة المصنع إعلاناً لبدأ إضرابهم الذين هددوا به يوم الإثنين السابق. مطلب الإضراب.. الأرباح يا لصوص! تعود بداية الإضراب إلي يوم الإثنين (4 ديسمبر) حين امتنع العمال عن صرف الأجور عندما فوجئوا بقرار رئيس مجلس الإدارة بصرف الأرباح بواقع 100 جنيه لكل عامل –تصل إلى 89 جنيه بعد خصم الرسوم- وذلك بالمخالفة لقرار رئيس مجلس الوزراء في مارس الماضي بصرف الأرباح بواقع شهرين لكل عامل كحد أدني. تذرع رئيس مجلس الإدارة بأن القرار لا يشمل شركات قطاع الأعمال ويقتصر علي شركات القطاع العام، فلم يقبل العمال هذه الحجة وأعلنوا امتناعهم عن صرف الأجور، مهددين بتصعيد الاحتجاج إلي إضراب شامل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم حتي يوم الخميس. حجم الإمتناع عن صرف الأجور كان ينبئ بقوة الإضراب، حيث شمل كل العمال الذين يتجاوز عددهم الـ24 ألف عامل، ولم تحدث حالات تسرب تذكر سوي لأعضاء اللجنة النقابية التي حاولت إقناع العمال بالتراجع عن موقفهم دون جدوى. وبالفعل نفذ العمال تهديدهم، بعد انتهاء مهلة الثلاثة أيام دون تحقيق مطالبهم، وبدأ الإضراب. ورغم أن اختيار يوم الخميس لبدأ الإضراب كان مغامرة فى حد ذاته، حيث يصعب الحفاظ على حشد العمال فى الشركة في اليوم التالي وهو الجمعة يوم العطلة، إلا أن العمال استطاعوا الحفاظ علي صلابة الموقف وتماسكه واستمرار الحشد. بدأ الإضراب بعمال الوردية الأولي (10 آلاف عامل)، إحتشدوا كتلة واحدة في ميدان طلعت حرب المواجه لمبنى إدارة الشركة وأخذوا يرددون هتافاً موحداً دون انقطاع "الشهرين ... الشهرين"، مما اضطر رئيس مجلس إدارة الشركة (محمود الجبالي) للاختفاء سريعاً، فرفع العمال "نعشاً" رمزياً كتبوا عليه "محمود الجبالي ظالم العمال". ولم يمر وقت طويل حتي تدفق طوفان العمال الغاضبين إلى ساحة الشركة من خلال البوابة الرئيسية، كان الرجال إلي جانب النساء فى مشهد نضالي رائع، بل كانت العاملات تتقدمن الصفوف نحو ساحة الشركة ليشكلن درعاً بشرياً لزملائهن من احتمالات عنف الأمن. وبعد ساعات من التظاهر داخل الشركة حل موعد دخول الوردية الثانية فى الثالثة عصراً، وكان الأمن قد أغلق الأبواب وقرر عدم دخول الوردية الثانية. إلا أن عمال الوردية الثانية تجمعوا خارج الشركة، وتحت ضغط العمال المضربين بالداخل وعمال الوردية الثانية بالخارج اضطر الأمن لفتح الأبواب لينضم عمال الوردية الثانية إلي زملائهم داخل الشركة ليصل حشد العمال إلى ما يقرب من 21 ألف عامل، فتعززت قوة العمال وبدأ الهتاف مرة أخرة لكن بصوت أقوى "الشهرين... الشهرين" وطاف "نعش" محمود الجبالي أرجاء الشركة، وكأنها إشارة من العمال إلى نهاية رمز الفساد في شركتهم. كان المشهد ملحمياً بمعني الكلمة، فإلي جانب صورة الحشد الهائلة، تأتي مواقف البطولة والفداء وخاصة من النساء العاملات. فمع حلول الليل بدأ العمال في إقناع زميلاتهم بالانصراف والعودة في الصباح، لكن العاملات رفضن بشكل قاطع وصممن علي البقاء. وبعد إلحاح شديد من زملائهن إنصرف جزء منهن ثم عدن بطعام من منازلهن للعمال المعتصمين، ثم انصرف جزء آخر منهن بعد قدوم الوردية الثالثة والاطمئنان على قوة الحشد العمالي. لكن عدد كبير من العاملات لم يتركن مواقعهن داخل الاعتصام حتي وقت متأخر من الليل بعد الثانية من فجر الجمعة، عندما اطمئن العمال أن قوات الأمن لا تفكر في اقتحام الشركة. جانب آخر من ملحمية الإضراب تبدت في مظاهرات الطلبة خارج أسوار الشركة، من تلاميذ الإبتدائي والإعدادي والثانوي وأغلبهم من أبناء العمال المعتصمين. صمود وانتصار! كان يوم الجمعة هو الأصعب فى الإضراب، حيث أخذ عدد المعتصمين داخل الشركة في الانخفاض حتى وصل إلي ما يقرب من الـ7 آلاف عامل في النهار. في نفس الوقت كانت رسائل المساومة تصل إلي الشركة، والتي بدأت بعرض يمنح العمال 21 يوم بدلاً من 100 جنيه، ثم ارتفع العرض ليجمع بين الـ 21 يوم والـ 100 جنيه بالإضافة إلي 5% من الأساسي. ظلت المفاوضات جارية حتي مساء الجمعة، وعندما حل المساء كان عدد العمال قد انخفض إلي أقل من ألفين، وقد بدي علي قوات الأمن المرابطة خارج الشركة أنها تقوم بتحركات مريبة. وفي منتصف الليل بدأ الأمن يصدر تهديدات، بدا عليها الجدية، بالاقتحام إذا لم يفض العمال اعتصامهم ويتركوا الشركة، ثم انقطعت الكهرباء عن الشركة للإيحاء بجدية التهديد. ولكن كان قرار العمال مواصلة النضال معلنين رفضهم أي تهديد وأنهم مستمرون في اعتصامهم، حتي يحصلوا على مطالبهم، مهما كانت العواقب. في هذه الأثناء كانت مكبرات صوت، محمولة على سيارات تطوف أرجاء مدينة المحلة والبلدات المحيطة بها، قد بدأت تعلن للعمال أن الشركة بدأت أجازة من يوم السبت 9 ديسمبر حتي لا يتوجه العمال إلي العمل في الصباح وينضموا لزملائهم المعتصمين. لكن في الصباح أضيف مشهد جديد إلي الملحمة البطولية للعمال، الذين لم يثنيهم عن النضال التهديدات أو المساومات. فمع الساعات الأولي من صباح السبت تدفق طوفان العمال قاصدين مقر الشركة، حاول الأمن منعهم بكل الطرق دون جدوي، وانضموا إلي زملائهم المعتصمين، لتمتلأ الساحة مرة أخرى ويتكرر مشهد يوم الخميس. وارتفعت الهتافات تزلزل مقر الشركة والمحلة كلها وتلقي الرعب والفزع فى قلوب الإدارة وحتي الأمن، وعادت موازيين القوى في صالح العمال مرة أخرى، حيث بدا الإضراب قوياً ومتماسكاً ويحوز تأييد الأغلبية العظمي من العمال. استمرت مظاهرة العمال –أكثر من 20 ألف عامل- يوم السبت حتي حضر إلي الشركة عزت دراج نائب المحلة بمجلس الشعب (حزب وطني) وحاول إقناع العمال بالإكتفاء بالـ 21 يوم والـ 100 جنيه، قائلاً إن الرئيس مبارك يحب العمال ويفكر فيهم دائماً وأنه "كفاية الـ 21 يوم"، فقوبل بعاصفة من الهتاف من العمال "كفاية انت... كفاية مبارك... كفاية جمال"، ثم أجبروه علي الخروج من الشركة. استمر الوضع في السخونة حتي مساء السبت حين حضر رئيس القطاع المالي للشركة فى الحادية عشر مساء بمنشور رسمي يقضي بصرف 21 يوم من الأرباح يوم الإثنين علي أن يصرف العمال شهر ونصف في يناير القادم، وتم تعليق المنشور فى جميع أنحاء المصنع، وتأكد اتنصار العمال فعلت الهتافات احتفالاً بالنصر معلنة الفوز بالمعركة. هكذا انتهي الإضراب وعاد العمال إلى عملهم ولكن أكثر قوة. المعركة مازالت مستمرة ورغم انتهاء الإضراب لم ينه العمال نضالهم ضد الفساد والاستغلال. فقد كان العمال قد بدأوا مع بداية الإضراب حملة للإطاحة باللجنة النقابية التى اختفى جميع أعضائها طوال الأحداث. وعندما ظهروا كان من خلال بيان مشترك مع وزارة القوى العاملة ووزارة الاستثمار واتحاد العمال والنقابة العامة للغزل والنسيج يُدين حركة العمال ويطالبهم بالقبول بما تعرضه الإدارة من حلول. أشعل البيان حالة من السخط الشديد من العمال على النقابة، خاصة وأن ذلك حدث بعد انتخابات نقابية مزورة فُرض فيها مرشحي الإدارة بعد منع المرشحين ومندوبيهم من حضور عملية فرز الأصوات وفوجيء العمال بنتيجة غير متوقعة. لذلك أعد العمال مذكرة لسحب الثقة من النقابة وبدأوا جمع التوقيعات عليها أثناء الإضراب حتي وصل عدد الموقعين عليها حتي الآن أكثر من ثلاثة آلاف عامل، ولازالت الحملة مستمرة بعد انتهاء الإضراب، والتي ينوي العمال بها تأسيس نقابة حرة مستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي الذي وقف ضد العمال في حركتهم. توابع زلزال المحلة لم تتوقف توابع انتصار إضراب عمال غزل المحلة داخل حدود الشركة وفقط، بل هناك مؤشرات كثيرة تنذر باحتمال انتشار عدوي الإضراب في مواقع أخري. فأثناء الإضراب أعلن عمال شركة مصر حلوان الامتناع عن صرف الأجور ورفعوا نفس مطلب عمال المحلة، المدهش أنهم قد حصلوا علي مطلبهم بالفعل بعد انتصار المحلة. كذلك أعلن عمال شركة النصر للصباغة والتجهيز أنهم لن يقبلوا بأقل مما حصل عليه عمال غزل المحلة. كما تسود الآن حالة من التوتر بين العمال في شركة الغزل بكفر الدوار تجعل الموقف قابل للتصاعد، والبقية تأتي. وعلى مستوي صناعة النسيج في مصر، فالتوقيت الذي اندلعت فيه حركة عمال غزل المحلة لا يقل أهمية عن حركتهم. فعلى مدار العقدين الماضيين واجهت صناعة الغزل والنسيج فى مصر أزمة طاحنة انعكست سلباً على الحركة العمالية في أهم معاقلها في المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة وحلوان، مما دفع الكثير بالقول بانتهاء دور العمال النضالي. وربما تكون نتائج الانتخابات النقابية الأخيرة قد عززت هذه المقولات، حيث انتهي الأمر بعد مذابح الاستبعاد والتزوير، التي أجرتها الحكومة والأمن، إلي تنظيم نقابي حكومي مائة فى المائة. ولكن دوت صرخة عمال المحلة وجاءت حركتهم القوية صفعة على وجه أعداء الطبقة العاملة، وإشارة لكل المناضلين من أجل الحرية والتغيير... هنا أرض المعركة... ناضلوا هنا. العمال ومعركة التغيير لقد خلق انتصار عمال غزل المحلة حالة معنوية مرتفعة ودفع الوعي العمالي بالشركة للأمام، بالإضافة طبعاً للحصول على المكسب الرئيسي وهو الأرباح، لكن تأثير انتصار الإضراب يكتسب أبعاداً أخري أبعد من حدود الشركة نفسها. فمنذ اعتصام عمال غزل كفر الدوار عام 1994 لم تشهد مصر احتجاجاً عمالياً ضخماً يشارك فيه أكثر من عشرة آلاف عامل. وعلي الرغم من وقوع احتجاجات عمالية كثيرة في هذه الفترة إلا أنها كانت في مواقع لم يتجاوز عدد عمالها عدة مئات أو آلاف محدودة علي الأكثر. ويعد هذا الإضراب هو الأول من نوعه منذ موجة إضرابات الثمانينيات، كما أن إضراب غزل المحلة هو أول حركة عمالية ضخمة منذ انطلاق حركة التغيير فى السنوات الثلاث الماضية. وكأن الطبقة العاملة تقول للجميع فى هذا الوقت بالذات نحن قادرون علي المشاركة والتأثير، نحن مناضلون وطليعيون من أجل الديمقراطية والحرية. لكن نضال الطبقة العاملة الديمقراطي يختلف كلياً عما نراه في نضال حركات التغيير السياسي، فالطبقة العاملة لا تطالب بالديمقراطية في تظاهرة علي سلالم نقابة الصحفيين أو شوارع وسط البلد، وإنما تفرضها فرضاً في نضالها العملي كأمر واقع. فإذا كان حق الإضراب هو أحد الحقوق الديمقراطية بل أهمها، فإن عمال المحلة لم يطالبوا به بل استخدموه –رغم قيود القانون- فى انتزاع حقوقهم المسلوبة. بمعني آخر استطاع عمال المحلة فرض ديمقراطيتهم الخاصة في التحرك والتفاوض الجماعي لانتزاع مطالبهم، مقدمين لكل القوى السياسية –التي اختفت تماماً من حركتهم- درساً هاماً في الديمقراطية والحرية بل والنظام والنضال أيضاً. اقرأ المزيد...انتهي درس غزل المحلة .. يا حركة التغيير
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 16:28.المؤلفون:
المصدر:
(2006)Notes:
نشر هذا المقال في جريدة الاشتراكي، العدد 14 بتاريخ 24 ديسمبر 2006النص الكامل:
لم يكن قد مضى على نهاية الانتخابات النقابية سوى أسابيع قليلة، بكل ما أظهرته من فساد الهيكل النقابي واستبداد النظام الحاكم الذي سعي بكل وسائل التزوير والقهر للسيطرة على تنظيمات العمال دون رد فعل عمالي ذات شأن، حتى استقيظت مدينة المحلة الكبرى ومصر كلها يوم الخميس 7 ديسمبر على صرخة عمالية هائلة أطلقها عمال شركة غزل المحلة. فقد أعلن مايقرب من الـ27 ألف عامل الإضراب والاعتصام بمقر الشركة حتى تجاب مطالبهم، واستمر الإضراب لمدة أربعة أيام بتنظيم وتصميم رائعين حتى انتصرت إرادة العمال وتمت الاستجابة لمطالبهم. طرح هذا المشهد مرة أخرى للأذهان، وبقوة، التفكير فى العلاقة المفقودة بين الطبقة العاملة وحركة التغيير السياسية فى مصر، خاصة وأن الإضراب خلى من وجود أي قوى سياسية علي الإطلاق، بل وغاب حتى أي تضامن سياسي. ربما يعكس ذلك بوضوح الاتجاه الذي تسير فيه حركة التغيير فى مصر منذ انطلاقها في العاميين الماضيين. حركة التغيير والأزمة على مدار خمس سنوات عاشت فيها مصر مرحلة جديدة من الحراك السياسى على أنقاض الموات والركود فى الحركة السياسية والوطنية الذى اتسمت به حقبة التسعينات، كان السؤال التحدي أمام الحركة الوليدة –والصغيرة- أي الطرق نسلك لتحقيق الهدف؟ كيف نسقط الطاغية ونقيم الديمقراطية والحرية لجماهير هذا الشعب؟ ثم تشعبت التساؤلات بين تيارات الحركة ونشاطئها: هل نحن بصدد تغيير نظام مبارك الديكتاتوري وإقامة ديمقراطية برلمانية دون المساس بقواعد الرأسمالية التى هى أساس الاستغلال والاستبداد؟ وهذا بالتالي يستدعي التساؤل حول: أي قوى اجتماعية يمكنها القيام بهذه المهمة التاريخية؟ كان واضحاً منذ البداية أن الاتجاه الغالب داخل حركة التغيير الوليدة –نتيجة ضعف وتشتت اليسار داخل الحركة- يرى أن مصر فى هذه المرحلة فى طور التغيير السياسي الذي يبدأ بتغيير نظام مبارك الفاسد المستبد لإقامة ديمقراطية برلمانية. ظهر ذلك جلياً في تكتيات وسلوك حركة التغيير فى العاميين الماضيين. ورغم أن هذه الحركة لم تكف عن ترديد شعارات "التغيير بالجماهير"، إلا أن المفارقة الكبري أنها لم تتخذ أي خطوات تذكر للارتباط والبناء داخل صفوف هذه الجماهير عن طريق النزول إليها وتبني مطالبها البسيطة الحياتية، التى هي فى الحقيقة الترجمة الفعلية لكل جرائم هذا النظام الذي نريد تغييره. لم يُكسب هذا التفكير الحركة سوى ضعف على ضعفها وعزلة واستمرار لنخبويتها ومن ثم انكماش –بدلاً من توسع- حجمها ونفوذها. كلنا شاركنا في مظاهرات ومسيرات حركة كفاية والحملة الشعبية من أجل التغيير وغيرهما من الفاعليات التى انبثقت عنها الأرض بكثافة فى العاميين الآخيرين. جميعها كانت ترفع شعارات التغيير، ومظاهراتها لم تتجاوز فى ذروة الأحداث الألفين أو الثلاثة آلاف ناشط، جابوا أنحاء وسط البلد في مشهد جديد لم تتعود عليه أجيال الشباب التى عاشت عمرها تحت وطأة ديكتاتورية مبارك. ورغم أن هذه الحالة خلقت خطوة إيجابية على طريق التغيير، إلا أنها تعاني الآن من الإحباط الشديد نتيجة الضعف والتشتت الذي انعكس فى فعاليات الحركة والتى أصبحت لا تتجاوز فى أقصي تقدير بضعة عشرات. عمال المحلة في مقدمة المشهد في مقابل هذا المشهد وبين يوم وليلة كان هناك ما يقرب من 27 ألف عامل فى غزل المحلة يتظاهرون ويعتصمون ويضربون عن العمل من أجل مطالبهم، وينتصرون في تنظيم وتماسك رائعين ربما يعجز عنهما الكثيرون من عتاة الساسة فى مصر. إن المقارنة بين هذين المشهدين من قبل أي من الحالمين بالتغيير فى هذا البلد تستدعي على الفور تساؤلات على جانب كبير من الأهمية، من وجهة نظرنا: هل سعت حركة التغيير يوماً لكسب قوة هذا المارد العمالي؟ هل يمكن أن نتصور الوضع بالنسبة لحركة التغيير من زاوية موازيين القوة مع الدولة والنظام إذا كان الـ 27 ألف عامل فى غزل المحلة يرفعون شعارات التغيير السياسي إلي جانب مطالبهم، كما فعلوا ذلك عدة مرات؟ وإذا علمنا أن هناك -بالإضافة إلى عمال المحلة- ملايين العمال فى ربوع مصر المختلفة يتحركون كل يوم بوتيرة متصاعدة ضد سياسات الاستغلال والاضطهاد التى يصنعها هذا النظام، ليس فقط فى مصانعهم ولكن أيضاً فى أحيائهم السكنية ومدارس أبنائهم وأقسام الشرطة وفى طوابير الخبز ....إلخ، فهل يمكن أن نتصور كيف سيكون الحال إذا تبنى هؤلاء شعار إسقاط الديكتاتورية من أجل إسقاط همومهم؟ هل سيستطيع هذا النظام أن يستمر طويلاً؟ هل يمكن أن نتصور الوضع إذا تبنى هؤلاء شعار "لا للتوريث"، في حال استيقظنا فى الصباح على الخبر السعيد بوفاة مبارك والخبر المشئوم بتولى جمال الحكم؟ هل يمكن أن يمر التوريث بسلام، في هذه الحالة؟ إذا كانت الإجابة على هذه التساؤلات كاشفة لدور العمال، فعلى حركة التغيير أن تسأل نفسها السؤال الأهم: ماذا فعلت من أجل ارتباطها بحركة الجماهير بشكل عام والعمال بشكل خاص. ولعل أقرب الأمثلة على تجاهل حركة التغيير للعمال هو الانتخابات النقابية الأخيرة؟ فرغم الادعاءات الكثيرة بالدفاع عن الديمقراطية ضد الفساد والطغيان، فقد أجريت انتخابات النقابات العمالية وانتهت بكل ماشابها من تزوير وانتهاكات ومذابح للمعارضة دون اهتمام يذكر من حركة التغيير، حتى من هؤلاء الذين يدعون الاهتمام بالشأن العمالي؟ وكأن الديموقراطية مرتبطة بصناديق الانتخابات الرئاسية ومجلس الشعب فقط دون الانتخابات العمالية. فهل يمكن للعمال وغيرهم من الفقراء والمهمشين الارتباط بحركة التغيير وسط هذا التجاهل التام؟ وهل يمكن أن يكون لحركة التغيير أي مستقبل في ظل غياب القوة الوحيدة التي يمكنها تحقيق الهدف وهو إسقاط الديكتاتورية؟ هذه التساؤلات تستحق وقفة جادة من حركة التغيير ومناضليها لإعادة حسابات المعركة، والسعي بكل قوة لامتلاك قوتها الحقيقية التي تكمن فى كتلة الجماهير الكادحة وفى القلب منها الطبقة العاملة. وإذا اعترفنا سوياً أن المأزق الحقيقي لحركة التغيير هو استمرار نخبويتها وفشلها حتي الآن في التحول إلي حركة جماهيرية، فنحن نثق تماماً بأن المخرج الوحيد لهذا المأزق يكمن بشكل أساسي فى السعي الآن وفوراً لمد الجسور مع الجماهير فى مواقعها وتنظيمها وربط حركتها ببعضها البعض. ليس من خلال بيانات التعاطف معها ولكن عن طريق تبني همومها وقضاياها والنضال معهم عليها، وبذل محاولات صبورة وطويلة النفس لربط ما هو مطلبي واقتصادي بما هو سياسي وعام. اقرأ المزيد...مصطفى بسيوني: أمام اليسار الكثير ليتعلمه من الحركة العمالية
نشره ayyam.admin يوم أحد, 2007/12/02 - 16:19.المؤلفون: