الأقباط

باحثون عرب وأجانب في مؤتمر (أيام الاشتراكية) بالقاهرة


المؤلفون:

رويترز

المصدر:

(2007)

Notes:

نشرتها رويترز بتاريخ 28 نوفمبر 2007

النص الكامل:

القاهرة (رويترز) - يعقد مركز الدراسات الاشتراكية بمصر مؤتمره السنوي بالقاهرة الاسبوع القادم تحت عنوان (أيام الاشتراكية) بمشاركة نخبة من الباحثين العرب والاجانب. وقال المركز في بيان ان المؤتمر سيفتتح في نقابة الصحفيين في السادس من ديسمبر كانون الاول بجلسة عنوانها (معارك الالفية الثالثة.. ميلاد جديد للمقاومة الجماهيرية) وسيناقش على مدى أربعة أيام قضايا منها (صعود المقاومة في الشرق الاوسط.. معضلات وافاق) و(الليبرالية الجديدة على الطريقة المصرية) و(صعود النضالات الاجتماعية في مصر) و(خصخصة الجامعات في مصر) و(كيف نفهم الدولة الصهيوينة) و(الثورة البلشفية.. تسعون عاما على انتصار العمال). ومن المشاركين في المؤتمر اللبنانيان فواز طرابلسي وعلي فياض والعراقي سامي رمضان ومن المصريين عبد الوهاب المسيري وسمير أمين وعاصم الدسوقي وكمال خليل وبشير السباعي والبريطانيان كريس هارمان وجون روز مؤلف كتاب (أساطير الصهيونية). وسيعرض ضمن أنشطة المؤتمر فيلمان أحدهما (عالم حر) للمخرج البريطاني كين لوش الذي نال جائزة السيناريو في الدورة الاخيرة لمهرجان البندقية. اقرأ المزيد...

فى أصول المسألة القبطية


المؤلفون: 

المؤلفون:

جمال صدقي

المصدر:

(2005)

المسار:

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=52644

Notes:

نشرت في الحوار المتمدن العدد 1403 بتاريخ 18 ديسمبر 2005

النص الكامل:

أظن أنه ينبغى مناقشة المسألة القبطية بعيداً أولاً عن الحساسيات، وبعيداً ثانياً عن الشعارات الفارغة عن وحدة وطنية مزعومة. وثالثاً، وهو الأهم، الإعتراف بأن هناك مسألة قبطية فعلاً تحتاج للحل. وبعيداً عن الحساسيات نقصد به أن العلاقة بين المسلمين والأقباط فى مصر ليست حالة خاصة ولكنها حالة تكررت فى التاريخ عشرات بل ومئات المرات بين أقليات وأغلبيات، دينية كانت أم عرقية. وبالتالى فلا ينبغى ان تؤخذ المسألة على أنها حالة خاصة بالإسلام ولا بالقبطية. وفى الأزمنة المبكرة للحكم العربى فى مصر ـ حين كان العرب أقلية والأقباط أغلبية ـ حكمت العلاقة بينهما تلك القواعد التى تنظم العلاقات بين أقلية أوليجاركية أو أرستقراطية حاكمة (العرب آنذاك ) وبين أغلبية محكومة. وفيما بعد، تحوّل الأقباط لأقلية فأصبح الحاكم هو تلك القوانين التى تحكم علاقة أغلبية حاكمة بأقلية محكومة فى أى مجتمع. وبالتالى، فالتشريعات الإسلامية ـ فيما قبل الدولة الوطنية ـ لم تكن هى الحاكمة للعلاقة بين الطرفين، بل الأمر الواقع. شأنها فى ذلك شأن العلاقة بين الحكام المسلمين والمحكومين المسلمين طوال تاريخ الدولة (الدول؟!) الإسلامية التى صاغتها اللحظة التاريخية بعيداً عن الشريعة وما تقرره. وحين دخل العرب المسلمون مصر، إستعانوا بالنخبة القبطية فى إدارة شئون البلاد ( شأنهم فى ذلك شأن من سبقهم مثل الرومان واليونان ). وشيئاً فشيئاً تسلل أفراد هذه النخبة القبطية إلى الطبقة الحاكمة وأصبحوا جزءاً منها لا يجرى عليهم ما يجرى على بقية الشعب المصرى ( مسلمين ومسيحيين ). ونادراً ما إضطر أحدهم لتغيير ديانته لتفادى تمييز ما أو للحصول على مكاسب أعلى. وهذا هو الوضع الذى سيستمر حتى اللحظة الراهنة. فى الوقت الذى كانت فيه الصراعات الإسلامية /الإسلامية القائمة على أساس مذهبى (شيعة/ سنة ) أو على أساس عرقى (عرب / بربر) فى الدولة الفاطمية مثلاً، أشد وطأة وأعنف بمراحل مما شهدته مشاحنات المسلمين والأقباط عبر التاريخ. ينبغى إذن تخليص تلك المشكلات من بعض وجهها الدينى المستعار، ورد بعض وجهها الإجتماعى والسياسى الحقيقى ـ لكن ـ المنفى والمستبعد. فالمسألة فى جوهرها لا علاقة لها بإسلام أو مسيحية. لكن حكم الأمر الواقع، أو الظرف التاريخى يعنى أن تفقد الشرائع والنظم والقوانين والأخلاق سطوتها لصالح التحولات الجارية أو الواقع الذى يفرض نفسه. كما يعنى أن تتحمل الأقلية أولاً وقبل الآخرين وبشكل مضاعف عبء أى أزمات أو توترات إجتماعية أو سياسية. وتفاصيل هذا موجودة فى كل تاريخ الشعب المصرى وبقية شعوب العالم . وحتى فى حالة الغزو الخارجى، تعانى الأقليات دائماً أكثر من الآخرين. فالغازى دائماً ما يراهن على معاناتهم فيبدأ فى الإتصال بهم وتقديم الوعود، والداخل دائماً ما ينظر لهم بعين الريبة. ففى الحروب الصليبية مثلاً، ورغم أن مسيحي الشرق بشكل عام عانوا الأمرين من هذه الغزوات ( بما فيهم مسيحيو شرق أوروبا، كما حدث لبيزنطة مثلاً )، ورغم تحالف دول وإمارات إسلامية أحياناً مع الغازين لتحقيق بعض المصالح، كان على الأقباط دائماً إثبات ولاءهم للدولة الإسلامية قبل أى شئ آخر. وبرغم معاناتهم من الغازين مثلهم مثل المسلمين فقد ظلوا محل شك وريبة دائماً، وكثيراً ما تحولوا الى رهائن يتم الإنتقام منهم كرد فعل على الغزو. حدث ذلك إبان الحروب الصليبة وتكرر أيضاً مع الإستعمار الحديث. وفى ذلك أيضاً ليس هنالك شئ خاص أو إستثنائى بل هو نفس القانون الذى يحكم علاقات الأقلية بالأغلبية فى مثل هذه الظروف فى العالم كله. علينا إذن أن نناقش المسألة بإعتبارها مشكلة علاقة أقلية بأغلبية دينية متكررة فى كل تاريخ البشرية ولكن بعيداً عن الدين. فالدين لم يكن يوماً هو الذى يقرر طبيعة علاقة الطرفين وإنما الظروف الإجتماعية. وإستبعاد الدين بهذا المعنى ينفى أية حساسيات محتملة من الطرفين. أما شعار الوحدة الوطنية، فهو شعار حديث. وهو شعار مرتبط ببزوغ آفاق الدولة الوطنية الحديثة، وكان من إرهاصاتها مع بداية أفول الدولة العثمانية (وهذا يفسر عدم ظهور هذا الشعار فى مواجهة الحملة الفرنسية مثلاً ). وقد تم صك هذا الشعار فى مواجهة الإستعمار الإنجليزى كأحد أعمدة الدولة المصرية الحديثة النازعة نحو الإستقلال . لكنه لم يتجاوز أبداً مرحلة الشعار. فحين يصل رافعو أى شعار الى الحكم لابد وأن يترجم فوراً إلى دساتير وقوانين ويتم تفعيله فى الواقع فوراً. ولكن هذا ـ ولأسباب كثيرة ـ لم يحدث أبداً مع شعار الوحدة الوطنية. فلم يتطور أبداً إلى المواطنة الكاملة المتساوية الواجبات والحقوق فظل الشعار مرفوعاً حتى اليوم (وكأن المصريين لم يستقلوا بعد ولم يصلوا لحكم بلادهم بأنفسهم ولازالوا يطالبون بالوحدة الوطنية.! فى مواجهة من؟). وهو أمر مرتبط أساساً بعدم تطور الدولة الوطنية الحديثة فى مصر حتى الآن. وبالتالى عدم تحقق فكرة المواطنة الكاملة للمصريين بشكل عام ( مسلمين ومسيحيين ) ، وظل المصريون مجرد رعايا فى بلادهم.. وشعار الوحدة الوطنية يعنى أن هناك أكثر من عنصر فى المجتمع المصرى معترف بهم وبوجودهم المستقل والمنظم وانهم ( إنهما ) قررا الإتحاد فى مواجهة طرف ثالث. ومجرد رفع هذا الشعار الآن إنما هو إقرار أولاً بعدم إكتمال الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية الحقوق والواجبات والمعتمدة على الكفاءة بغض النظر عن الدين واللون والجنس .. إلخ، وهو أيضاً إقرار بعدم الرغبة فى تجاوز ذلك الوضع وإبقاءه على ماهو عليه : عنصرا أمة منفصلان ولا يندمجان وإنما يتحدان فى مواجهة الأخطار ..!! إذن فشعار الوحدة الوطنية المرفوع الأن هو شعار بلا معنى ولا مضمون فى ظل إختفاء الظروف التى أنتجته( الإستعمار الإنجليزى وإرهاصات الدولة الوطنية ). ويصبح الإصرار على رفعه ( فى الفاضية والمليانة ) هو إصرار على تجاهل الواقع وتجاوز إستحقاقات حان وقت نقاشها. ثالثاً، شهد المجتمع المصرى تغيرات وتقلبات عميقة خلال النصف قرن المنصرم، وبالتالى فقد شهدت علاقة الأقباط والمسلمين والدولة تعقيدات كثيرة خلال النصف قرن الماضى. وقد حكم هذه العلاقات خلال تلك الفترة عوامل عدة بعضها تاريخى مما ذكرنا، أومما يستند لميراث الدولة العثمانية فى تنظيم علاقتها بالأقليات، مثل الخط الهمايونى الذى لازال يحكم الكثير مما يخص الأقباط فى مصر. وبعضها يخص علاقة الدولة الناصرية بكل مؤسسات المجتمع ومنها الدينية وتأميمها لتلك المؤسسات. وبعضها يرجع لطبيعة تطور المجتمع بعد هزيمة 67 وتراجع المشروع الناصرى وصعود التيار الدينى، ثم تحالف دولة السادات مع هذا التيار وخضوعه لإبتزازه أو إضطراره لممالئته. وبعضها يخص تلاعب الدولة ذاتها بورقة المسلمين والأقباط فى مصر خلال السبعينات وما بعدها. لكن الأهم هو تدخل الدولة لتنظيم ( فى الحقيقة الحد من) الوجود القبطى فى المؤسسات العامة مثل الجيش ورؤساء الجامعات والمحافظين .. وغيرها، والأكثر أهمية هو ذلك التدهور والإنحطاط الذى أصاب الدولة المصرية فى الثلاثين عاماً الماضية والذى قضى على الكثير مما تحقق منذ بداية القرن العشرين وفكك عرى الدولة المصرية مما أحال المواطن المصرى إلى روابطه الأولى العشائرية والقبلية والإقليمية والدينية وهو ما يعنينا هنا. تفكك الدولة وتدهورها كان هو العنصر الحاسم الذى أعطى للروابط والمؤسسات الدينية ذلك الزخم. وهكذا نما دور الكنيسة نمواً هائلاً فأصبحت الوكيل المتحدث بإسم الأقباط مع الدولة ومع الخارج. تتدخل لديهما لحل أى مشكلة تواجه قبطياً. فأصبحت دولة ( للأقباط ) داخل الدولة. حدث هذا بمعرفة الدولة ومباركتها ومباركة التيار الإسلامى أيضاً الذى إستنام إلى تحول الأقباط إلى أقلية ذمية بدلاً من تحولهم إلى مواطنين كاملى الأهلية الوطنية. فأوضاع الأقليات أو الطوائف، فى أى مجتمع يعترف بها ومنظم على أساس وجودها، تستوجب وجود تنظيم او مؤسسة تدير شئون هذه الأقلية وتكون وكيلاً عنها فى التعامل مع الدولة. وهذا بالضبط ما حدث للأقباط فى الثلاثين عاماً الماضية. هكذا تدهورت أوضاع الأقباط فى مصر من مواطنين يعانون بعض التمييز إلى أقلية دينية يحكم علاقتهم بالدولة والأغلبية نفس القانون الذى تحدثنا عنه آنفاً. بمعنى أنهم سيتحملون أولاً، وبشكل مضاعف، آثار كافة التوترات الداخلية والخارجية. وما أكثرها وأحدها فى مصر فى المرحلة القادمة. ولذا فلم يكن صدفة أنه وبينما الأمور تتطور فى هذا الإتجاه ( تزايد إنحلال الدولة ) شهدت مصر فى السنوات العشر الأخيرة عدداً من التوترات الطائفية هو الأكثر والأشد هولاً فى تاريخها الحديث (أحداث الكشح مثلاً ). وزادت الإتهامات المتبادلة بالتنصير أو الأسلمة ووقفت بالأمور على حافة الإنفجار أكثر من مرة. وبقاء الأوضاع على ماهى عليه ينبئ بتفجرات أعنف لأسباب حقيقية أو مخترعة. إذن فالدولة والإسلاميون والكنيسة ـ وربما البعض فى الخارج ـ من مصلحتهم بقاء الوضع الحالى على ماهو عليه. فمن مصلحة من التغيير إذن ؟! .. إنها مصلحة الشعب المصري كله، مسلموه قبل أقباطه : فإذا كان إيقاف هذا الوضع المتردى من مصلحة الأقباط المصريين ( بعيداً عن الكنيسة ) لأنهم سيكونون دائماً اول ضحايا الأزمات الإجتماعية القادمة قبل غيرهم. فإنه أيضاً، وبعيداً عن الدوافع الأخلاقية أو الإنسانية العامة، من مصلحة المصريين المسلمين : 1 ـ إن إقامة الدول الوطنية الحديثة، المتعالية على علاقات القرابة والدين وغيرها، لم يكن هدفاً فى حد ذاته، بل لأن الدول الحديثة هى الأكفأ فى إدارة شئون المجتمعات. فاعتماد معيار الكفاءة بغض النظر عن الدين والجنس واللون من شأنه السماح للمجتمع بالإستفادة القصوى من كفاءة أبنائه. 2 ـ أن الشعب المصرى كله، فى أزماته ومشكلاته، الحالية والتالية، سيجد نفسه ـ وبعد أن تم تزييف وعيه ـ يصوب فى الإتجاه الخاطئ فتنخرط جماهير المسلمين والمسيحيين فى القصاص من بعضهم البعض دون أن تواجه الدوافع والأسباب الحقيقية لما تعانيه. ولابد لأى مسلم فقير أن يسأل نفسه ما الذى يجمعه فعلاً بأحمد عز أو بهجت أو أبو العينين أو غيرهم . ولابد لأى مسيحى أيضاً أن يتساءل مالذى يجمعه حقاً بساويرس وغبور ولكح وآل غالى ( بطرس الأكبر وأحفاده ) وغيرهم. لا شئ يجمع أولئك وهؤلاء. بل العكس، فالذى يجمع العز وساويرس وبهجت وغبور ولكح وابو العينين كثير. والذى يجمع فقراء المصريين وطبقتهم المتوسطة ( مسلمين ومسيحيين ) أكثر. وفى ضوء ما سبق، تصبح المسألة القبطية موضوعاً يتم نقاشه فى إطار النقاش حول موضوع المواطنة لجميع المصريين ( مسلمين ومسيحيين ). أى فى أطار عملية تحديث الدولة المصرية وإعادة ترتيب العلاقة بين المواطنين والسلطة، أى مقرطة المجتمع بشكل عام. ولكن إذا ما كان تحديث ومقرطة الدولة والمجتمع شرط للتسامح الدينى المتبادل فإنه لا يعنى أن تحل المسألة الدينية بشكل تلقائى. بل يعنى فقط انها لا يمكن أن تحل بعيداً عن هذا الشرط. فالمسألة الدينية تحتاج نضالاً خاصاً بها وتركيزاً عليها بإعتبارها قضية ذات طابع خاص لأن كثيراً من قوى المجتمع ونخبه ربما تطرح التحديث على أجندتها دون أن تعطى لهذه المشكلة الإهتمام الكافى. وهذا ينقلنا الى التساؤل التالى: ـ ماهى القوى الإجتماعية المؤهلة لقيادة هذا المشروع ؟ وماهو موقف النخبة ( النخب ؟ ) الإجتماعية والسياسية من موضوع المواطنة ؟ هنا ينبغى أن نرصد عدة حقائق : ـ أن موضوع تحديث الدولة المصرية لم يكن مطروحاً أبداً بالقوة والزخم المطروح بهما فى السنتين الأخيرتين. وربما يفسر هذا جزءاً من تصاعد التوترات الطائفية حيث تشعر بعض القوى بأن إعادة الترتيب على وشك البدء وأنها لابد وأن تطرح شروطها ورؤاها ممارسة ضغوطها بأشكال عدة. ـ ورغم ذلك فإن موضوع المواطنة الكاملة غير مطروح على برنامج أى من القوى الإجتماعية سواء الرأسمالية المصرية الحديثة أو الطبقة الوسطى. فالأولى ليس فى أجندتها حتى الآن سوى تحرير الإقتصاد وفرض شروط السوق دون الإهتمام بأى موضوع آخر. بل إن الشواهد تؤكد أن تلك الطبقة ترتب أوضاعها على أساس ذلك الوجود الطائفى وليس على أساس نفيه. وربما كان ذلك لأن التوترات الطائفية لم تسبب أى إزعاج لصيرورة برنامجها حتى الآن. بل ربما كانت التوترات الطائفية عنصر إلهاء عما قد يتسبب فيه تسريع برنامج التحرير الإقتصادى من توترات إجتماعية شديدة ربما أعاقته. أما الطبقة الوسطى، ورغم انها ليست شيئاً واحداً إلا اننا يمكننا القول وبإطمئنان شديد أن أغلبها متأثر بخطاب التيار الإسلامى. ونظرة سريعة إلى حجم تواجد هذا التيار داخل النقابات المهنية كافية للتدليل. أما التيار الإسلامى الجديد، الأكثر تسامحاً وإندماجاً فى السوق الرأسمالى العالمى فلازال أضعف كثيراً من أن يغير فى هذا الخطاب بله أن يصبح مؤثراً فى تلك الطبقة. والحقيقة أن التوترات الطائفية والتجاذب العنيف هو داخل تلك الطبقة بالأساس. ورغم أن الإنفجارات الأشد تكون فى الريف ( الكشح مثلاً ) إلا أن التوتر الدائم هو فى المدن التى ربما تشهد أطرافها إنفجارات أعنف. وربما كانت الطبقة العاملة مختلفة قليلاً من حيث ضعف توغل الخطاب الإسلامى فيها لأسباب كثيرة، إلا أنها أضعف حتى من أن تدافع عن حرياتها النقابية والتنظيمية، بل إنها أضعف حتى من أن تجعل من بعض القضايا النقابية قضايا عامة للطبقة، فما بالنا بقضايا وطنية مثل الحريات والمواطنة . هذه الأوضاع الإجتماعية تنعكس فى خطابات النخب وبرامجها. فكل الأحزاب تكتفى بطرح شعار الوحدة الوطنية( ؟! ) والمساواة بين المواطنين (؟!) ولا تطرح خطاباً واضحاً فيما يخص فصل الدين عن الدولة، ولا تسعى لتغيير الدستور الذى ينص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع (وعلى المسيحى أن يشعر بالمساواة ؟! ). بل أن الوجود الضعيف والغائم لبعض الفقرات الخاصة بالموضوع فى هذا البرنامج أو ذاك سرعان ما يتلاشى تماماً امام براجماتية وعدم مبدأية بعض القوى الليبرالية أو اليسارية ( الوفد والغد والإشتركيين الثوريين مثلاً ) فتسعى للتحالف مع الإخوان المسلمين الذين لم يغيروا خطابهم فى هذا الشأن مطلقاً وتجلى ذلك تماماً فى أحداث الإسكندرية ومظاهرات الأزهر (الجمعة 21 أكتوبر). ولا يتبقى فى المجتمع سوى بعض قوى اليسار الراديكالى هى التى تطرح برنامجاً جذرياً علمانياً تطالب فيه بفصل للدين عن الدولة وبمساواة حقيقية للجميع دون نفرقة لأى سبب. لكن هذا اليسار ضعيف وغير قادر سوى على الطرح الدعائى ليس أكثر. أى أن يكون ورقة ضغط وليس قوى فاعلة يمكنها أن تكسب أرضاً كل يوم فى إتجاه التغيير الحقيقى. هذا الوضع المعقد والبائس لا يترك سوى القليل مما يمكن فعله الآن، إلا أن أغلبه يتوقف على حركة الأقباط أنفسهم : ـ ينبغى على الأقباط أن يدركوا أن تحررهم لن يأتى بمنحة من أحد ولكن بنضالهم هم أنفسهم من أجله. كما أن إحتجاجهم ينبغى ألا يكون بمزيد من الإندماج فى الكنيسة ولكن بمزيد من الإندماج فى المجتمع. فينبغى مثلاً أن ألا يتوجهوا بإحتجاجاتهم نحو الكنيسة ولكن نحو المؤسسات المدنية الوطنية مثل مجلس الشعب، مجلس الوزراء، رئاسة الجمهورية .. إلخ. فتوجههم للكنيسة هو إبقاء للمسألة فى حدود الدين ودعم للفصل الطائفى، والعكس صحيح ... ـ التوقف عن المراهنة الخاسرة على الخارج. لأن هذا الخارج يتعامل تاريخياً بإنتهازية شديدة مع المسألة. فهى بالنسبة له مجرد ورقة ضغط لتحقيق مصالحه ليس أكثر، وسوف يلقيها إذا ماتحققت مصالحه أو إذا تعارضت معها. بل أن التطورات التى شهدها هذا الخارج ( صعود المحافظين الجدد، بروز مفهوم صراع الحضارات ) قد يعطى للمسألة مزيداً من التعقيد. ـ إعادة الإندماج فى المجتمع تعنى الإنخراط بفعالية فى كل نضالاته من أجل التحديث والإنعتاق. أى إعادة الإنخراط فى مؤسسات المجتمع المدنى ( الأحزاب والنقابات .. إلخ ) خاصة تلك التى ترفع شعار الدولة العلمانية وتسعى من أجل المواطنة الحقيقية والكاملة للجميع بما يعنى: الكف عن روح المحافظة الدينية التى استشرت فى السنوات الأخيرة . الكف عن المراهنة على الدولة وتمثيلها النسبى للأقباط فى المؤسسات لأن وجود الأقباط فى المؤسسات بصفتهم أقباط لايعنى سوى تأكيد الطائفية. من العرض السابق، فإن القوى الإجتماعية وقوى المجتمع المدنى والنخب غير مؤهلة الآن للقيام بدور فاعل فيما يخص المواطنة والمشكلة الطائفية. وبخلاف الأقباط أنفسهم، فليس هناك من أمل سوى فى بعض قوى اليسار الردايكالى القادر على طرح المسألة طرحاً جذرياً علمانياً حقيقياً. وبغير هاتين القوتين فلا رهان على أحد. هذا هو قدر الأقباط ( والأقليات عموماً ) واليسار أن يحملوا معاً المشعل فى مجتمع متخلف تعجز برجوازيته عن القيام بأى من مهامها فضلاً عن تزييفها للوعى وتكريسها للتخلف. فهل تنهض القوتان بما قيض لهما أم يشتعل الوطن؟ اقرأ المزيد...

مؤتمر أيام اشتراكية 2005


المؤلفون:

No Author

المصدر:

(2005)

ملخص:

عقد مركز الدراسات الاشتراكية مؤتمره السنوي الأول "أيام اشتراكية" على مدى أربعة أيام من24-27 فبراير 2005 في نقابة الصحفيين، وكان المؤتمر ذا طابع تثقيفي يهدف إلى طرح رؤية اشتراكية من القضايا المعاصرة وفتح باب الحوار والنقاش حول هذه القضايا مع التيارات اليسارية الأخرى. وفيما يلي ملخص للقضايا والمحاور التي طرحت في الجلسات المختلفة.

Notes:

نشرت في مجلة أوراق اشتراكية، العدد الثامن، ابريل - مايو 2005

النص الكامل:

1. الاشتراكية ومستقبل عالمنا الجلسة الافتتاحية قدمت نظرة شاملة لمسألة النضال من أجل الاشتراكية في عالمنا، وكيف نفهم تاريخ وحاضر هذا النضال وقد تحدث في هذا الموضوع كل من أحمد نبيل الهلالي وكريس هارمان. تحدث نبيل الهلالي، المناضل الشيوعي والمحامي العمالي الكبير، عن أهمية تقييم حصاد النضال من أجل الاشتراكية على مدار القرن العشرين للرد على كل المحاولات تشويه ماضي الاشتراكية ومستقبلها. فالانهيارات التي عصفت بما يسمى المعسكر الاشتراكي أطلقت العنان للادعاءات القائلة بأن الماركسية فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق في الواقع، ومسيرة البشرية سوف تفند كل هذه الادعاءات فحقائق عالمنا اليوم تشهد بأن الظروف التي ولدت الماركسية لم يتم تجاوزها فعلا. فاتساع التفاوت الطبقي، واشتداد وطأة القهر والاستغلال الطبقي في ظل الرأسمالية العالمية تعني توسيع القاعدة الاجتماعية المناهضة لها. إن توضيح الأمور يتطلب منا أن نفهم أن الأنظمة الشيوعية التي انهارت لم تكن أنظمة شيوعية بل مجرد أنظمة انتقالية، كما أن فشل التجربة السوفيتية لا يبرر على الإطلاق الشطب على الماركسية ذاتها, فالأزمة ليست أزمة الماركسية بقدر ما هي أزمة الماركسيين وتحديدا الأحزاب والأنظمة الحاكمة والتي حولت النظرية من نظرية ثورية إلى نظرية سلطوية تبرر سطوة السلطة. إن الماركسية نظرية علمية متطورة قابلة للتجديد والاستحداث وهذا لن يتحقق على يد مفكرين معزولين عن ساحات النضال، لأن تجديد النظرية الثورية مستحيل أن يتم بعيدا عن الممارسة الثورية على أرض الواقع. بدأ كريس هارمان حديثه بأنه منذ عشر سنوات، قالت كل الأطراف إن الاشتراكية انتهت، وتحدث بوش الأب عن نظام عالمي جديد يتحقق فيه السلام العالمي، وتحدث المدافعون عن الرأسمالية باعتبارها تمثل نهاية التاريخ، ولكن إذا نظرنا إلى تاريخ الرأسمالية الصناعية، نجد أن عمرها هو 250 سنة، في حين أن تاريخ البشرية عمره 200 ألف سنة، أي أن الرأسمالية كانت موجودة في 2 في الألف من عمر البشرية، وبالنسبة لبلد كمصر، يرجع بناء الأهرام إلى 5 آلاف سنة، في حين أن تاريخ الرأسمالية يعود فقط إلى 150 سنة، لذلك فإنه من العبث أن نتصور أن البشرية ستعيش بقية عمرها في نفس الصعاب والمآسي المتعلقة بفترة لا تزيد عن 2 في الألف من عمرها. هل من الممكن أن تكون الرأسمالية هي فعلا نهاية التاريخ؟ نعم إذا ما أخذنا في الاعتبار انتشار استخدام السلاح النووي وظاهرة الاحتباس الحراري، وهي ظواهر من شأنها تدمير الحياة على كوكب الأرض. فمنذ خمس سنوات، كانت الدول الرأسمالية تريد مواجهة الاحتباس الحراري. لكن الآن، كل دولة من الدول الكبرى تقول إنها لا تستطيع أن تفعل شيئا لحل هذه المشكلة لأن أي إجراءات في هذا الاتجاه سوف تؤثر على قدراتها التنافسية في مواجهة الرأسماليات الأخرى. لذلك فإن كلا من الولايات المتحدة وروسيا والصين ترفض التوقيع على البروتوكول المتعلق بمنع انبعاث الغازات التي ترفع درجة حرارة الأرض. في الحقيقة عندما تنقلب حياة الناس ثورياً، يصلون إلى نقطة توجب أن يناضلوا لأنه لا يمكن أن يقبل العمال أن يعملوا 12 ساعة في اليوم للحصول على أجر معقول بعد أن كانوا من 20 أو 30 سنة يعملون نصف هذه الساعات. ولا يمكن أن تأخذ الأرض من الفلاحين ثم تتخيل أنهم لن يعترضوا على ذلك، لأن تدمير حياة البشر من الطبيعي أن يخلق مقاومة. منذ 40 سنة قال المدافعون عن الرأسمالية إنها لن تمر بأزمات لأن الدولة تتدخل لمنع نشوء هذه الأزمات. الآن يقولون إن الدولة لا يمكنها أن توقف الأزمات. وأصبح شعار الرأسمالية في الوقت الحالي هو التدمير الخلاق. فقد استغلت الرأسمالية فترة الإحباط وطرحت برنامجها للخصخصة والعولمة وإعادة الهيكلة لتضعف حركة الجماهير. لكن العشر سنوات الماضية شهدت إضرابات واسعة في فرنسا وانتفاضة الزباتيستا في المكسيك ثم سياتل وعشرات المظاهرات ضد العولمة. وفي جنوة عام 2002 منع مئات الآلاف من العمال الشرطة من ضرب المتظاهرين. وفي نفس الفترة، أطيح بثلاثة أنظمة في أمريكا اللاتينية من خلال حركة عفوية ضد الليبرالية الجديدة، رغم أن هزائم السبعينيات كانت في أمريكا اللاتينية أسوأ منها في أي مكان آخر. إننا بصدد نمو حركة جديدة الآن تسعى للاستفادة من التكنولوجيا التي خلقتها الرأسمالية من أجل ابتكار وسائل جديدة للنضال. 2. اليسار والعمال في مصر: دروس التاريخ وآفاق المستقبل تناولت هذه الجلسة العلاقة بين اليسار والعمال في مصر وتحليل هذه العلاقة المهمة تاريخيا وأثرها في خيارات الحركة العمالية بهدف بلورة دروس للمستقبل. وقد تحدث في هذه الجلسة المؤرخ جويل بينين، والمناضل أحمد شرف، وقدم عامل من مصنع قليوب شهادة. تحدث جويل بينين، المؤرخ البريطاني وصاحب كتاب Workers on the Nile، عن تطور الحركة العمالية المصرية وصلاتها بالحركات الاشتراكية والشيوعية المصرية فأوضح أن فكرتي النقابات والاشتراكية كانتا فكرتين أوروبيتين وتبناهما المصريون، وأصبحتا جزءا مهما من الحركة الوطنية المصرية. فقد تأسست أول نقابة عمالية في مصر عام 1899 من عمال لف السجائر ومعظمهم من اليونانيين. وبعد سنوات تأسست نقابات أخرى باشتراك عمال مصريين أصبحوا أغلبية في الحركة النقابية. وتأسس أول اتحاد عام للنقابات في 1921 وفي نفس العام تأسس الحزب الاشتراكي بزعامة سلامة موسى، وكان فيه أعضاء مسلمون ومسيحيون ويهود. تحول الحزب الاشتراكي إلى الحزب الشيوعي عام 1923. واستخدم حزب الوفد شعار الإجماع الوطني من أجل مواجهة الوجود العمالي والاشتراكي في مصر، في الوقت الذي كانت فيه الحركة العمالية والاشتراكية أضعف من المقاومة. في الفترة من 1945-1952 زادت شعبية الأفكار الاشتراكية في وسط المثقفين بسبب دور السوفيت في هزيمة الفاشية وبروز النظام الاشتراكي كبديل للنظام الرأسمالي الذي ظهر فشله خلال كساد الثلاثينيات، وقيام الاتحاد السوفيتي بتأييد المعارضين للإمبريالية في المستعمرات. كان نتيجة ذلك أن كسبت الأفكار الاشتراكية وسط العمال وكانت الماركسية هي همزة الوصل بين القضية الوطنية والمسألة الطبقية لأنها اعتبرت أن دور العمال رئيسي في قيادة الحركة الوطنية. لكن الانقسام في قوى اليسار وسيادة هيكل تنظيمي غير ديمقراطي في المنظمات اليسارية حال دون وحدة الحركة اليسارية رغم حدة الصراع الطبقي في النصف الثاني من الأربعينيات. في الفترة الناصرية، فشلت كل القوى التقدمية التي أيدت حركة الجيش في لعب أي دور، بينما كان ناصر يمثل نظاما شعبويا مثل بيرون في الأرجنتين، لكنه لم يكن نظاما اشتراكيا. في عام 1965 تم حل الحزب الشيوعي وحصل مثقفو الحزب على مناصب في النظام. ويدلل ذلك على أهمية التمييز بين النضال الوطني والنضال الطبقي، رغم ملاحظة أن الهوية الوطنية كانت جزءا مهما من الهوية الطبقية للعمال المصريين. تحدث احمد شرف الدين، محام ومناضل اشتراكي، عن التغييرات التي حدثت للطبقة العاملة منذ بداية التسعينيات بسبب سياسات الخصخصة حيث تم بيع 193 شركة وتسريح أعداد كبيرة من العمال وخرج نصف مليون عامل إلى المعاش المبكر وأعيدت صياغة علاقات العمل طبقا لآليات السوق فتم التوسع في استخدام العمالة المؤقت تحت ذريعة مرونة سوق العمل فيما كان ذلك يهدف في الحقيقة إلى حرية الاستخدام والفصل في ظل بطالة مفرطة تصل إلى ستة ملايين عامل تمثل نحو 30% من قوة العمل. وأشار أحمد شرف إلى أن الدولة تزيد من اعتدائها على حقوق العمال عن طريق انسحابها من الإنفاق والاتجاه إلى التخلي عن التأمين الشامل الذي يغطي 6 مليون عامل من العمالة غير المنظمة. ويتوافق ذلك مع تدهور مستويات المعيشة وتزايد التفاوت في توزيع الدخل حيث يحصل 86% من السكان على 25% من الدخل فيما يحصل 14% على 75% من الدخل. وتعرض المتحدث إلى أسباب تراجع الحركة العمالية ورأى أنها تتمثل في تصفية قطاعات واسعة من القطاع العام، وإلى هيمنة الدولة على النقابات من أعلى ومصادرة النشاط النقابي من أسفل، فالتشريعات الموجودة تجعل نقابات المصانع بلا أي سلطة ودعا إلى التعددية النقابية في مواجهة سيطرة الدولة على النقابات. وتحدث عامل في مصنع إسكو بقليوب عن الواقع العمالي بعد الخصخصة، وأشار إلى أن المصنع الذي تم تقييمه في عام 1998 بمبلغ 60 مليون جنيه، بيع عام 2004 بنحو 4 مليون جنيه. ومع خصخصة المصنع تم زيادة ساعات العمل لتصل إلى 12 ساعة، وطبقت لائحة جزائية جديدة وأصبح الطرد هو الوسيلة المتبعة للتعامل مع أي اعتراض عمالي على تدني ظروف العمل. 3. هل الحزب العمالي الاشتراكي ضروري؟ طرحت هذه الجلسة موضوع الحزب العمالي والتغيير، وناقشت طبيعة هذا الحزب واختلاف الرؤى بين التيارات المختلفة عن ضرورته وسماته ومشاكله وعن الحاجة إليه في عصرنا الراهن. وأكدت المداخلة الرئيسية التي قدمها وائل جمال على الضرورة السياسية البالغة للحزب العمالي الثوري في عملية التغيير الاجتماعي الطبقي ليس فقط نظريا وتاريخيا وإنما أيضا وفقا لمقتضيات التطورات العالمية الحالية. وباستعراض مشاهد التاريخ والحاضر ما بين الثورتين الألمانية والروسية وبين الانتفاضات الشعبية في الأرجنتين وإندونيسيا وغيرها وتطورات الحركة العالمية المناهضة للرأسمالية التي تشهد حاليا مناظرة حول دور التنظيم الثوري في الحركة، انتقلت المداخلة لاستعراض الخطوط العامة لنظرية الحزب اللينيني. طبيعة تركيب ومهام ودور الحزب اللينيني تنبع من خصوصية الاشتراكية كنظرية التحرر الذاتي للطبقة العاملة. الحزب عليه ألا يقع لا في خطأ الاستبدالية بإحلال نفسه مكان الطبقة العاملة ولا في خطأ تذيل حركة الجماهير كما تفعل الإصلاحية. دور الحزب في علاقته بالعمال أشبه بلجنة الإضراب التي تعبر عن مصالحهم وتنظم حركتهم. هذا يعني أن الحزب يظل يمثل أقلية في الطبقة إلى اللحظة التي تتحقق فيها الثورة. هذا الوضع نتاج سيطرة أفكار الطبقة الحاكمة على أغلبية العمال وأن هذه السيطرة لا تتزعزع إلا من خلال النضالات العمالية ضد المظاهر المختلفة لتعسف النظام الطبقي. يؤدي ذلك إلى أن الحزب لا يبني نفسه إلا في الحركة ولا ينمو معزولا عنها. ويقتضي التعامل مع هذا الوضع سياسة موحدة وفاعلة ومستجيبة دوما لشروط وتطورات الصراع الطبقي على الأرض. ولأن هذه الخطوط العامة لا تقدم وصفة جاهزة وإنما إطار يمكن البناء عليه وفقا لمستويات الصراع الطبقي ودرجة تطوره فإن المناقشات تركزت حول دلالة هذه الأسئلة بالنسبة للوضع في مصر والذي أجمع المشاركون حول أنه يوفر وضعا أمثل من أي وقت مضى لبناء مثل هذا الحزب الذي يصبح لا غنى عنه في هذه اللحظة السياسية. وامتدت المناقشات على هذا الأساس لطبيعة تطور وتركيب الطبقة العاملة المصرية التي شهدت احتجاجاتها تصاعدا قياسيا في الشهور الأخيرة. 4. الثورة والتغيير: دروس انتفاضات عصرنا ناقشت هذه الجلسة قضية طبيعة الانتفاضات والحركات الجماهيرية وعلاقتها بالثورة والمعضلات التي تواجهها في عصرنا الحالي. تحدث تامر وجيه من مركز الدراسات الاشتراكية حول الدعاية السائدة التي ترى في الثورة شغباً وغوغائية وعملا خطيرا وتعتبر أن النظم الراهنة مستقرة إلى الأبد. وأشار إلى أن هذه الطريقة في التفكير أخذت دفعة جديدة في العشرين سنة الماضية، مع تراجع الحركة الجماهيرية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي. غير أن الواقع يقول شيئا مختلفا عن ذلك. فقد كان انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة حركات جماهيرية كبيرة، كما أن النظام في جنوب أفريقيا تغير نتيجة عمل جماهيري واسع، وخلال الخمس سنوات السابقة صعدت حركة في بلدان كثيرة من العالم لمناهضة العولمة والحرب، حيث تحرك في 15 فبراير 2003 نحو 15 مليون شخص في عمل جماعي منظم كان أكبر مظاهرة في تاريخ البشرية. ورغم أن هذه الحركات تدور حول تزايد دور الجماهير وتأثيرها، إلا أنه كانت هناك مشكلة أساسية في كل هذه الثورات. فهي لم تؤد إلى تغيير جذري في علاقة الاستغلال الرأسمالي رغم أنها غيرت نظما سياسية واستبدلت الديكتاتورية بالديمقراطية. حدث ذلك في إندونيسيا وبوليفيا والأرجنتين وغيرها. يرجع ذلك إلى أنه حينما تتقدم الجماهير إلى الأمام، يكون هناك وضوح حول أن الجميع يكرهون الوضع الراهن. لكن الغموض يكون حول البديل الذي تريده الجماهير. نتيجة ذلك أن الوضوح حول رفض الوضع الراهن يخلق حركة جماهيرية واسعة، لكن عدم الوضوح المتعلق بالبديل يخلق تشوشاً، خاصة وأن الحوار بين القوى المختلفة يجري في ظل سيطرة الأفكار البرجوازية ووجود وعي محمل بأعباء الماضي. هذا هو ما حدث في ثورات العشرين سنة الماضية، حيث انتصر المدافعون عن أفكار الإصلاحية. 5. الصراع الطبقي وتحرير المرأة في مصر ناقشت هذه الجلسة وضعية المرأة في المجتمع المصري وأسباب اضطهادها، وطرق تحررها، كما تناولت الأطروحات النسوية المختلفة، وتحدثت في هذه الجلسة هالة كمال ودينا جميل حول هذه المسائل. قدمت هالة كمال، أستاذة في كلية الآداب جامعة القاهرة، عن نقاط التلاقي بين المنهج الاشتراكي والمنهج النسوي كما عرضت للمدارس النسوية المختلفة في تناولها لقضية اضطهاد المرأة. وعن المنهج الاشتراكي والنسوي أوضحت المتحدثة أن هناك نقاط تلاقي فالاستغلال والقهر يمثلان جوهر المنهجين على المستوى النظري وعلى مستوى الخبرة، وأن الاستغلال والقهر ليس حالة فردية ولا مسألة خاضعة للقدر والطبيعة إنما هي سياسة ونتاج أوضاع اجتماعية واقتصادية تقوم على ممارسة فئة من المجتمع الاستغلال والقهر وفرضهما على فئة أخرى لتحقيق مصالحها الخاصة. الوعي بهذا الاستغلال والقهر يقود في المنهجين إلى مقاومة هذا الاستغلال عن طريق الكفاح والنضال كما يرى المنهج الاشتراكي، وعن طريق التحالف ورؤية بديلة والتغيير كما يرى المنهج النسوي. إن النظرية النسوية تطورت بقوة خلال السبعينات وتبنت مناهج فكرية مختلفة إلا أن مسألة تفسير تبعية وخضوع النساء للقهر والاستغلال على مدار التاريخ الإنساني. والمناهج الفكرية النسوية في تناولها هذه القضية متباينة فالنسوية الليبرالية ترى أن تحقيق المساواة بين الجنسين ممكن تحقيقه بتعديل القوانين وعمل إصلاحات داخل النظام القائم. أما النسوية الراديكالية فترى أن مصدر قهر النساء هو النظام الأبوي بحيث يتحكم الرجال في كافة جوانب الحياة على مستوى الدولة والمجتمع والأسرة، وأن السبيل لتحرر المرأة من السلطة الأبوية يتمثل في الاستقلال التام عن الرجال وبناء مؤسسات نسائية بديلة. وتوقفت المتحدثة عند النسوية الاشتراكية والماركسية والتي تهتم في تحليلها بالبعد الاقتصادي والاجتماعي إضافة إلى عوامل أخرى مثل العرق، والانتماء الطبقي والتي تشكل في تداخلها مصدرا للقهر وفرض التبعية على النساء. وترى هذه النظرية أنه من الممكن وجود تحالفات على أكثر من مستوى، فتتحالف النساء مع نساء ضد القهر الواقع عليهن باعتبارهن نساء، وفي نفس الوقت تتحالف النساء مع الرجال الخاضعين لمظاهر قهر متشابهة. وتنشط النسويات الاشتراكيات في مختلف مجالات النضال مع النشطاء من الرجال ولكن في نفس الوقت وبوعي شديد يعملن على إقامة مجموعات نسائية مصغرة غير مستقلة داخل هذه المنظمات تعمل على تأكيد البعد الخاص بمطلب النساء. أما النسوية الماركسية فتعتمد المنهج التحليلي الذي يربط بين علاقات الإنتاج وعلاقات الإنجاب في فهم تبعية وقهر المرأة. وبالتالي تعطي وزنا للأسرة وعمل النساء غير المأجور فيها، وتتحول الأسرة في هذا المنظور إلى مثال تتبدى من خلاله علاقات القوى بين الجنسين وتصبح مسؤوليات المرأة ودورها في البيت قضية سياسية مرتبطة بعلاقات القوى وتدور حول الأدوار الاجتماعية للجنسين ومفاهيم الإنتاج والاستغلال إضافة إلى العوامل الأخرى مثل البعد الطبقي والثقافي والعرقي التي تتداخل في تحديد السياق. وتحدثت دينا جميل، مركز الدراسات الاشتراكية، عن وضعية المرأة في المجتمع المصري ومدى إمكانية إنهاء اضطهادها. وبعرض سريع لبعض البيانات حول وضع المرأة في مصر من حيث ارتفاع نسبة البطالة ونسبة الأمية بين النساء وتفاوت الدخول بينهن وبين الرجال، والتعامل معها كمواطنة من الدرجة الثانية، إضافة إلى أشكال العنف المختلفة التي تقع على المرأة من ضرب وختان تخلص المتحدثة إلى أن اضطهاد المرأة أمر واقع وأن قضية المرأة قضية مهمة والاشتراكية التي تدعو لتحرير الإنسانية لا يمكنها تجاهل أن نصف الإنسانية يقع عليها اضطهاد مزدوج. وتناولت المتحدثة الطروحات المختلفة النسوية والإسلامية والحكومية حول قضية المرأة وتبين أنه رغم كل الجهود التي تبذل والتي قد أدت بشكل أو بآخر إلى تحسين بعض أوضاع النساء، لكنها لم تحرر المرأة وتنهي اضطهادها، ولكي نطرح الوسائل التي يمكن أن تحرر المرأة يجب أولا أن نفهم الأسباب الحقيقية وراء هذا الاضطهاد، فالمرأة لم تكن مضطهدة منذ بدء التاريخ وإلا فليس هناك أي معنى للحديث عن تحررها. إن المنهج الماركسي يربط بين ظهور الطبقات والملكية الخاصة واضطهاد النساء، فالحاجة إلى الإنجاب لتوفير الأيدي العاملة في المجتمع الزراعي وضمان انتقال الملكية في شكل الميراث عزل المرأة في الأسرة وحول دورها الأساسي إلى إنجاب الأطفال. وبعرض سريع لوضع المرأة في مصر منذ القرن التاسع عشر أشارت المتحدثة إلى التغيرات التي أدت إلى عزل المرأة في المنزل وخروجها من سوق العمل تحت الاحتلال البريطاني لمصر، وعودتها في المرحلة الناصرية بما يخدم احتياجات التراكم الرأسمالي، ومع الانفتاح الاقتصادي في السبعينات والتغير في احتياجات الرأسمالية أصبح التركيز على أهمية دور المرأة في الأسرة وقد ترافق ذلك مع تعاظم دور الاتجاه الإسلامي والأفكار المحافظة. وعلى الرغم من أن هذه الدعاية المضادة لعمل المرأة لم يعد من الممكن معها عودتهن إلى البيت لاندماجهن في سوق العمل إلا أن هذه الدعاية تلعب دورا في زيادة استغلال النساء في سوق العمل. وفي ظل السياسات الليبرالية الجديدة وتدهور الأوضاع المعيشية للأسر أصبحت المرأة فريسة للاستنزاف الناجم عن ازدواج الأدوار بين العمل خارج وداخل المنزل ومهمتها في تغطية العجز في الموارد الأخرى المطلوبة للحفاظ على الموارد البشرية وبقاء الأسرة. إن تحرر المرأة يعني تغيير وضعها وهذا لن يكون بإصلاحات بل بتغيير شامل، هي معركة لكسر الرأسمالية والتي لا يمكن أن تكسب إلا إذا قام الاشتراكيون بكسب النساء لصف الثورة، ولكن لكي يحدث هذا الكسب لا بد من أن يناضل الاشتراكيين بدورهم في معركة تحرر المرأة ولتحسين أوضاعها وذلك من خلال الدعاية وطرح قضية المرأة في كل المعارك الراهنة والإصرار على وجود النساء في كل حركات النضال. كما نحتاج أكثر من أي شيء إلى أن نتعلم قضايا النساء الحقيقية وأولوياتهن، وأن نتعلم كيف نحول أفكارنا النظرية من خلال خوض المعارك إلى برامج ومواقف عملية وملموسة. 6. الإمبريالية والتحرر الوطني اليوم ناقشت الجلسة طبيعة الإمبريالية ودورها في إعادة هيكلة العالم والصلة بين الطبقات الحاكمة والأنظمة السياسية والقوى الإمبريالية. تحدث سمير أمين المفكر الاقتصادي وأحد مؤسسي نظرية التبعية عن المحاولات الأمريكية لفرض الديمقراطية في جورجيا وأوكرانيا ولبنان وسوريا وحتى مصر، فقال إنه لا يمكن فصل الديمقراطية عن البعد الاجتماعي وحصرها في إنجازات سياسية خاصة الانتخابات. فالمحاولة الأمريكية للديمقراطية تستهدف تفكيك مشروعات التنمية وآمال اللحاق. ذلك أن منظمة التجارة العالمية تهدف إلى فرض خطط تؤدي إلى تفكيك المنظومة الإنتاجية المحلية وتصفية الأجزاء غير المربحة بالنسبة لرأس المال المسيطر، وتم تفكيك تجارب التنمية المتمركزة على الذات، حتى الرأسمالية، وهدم ما تبقى من المنظومة الإنتاجية لصالح هيمنة رأس المال. يقوم نظام الإمبريالية الجديد على عسكرة الإدارة السياسية عالميا لمنع أي تبلور لبديل حقيقي اشتراكي أو رأسمالي، وتستغل الولايات المتحدة قدرتها الاستثنائية ليس فقط لصالحها بل لصالح الاستعمار الجماعي. إن التناقضات الناشئة عن النظام الراهن هي تناقضات لها أصول طبقية واجتماعية لكنها تأخذ أشكالا مختلفة ومن ثم لا بد من التركيز على المصالح المشتركة في المجتمعات المختلفة الداخلة في خطة الاستعمار الجديد. في هذا الإطار فإن مقاومة المشروع الأمريكي تتطلب خروج الأوروبيين عن الأطلسية أي عدم الخضوع للمشروع الأمريكي، وتثبيت اشتراكية السوق كمرحلة في الانتقال الطويل من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وهو كما في حالة السويد، وإحلال تكتلات غير كمبرادورية، يسارية أو شعبية أو وطنية، وإعادة بناء تحالف الجنوب. ذلك أنه في لحظة ما كان هناك انفصال بين الدول الصاعدة وغير الصاعدة بين الدول النامية. لكن الهدف الرئيسي الآن للاستعمار الجديد قام بالتقريب بين مصالح الدول النامية الضعيفة وغير الضعيفة، مما يدفع في اتجاه تشكيل تحالف يمثل تحدي العصر بين الدول الصاعدة في الجنوب وباقي دول العالم الثالث. 7. إلى أين تذهب الرأسمالية العالمية؟ تحدث كريس هارمان في هذه الجلسة عن وضع الرأسمالية في المرحلة الراهنة، فأشار إلى أنه مع نمو الشركات متعددة الجنسية في السبعينيات أصبح من الصعب على كل دولة تقصر نشاطها على الداخل، وكلما نما عمل الشركات متعددة الجنسية خارج حدود الدولة زادت حاجة الشركات إلى الدولة لكي تحمي مصالحها في الخارج. فالدولة الأمريكية تتدخل لمساعدة الشركات المتعددة الجنسية التي يمثل أساسها رأس المال الأمريكي ونفس الشيء يمكن أن يقال عن فرنسا والدول الإمبريالية الأخرى. وجاء احتلال العراق في هذا التنافس، حيث ترغب الولايات المتحدة في التحكم في نفط الشرق الأوسط حتى تصبح قادرة على مساومة الرأسماليات الأخرى. ويمثل الشرق الأوسط المنطقة التي يتركز فيها الصراع في العالم بشكل أكبر، لأن الطبقات الحاكمة في هذه المنطقة فشلت في اللحاق بركب الرأسمالية في الخمسينيات والستينيات، كما أنها تملك أهم مادة خام في العالم. إن الفوضى التي يخلقها هذا النظام تتطلب تضافر أصحاب المصلحة من العمال والفلاحين الفقراء للدفاع عن مصالحهم. وهنا يجب الإشارة إلى أن جميع الفقراء أيا كان انتماؤهم الديني، يعانون من هذا الوضع، ومن ثم فإن أسوأ ما قد يحصل هو أن يمنع اختلاف الانتماء الديني التضامن بين الفقراء في العالم. ففي مصر، لا يمكن تصور أن فلاحا مسيحيا يمكن أن يستفيد من غزو بوش للعراق لمجرد أن بوش ينتمي لنفس الديانة. وانتهى هارمان إلى ضرورة تضامن الفقراء في العالم وفى كل بلد على حدة لمقاومة الظلم والاستغلال بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. 8. آفاق حركة مناهضة العولمة والحرب ناقشت هذه الجلسة طبيعة حركة مناهضة العولمة وتطورها وكذلك التحديات التي تواجهها وتصورات للموقف الاشتراكي منها، وتناول متحدثو هذه الجلسة هذه القضية من جوانب مختلفة. بدأ مدحت الزاهد، رئيس تحرير جريدة التجمع، حديثه بتقديم مفهوم العولمة الرأسمالية والتي ظهرت عندما ساد عالم واحد وظهور نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية المنفردة والذي سمح لاحقا بعسكرة العولمة باعتبارها أعلى مراحل العولمة الرأسمالية. وقد كان لانتصار الرأسمالية أثر سلبي على كل الشعوب في العالمين الثاني والثالث لأن الأجندة التي انتصرت هي أجندة الأرباح قبل الإنسان، وإلغاء الدعم والحماية الاجتماعية للفقراء، أجندة إهدار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وانسحاب الدولة من مجالات التنمية وفتح الأسواق وحرية التجارة والخصخصة. وعسكرة العولمة وفرض الأجندة الأمريكية والسيطرة على موارد الاقتصاد وموارد السلطة مما يسهل معه فهم تحول المنطقة العربية إلى ساحة حرب ولعل من أبرز مظاهر هذه العسكرة العدوان على العراق ليس بسبب الأهداف المعلنة بل للسيطرة على النفط عصب الحياة الغربية الصناعية. طبعا لحسن الحظ أن هذا التوجه للانفراد بالهيمنة كان يواجهه حركة من الشعوب انتبه لها العالم من سياتل 1999 والتي عبرت عنها القوى السياسية التي بدأت تدرك أنها إزاء تهديدات تشمل حتى حق الحياة وسلامة الكوكب. وقد بدأ النشطاء من دول عديدة بالذهاب إلى اجتماعات الدول الصناعية وطرح شعارات مختلفة الإنسان قبل الأرباح، وعدالة التجارة. وقد تطورت هذه الحركة وعبرت عن نفسها بشكل تنظيمي فضفاض وهو المنتدى الاجتماعي العالمي في مواجهة منتدى دافوس، يطرح وجهة نظر أخرى تناضل ضد العولمة والحرب والعدوان على الحريات ودمار البيئة وحماية حقوق الفقراء. وقد صدر عن هذا المنتدى نداء لشعوب العالم للخروج في الشوارع ضد الحرب على العراق في 15 فبراير وقد حصل لأول مرة مظاهرة عالمية في 700 مدينة بنحو 30 مليون شخص يتحركون معا ويرفعون نفس الشعارات، وفي 16 مارس كان هناك إضرابات للطبقة العاملة الأوروبية ليس لمطالب تخصهم ولكن من أجل وقف الحرب على العراق، وبالتالي فإن حركة مناهضة العولمة بدأت تخلق أشكالا تنظيمية معولمة تمكنها من المقاومة بفعالية. وعلى الرغم من هذه الاحتجاجات لم تمنع الحرب على العراق فإن هذا لا يعني فشل الحركة، حيث يمكننا أن ننظر إليها بمنظور آخر فلأول مرة يحصل انشقاق في حزب الناتو وتخرج أطراف معارضة للحرب، انشقاق بين التحالف الأمريكي والأوربي، كما لم يصدر مجلس الأمن قرارا مع الحرب بما يعطي أمريكا غطاء دوليا. واختتم المتحدث بأن موضوع مناهضة العولمة لا يجب أن يفهم على أننا نقاوم خطرا خارجيا قادما إلينا ويجب ألا نفصل في المواجهة بين الداخل والخارج حيث إن النظم في الداخل تتبنى تلك الأجندة، إننا دعاة العولمة الديمقراطية الإنسانية، حركة مناهضة العولمة فتحت هذا الأفق وبالتالي لا بد أن يبقى مطروحا لانتصار الحركة، إن هذه المعركة تكسب بالنفس الطويل والصراع المستمر. وتحدثت جيهان شعبان، الصحفية في صوت الأمة، عن تجربة المجموعة المصرية لمناهضة العولمة "أجيج"، وأن ظهورها كان من تأثير صعود حركة مناهضة العولمة في العالم والتي بدأت بمبادرة محدودة من فئة من النشطاء في 2001 ، وتوسعت بعد ذلك داخل دوائر النشطاء اليساريين. وقد طرحت هذه المجموعة على نفسها القيام بعدة فعاليات في مواجهة العولمة الرأسمالية والسياسات الليبرالية الجديدة وعلى رأسها عمليات الخصخصة، وشاركت بقوة في التظاهرات والاحتجاجات والتي قوبلت بالقمع مما كان له أثر سلبي على الحركة خاصة مع النهاية السريعة للحرب على العراق. ومع محاولات لتنشيط الحركة بدا العمل على ربطها بنوع جديد من الحركات التي بدأت تظهر في الواقع مثل حركة الاحتجاج ضد رسوم النظافة، واحتكار شركات المحمول وغيرها. كما وشاركت أجيج في فعاليات المنتدى الاجتماعي العالمي 2004 والذي عقد في مومباي للتعرف أيضا على تجارب مجموعات مشابهه حول العالم، كذلك شاركت في اجتماع نشطاء مناهضة الحرب والعولمة في بيروت. وقد جاءت الأحداث لتحسم خيارات هذه المجموعة في العمل فشارك النشطاء في مسيرة رفح التي نظمت للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وكذلك المشاركة في الحملة الشعبية للتغيير. وعندما بدأ الحديث عن الكويز اهتمت المجموعة ونظمت مظاهرة ضدها يوم توقيع الاتفاقية، كما تفاعلت أجيج مع معركة عمال الإسبستوس بالتنسيق مع المجموعات والمراكز والمنظمات المهتمة بالقضية في مصر، وخلق أوسع حملة تضامنية عالمية. وبعد الحديث عن تطور المجموعة ونشاطها طرحت المتحدثة رؤية المجموعة لمستقبلها والتحديات التي تواجهها، ولعل أهمها هو النمو ولتحقيق ذلك النمو يجب أن نعمل على استقطاب أعداد من لمتضررين من السياسات التي نواجهها واختتمت حديثها بأن أجيج مدينة مفتوحة لكل من يؤمن بأن خلق عالم أفضل ممكن. وتحدث وائل خليل، مركز الدراسات الاشتراكية، عن أهمية حركة مناهضة العولمة للاشتراكيين وكيفية التعاطي معها، وأشار إلى أنه عند نشأة حركة مناهضة العولمة قابلها الكثير من اليسار بأحد موقفين لكل منهما مشاكله. الموقف الأول التشكك في الحركة فهي ليست حركة عمالية وبالتالي فهي ليست ذات أهمية وستنطفئ بسرعة. ولم يروا في ذلك الوقت وبعد مرور نحو عشر سنوات من سيادة وانتصار سياسة السوق والسياسات الليبرالية أن مثل هذا التحرك له أهميته. ولم تتوقف حركة مناهضة العولمة عند الأهداف الإنسانية إذ سرعان ما تطورت وتبنت قضايا أخرى مثل القضية الفلسطينية. في 11 سبتمبر واجهت الحركة تحديا كبيرا وكثير من اليساريين راهنوا على أن الحركة ستنقسم على نفسها وأن هذه هي نهايتها، وفي واقع الأمر هذا الحدث كان له تأثير على الحركة وخلق مناقشات كثيرة داخلها ونتج عنه تحولها من حركة مناهضة العولمة إلى مناهضة الحرب. هذه الحركة كانت أكبر من سابقتها وقدمت شيئا جديد بالنسبة لنا إنها كانت حركة أممية. فموقف العزلة ورفض الحركة لأنها غير نقية هو موقف خاطئ. أما الموقف الثاني فهو الذوبان التام في حركة مناهضة العولمة والفصل بينها وبين الاشتراكية، هو موقف خاطئ أيضا لأنه ينفي عن الشخص صفة الاشتراكية وبالتالي لا يلعب دورا داخل الحركة، واعتقد بأنه لولا دور الاشتراكيين داخل حركة مناهضة العولمة بعد 11 سبتمبر لما حصل هذا التحول في الحركة. ومن الضروري هنا الحديث عن الجبهة المتحدة فالعمل مع أطراف مختلفة من اتجاهات متباينة برؤيتهم طويلة المدى عن الاشتراكيين لكن يتفقون معهم في مجموعة الأهداف المرحلية وضرورة العمل معهم، وينطبق ذلك على حركة مناهضة العولمة، ولكن كاشتراكيين يجب ألا نتوقف عن الدفاع عن مواقفنا ونحاول أن نكسب الناس حولها ونقنعهم بها، فالمهم الاشتباك داخل الحركة وليس التعليق وتقديم الإرشادات من خارجها. 9. البديل الإسلامي: رؤية طبقية طرحت هذه الجلسة قضية الحركة الإسلامية وتناولت بالتحليل طبيعتها الطبقية ومشروعها السياسي بهدف فهم هذه الحركة. بدأ سامح نجيب من مركز الدراسات الاشتراكية حديثه بالإشارة إلى أن الدين الإسلامي كغيره من الأديان قابل لتفسيرات وتأويلات متناقضة، كلما تغير العالم الحقيقي وتغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي كلما استخدمت الطبقات المختلفة تأويلات مختلفة لما يعتبرونه صحيح الدين. واعتبر المتحدث أن اليسار المصري وقع تاريخيا في أخطاء جسيمة في تعامله مع الحركة الإسلامية، حيث ظل يتذبذب بين موقفين أولهما اعتبار الحركة الإسلامية حركة ظلامية ورجعية، وفي ظل بعض التفسيرات فاشية، تعادي التقدم والحداثة والعلمانية ويجب محاربتها بكل الأشكال الممكنة وبأي ثمن، وهذا هو موقف رفعت السعيد وحزب التجمع عموما، وهو أيضا موقف بعض قوى اليسار في الجزائر وغيرها. الموقف الثاني الخاطئ هو اعتبار الحركة الإسلامية حركة معادية للإمبريالية وبالتالي يمكن التحالف معها، وهو موقف لا يقل خطورة عن السابق لأنه يتجاهل التناقضات الموجودة في الحركة الإسلامية ويؤدي إلى نتائج كارثية كما حدث أثناء الثورة الإيرانية حينما تحالف اليسار مع الخميني ضد الشاه مما أدى إلى تصفية اليسار تماما فيما بعد. ورغم أن الحركة الإسلامية قد تتخذ أحيانا مواقف ضد الإمبريالية فإن ذلك ينطلق من تصور حول أن الصراع في العالم هو صراع حضاري بين المسلمين وغير المسلمين، وليس صراع مصالح بين الدول الرأسمالية الكبرى وجيوشها وشركاتها وعملائها من جهة وبين جماهير العمال والفلاحين والفقراء والعمال من الجانب الآخر. وهذا التصور يؤدي إلى مشكلتين، فهو يخرج الرأسمالية المحلية من الصراع، رغم أنها تلعب طول الوقت في ارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي والاستعمار، كما أن هذا التصور لا يجد مكانا لدور الحركات المناهضة للعولمة والاستعمار في الغرب، لأن الغرب هو كتلة واحدة معادية للإسلام. ويرى سامح نجيب أن ما نحتاجه في مصر هو بناء بديل اشتراكي حقيقي ومستقل لا يرى نفسه في خندق الإسلاميين ولا في خندق النظام، بديل يبني نفسه من خلال النضال الطبقي في أوساط العمال والفقراء وليس نضال الصالونات التنويري العلماني العقيم، ويثبت عمليا أنه الأكثر جذرية في الدفاع عن مصالح الفقراء والأكثر جذرية في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية والأكثر صلابة في مواجهة الاستبداد، حينها سيكون المستقبل للبديل الاشتراكي. 10. الطلبة والسياسة والاشتراكية في مصر تناولت الجلسة طبيعة الحركة الطلابية ودورها وآفاقها من خلال طرح تحليل طبقي لهذه الحركة، كما قدمت شهادات لمشاركين في الحركة الطلابية في مصر في السبعينات والتسعينات كقراءة للخط العام لحركة الطلبة. في حديثها عن طبيعة الحركة الطلابية ودورها، أشارت منار حسين إلى ضرورة فهم موقع الطلبة في المجتمع، فمع بدايات القرن 20 كان التعليم الجامعي حكرا على أبناء الطبقة الحاكمة، ومع توسع الجامعات لتلبية احتياجات النمو الرأسمالي تغيرت التركيبة الاجتماعية للطلبة حيث أصبحت الغالبية العظمى من أبناء الطبقة المتوسطة وأقلية من أصول عمالية. سيكون من الخطأ نتيجة لتنوع الأصول الطبقية للطلبة وللمواقع الاجتماعية المتباينة التي يشغلونها أن نعتبرهم طبقة اجتماعية واحدة. لكن هناك ما يجمع الطلبة، فهم مركزون بأعداد كبيرة ويواجهون نفس النظام القاسي من الامتحانات والتقييم. ونتيجة للقهر الذي بقع على الطلبة بسبب سيطرة الدولة وتقييد النشاط السياسي واستبعاد الطلبة من المشاركة في السياسة التعليمية يعيش الطلبة في حالة اغتراب يأخذ في بعض الأحيان أشكالا سلبية وفي أحيان أخرى تحركات مفاجئة تواجه السلطة في الجامعة أو المجتمع. وتصعد الحركة الطلابية سريعا بسبب عدم وجود جذور للطلبة في عملية الإنتاج، كما أن الوضع الانتقالي في طبيعة الطلبة لا يعطي أي نوع من الاستقرار في الجامعة وبالتالي فلا يوجد تراكم خبرات للكوادر مثل العمال. لكن الحركة الطلابية بسرعة نموها يمكنها وضع السلطة في موضع الدفاع، تدفعها في بعض الأحيان إلى تقديم تنازلات للسيطرة الأيدلوجية على جماهير الطلاب، ومع ذلك فليس لهذه الحركات القدرة على تحقيق تغيير حقيقي مدمر للنظام الرأسمالي. إن شرط استمرار حركة الطلاب هو انضمام حركة العمال لنضالها، فالعمال بخلاف الطلبة لديهم القدرة على شل النظام إذا شنوا إضرابا عن العمل. بدوره تحدث أحمد هشام وهو من نشطاء الحركة الطلابية في السبعينات عن الظروف السابقة لنشأة تلك الحركة. ففي البداية وعقب الثورة تم تأميم الحركة الطلابية تماما لصالح التشكيلات السياسية الرسمية مثل هيئة التحرير والاتحاد القومي وصولا للاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب. تغير الوضع قليلا مع تزايد تواجد الطلبة من القوميين العرب وكان توجههم اشتراكيا في مجمله وأبدوا اهتماما خاصا بخدمة المجتمع وتطويره، ورغم وجودهم ونشاطهم داخل التنظيم الطليعي التابع للدولة إلا أنه كان لهم نشاط مستقل وأصدروا عدة أعداد من مجلات الحائط، كما فتحوا النقاش بين الطلبة حول العديد من القضايا مثل طبيعة الطلبة والبحث العلمي، بل ونقد النظام مما أدى بالعديد منهم لدخول السجن وقتها. النقلة المحورية كانت في نكسة 67 والجدل حول عجز النظام ثم معركة الكرامة (والتي انتصرت فيها قوات المقاومة الفلسطينية على الجيش الإسرائيلي)، فتكونت في الجامعة جماعة أنصار الثورة الفلسطينية وكانت القضية الوطنية هي الغالبة على العمل الطلابي في تلك الفترة، فحتى اندلاع الحركة في 72 كان المسيطر داخل الطلاب هو أن البلد في خطر وعليهم العمل لحمايتها. وقدمت مروة فاروق شهادة عن حركة الطلاب في التسعينات، وبدأت حديثها عن الظروف السياسية في تلك الفترة كمدخل لفهم حجم التحول التي مثلته مظاهرات التضامن مع الانتفاضة. في تلك الفترة كان المزاج العام في أوساط الطلبة متقبلا لفكرة السلام بوصفها حلا منطقيا لأزمة الشرق الأوسط والمأساة الفلسطينية. كان للطلاب الاشتراكيين في الجامعة أنشطة منها تنظيم المعارض وإصدار نشرة ولم يكن هناك إقبال كبير من الطلبة على هذه الأنشطة، لكن بعد مظاهرات الانتفاضة في أكتوبر ونوفمبر2000 تزايد عدد الطلبة المهتمين بهذه الأنشطة بشكل ملحوظ، وكانت هذه بمثابة عودة للسياسة في الجامعة. ورغم هدوء الأحداث داخل الجامعة في بدايات 2001 إلا أن الوضع لم يرجع إلى ما كان عليه فالأحداث كانت مؤشرا على تحول نوعي في السياسة في الجامعة، فالطلاب بدؤوا بالتحرك في آفاق أرحب من الجامعة وذهبوا إلى النقابات والمنتديات وإلى اللجان النخبوية. في أبريل 2004 بدأت المظاهرات مرة أخرى وكانت المشاركة الطلابية مختلفة نتيجة للعمل السياسي الذي انخرطوا فيه خلال الفترة السابقة. بعد هذه المظاهرات تم تكوين لجنة طلابية جبهوية واسعة وكانت ناجحة، لكنها بدأت بالتراجع نتيجة لتراجع الحركة نفسها وأيضا نتيجة لأسلوب عملها وحصر نشاطها في جامعة القاهرة. 11. بدائل التغيير في مصر خُصصت الجلسة الختامية للمؤتمر لمناقشة بدائل التغيير التي تطرحها ثلاثة اتجاهات سياسية مختلفة هي جماعة الإخوان كما عبر عنها الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، واليسار الإصلاحي الذي تحدث باسمه الأستاذ عبد الغفار شكر، عضو اللجنة المركزية لحزب التجمع، واليسار الجذري الذي تحدث باسمه يحيى فكرى من مركز الدراسات الاشتراكية. أوضح الأستاذ محمد عبد القدوس أن البديل الإسلامي يقوم على ثلاث ركائز هي التربية، أي رفض حصر الدين في العبادات وضرورة أن يكون له تأثير على الأخلاق وسلوكيات البشر. الركيزة الثانية هي الحريات، حيث أوضح أن الحاكم يجب أن يكون مدنياً فقط، وأن يأتي عبر الانتخاب المباشر. أما الركيزة الثالثة هو العدالة الاجتماعية التي تستند إلى مقاومة الفقر. من جانبه طرح عبد الغفار شكر أربعة مرتكزات يجب أن تلتف حولها القطاعات الواسعة من الشعب المصري التي تريد التغيير، هي التحول الديمقراطي الشامل، وانتهاج سياسة تنموية وطنية مستقلة، والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والتكامل العربي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ثم تحدث يحيى فكرى عن مركز الدراسات، مشيراً إلى أن سقوط النظام الديكتاتوري هو الخطوة الأولى في طريق تحرر الجماهير من عمال وفقراء الفلاحين، واتحادها من أجل مقاومة الفقر والاستغلال. ودعا إلى تكوين تحالف واسع من اليسار للوقوف بجانب نضالات الفقراء للدفاع عن حقوقهم، ومقاومة الديكتاتورية وسياسة التحرر الاقتصادي التي أفقرت الملايين من أبناء الشعب، وكذلك مقاومة المشروع الإمبريالي للسيطرة على المنطقة. أفلام عرضت على هامش المؤتمر على مدار يومين من مؤتمر أيام اشتراكية تم تنظيم عروض سينمائية في ختام الأعمال اليومية، عرض في اليوم الأول الفيلمان التسجيليان "يعيشون بيننا" للمخرج محمود سليمان و "غير خدوني" للمخرج تامر سعيد، كما عرض في اليوم الثاني الفيلم البريطاني "الأرض والحرية" للمخرج المعروف كين لوش. اتسم الفيلمان اللذان عرضا في اليوم الأول بطابعهما الاجتماعي السياسي ونظريتهما النقدية للواقع العربي الصعب. تناول فيلم "يعيشون بيننا"، حياة امرأة مطلقة فقيرة تعيش مع ولديها الصغيرين وتعمل في "سن السكاكين والأسلحة البيضاء"، وتتبع الفيلم تفاصيل حياتها اليومية البائسة، ولكن المحملة بالأمل والقناعة مع ذلك. وتناسب عرض الفيلم مع الأفكار التي أثيرت خلال المؤتمر حول الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية والسياسات الليبرالية على الطبقات الدنيا التي تعيش تحت خط الفقر وخاصة النساء. "غير خدوني" هو عنوان أغنية باللهجة المغربية انتشرت بين المساجين السياسيين أو "المخطوفين" الذين دأبت حكومة الملك السابق على اعتقالهم وخطفهم بدون محاكمة وبدون إعلان أي شيء عن مصيرهم لسنوات طويلة. ويتناول الفيلم تجارب أربعة من هؤلاء المعتقلين الذين نجوا من الموت ليحكوا ما حدث معهم ويعيدوا زيارة المعتقل الذي قضوا فيه سنوات طويلة من عمرهم. وقد أتى الفيلم –حسب ما ذكر بعض المشاهدين في اللقاء الذي أعقب العرض، كوجه مكمل لصورة معظم البلاد العربية التي تعاني من الظلم الاجتماعي والقهر السياسي وكذلك لصورة روح المقاومة والصلابة والعزيمة التي تتحدى الموت. في اليوم الثاني عرض فيلم "الأرض والحرية" والذي تناول الحرب الأهلية الأسبانية في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي. ويتناول الفيلم والذي أخرجه كين لوش المخرج اليساري المعروف، يتناول الحرب من وجهة نظر مناضل شيوعي بريطاني تطوع للقتال ضد الفاشية وكيف تطور وعيه عبر النضال والاحتكاك بالعمال والفلاحين الأسبان ليتجاوز الدعاية الستالينية. يروي لنا الفيلم كيف كانت قضية الثورة الدائمة مطروحة أمام المناضلين في أسبانيا، كيف أن النضال من أجل الاشتراكية، من أجل الأرض للفلاحين والمصانع للعمال لم يكن لينتظر حتى يتم النصر على الفاشية، بل كيف كانت الثورة الدائمة هي السبيل لهزيمة الفاشية. وكيف لعبت روسيا الستالينية دورا مخزيا في هزيمة الثورة الأسبانية وفي استئصال كافة العناصر الراديكالية من الثورة حفاظا على مشاعر حلفائها الرأسماليين في بريطانيا وفرنسا. ولكن رغم هزيمة الثورة وانتصار الفاشية، تبقى رسالة الفيلم مفعمة بالتفاؤل بالنصر وبأن نضال الثوريين لا يذهب سدى. وينتهي الفيلم بقصيدة بيل موريس انضم للمعركة معركة لا ينهزم فيها الإنسان فحتى لو يفنى فيها أو يموت فأعماله هي التي ستنتصر إلى الخلود اقرأ المزيد...

من يضطهد الأقباط؟


المؤلفون: 

المؤلفون:

يحيى فكري

المصدر:

(2004)

Notes:

نشرت في مجلة أوراق اشتراكية، العدد الثامن، ابريل-مايو 2004

النص الكامل:

في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1998 نشرت جريدة الأهرام في صفحتها الأولى الخبر التالي: "نفى أحمد عبد العزيز بكر محافظ سوهاج ما تناولته وسائل الإعلام الأجنبية بشأن حادثة قرية الكشح مركز دار السلام. وأشار إلى أن هذه الواقعة جنائية بحتة وتم ضبط المتهم فيها وإحالته إلى جهات التحقيق التي باشرت عملها. وأصبحت الواقعة في حوزة القضاء وهو سلطة مستقلة مشهود لها بالحيدة والنزاهة. وأضاف أنه لا صحة لما تردد حول اضطهاد بعض أبناء القرية وتعذيب المشتبه في ارتكابهم حادث مصرع شابين من الأقباط، حيث إن المتهم فيها "قبطي" وهو ابن عم أحد المجني عليهما، واعترف بارتكاب الجريمة".. هذا الخبر كان أول ما نشر في الصحافة الحكومية عن مذبحة الكشح! ففي فجر الخامس عشر من أغسطس عام 1998 قامت جيوش من قوات الأمن باقتحام قرية الكشح، التي تسكنها أغلبية مسيحية، وقاموا باعتقال 1200 فلاح مسيحي من سكانها بينهم العديد من النساء والأطفال وعائلات بأكملها، ذلك عقب مقتل اثنين من الفلاحين المسيحيين. مارست أجهزة الأمن تعذيبا وحشيا وعقابا جماعيا سافرا على المعتقلين (أثار ضجة كبيرة وقتها بسبب القدر الهائل من القسوة التي اتسم بها) وذلك لإجبارهم على الاعتراف بأن مرتكب جريمة القتل هو أحد المسيحيين من أقارب القتيلين وليس أحد المسلمين من سكان القرية، وحتى لا تستخدم حادثة القتل دعائيا كدلالة على اضطهاد المسيحيين في قرى الصعيد! قصة الكشح بالطبع تحمل العديد من المفارقات المأساوية، إلا أن الإشارة هنا تتعلق بمفارقة النشر عن الأمر. فالأهرام (الصحيفة شبه الرسمية للنظام) تبدأ في النشر عن المذبحة بعد شهرين ونصف من بدايتها بخبر محدود (أقل من مائة كلمة) يبدو من صيغته أنه كتب في أحد مكاتب أمن الدولة، ولا يهتم إلا بنفي ما نشرته الصحافة الغربية عن الأمر، والتأكيد على أن كل الأمور تمام!! مفارقة النشر هذه تكشف بقدر معقول عن الطريقة التي ظل يتعامل بها النظام مع مسألة اضطهاد الأقباط في مصر على مدى عقود، وظلت معها المسألة من المحرمات التي لا تمس، حتى بدأت تنفجر أخيرا في وجه الجميع. فهكذا يوجه النظام آلية قمعه ويمارس بشكل مباشر اضطهادا على مئات الفلاحين الفقراء المسيحيين ـ لأنهم مسيحيون وفقراء ـ حتى يخفي حقيقة وجود اضطهاد للمسيحيين في مصر! ويتعامل مع الأمر كأنه لم يكن، مكتفيا بترديد الشعارات الممجوجة عن وحدة الهلال والصليب، والأقباط الذين يشكلون جزءا من النسيج الوطني، ..الخ. ويضع إدارة المسألة القبطية برمتها في أيدي الداخلية وأجهزة قمعها، ولا يشغله من الأمر إلا ضغوط الإمبريالية وإعلامها التي تضطره أحيانا إلى الإعلان عما يجري، مؤكدا طول الوقت على أنه: لا صحة لما تردد!! عام 2001 انفجر الغضب القبطي في مظاهرات كانت الأولى من نوعها، عندما تظاهر آلاف الشباب الأقباط داخل الكاتدرائية على إثر الخبر الذي نشرته "النبأ" عن أحد الرهبان المعزولين. مظاهرات 2001 كانت ذات دلالة أقوى بكثير من الحادث نفسه، فهي أكدت بوضوح على الغضب الكامن الذي لم يعد بالإمكان تجاهله. بالإضافة إلى توقيتها الذي صاحب حالة التجذير السياسي الناتج عن مظاهرات التضامن مع الانتفاضة وحملات جمع التبرعات لصالحها، والذي صاحب أيضا بداية انقلاب الإمبريالية على الأنظمة التابعة لها في المنطقة والضغط عليهم لتقديم إصلاحات واضحة. مؤخرا انفجرت موجة أخرى من الغضب، فرضت على الجميع فتح الملف وكسر دائرة المحرمات. فالشهور الأخيرة شهدت تذمرا واسعا في صفوف الأقباط في عدة محافظات، أعقبتها المظاهرات التي حدثت داخل الكاتدرائية بالقاهرة، وأخيرا المظاهرات التي جرت في الفيوم. مسألة السيدة وفاء قسطنطين والفتيات الأخريات ومدى صحة إسلامهم من عدمه ليست هي القضية بالتأكيد، هي مجرد الشرارة التي أشعلت النار، أما الغضب فنابع من الاضطهاد الذي يعيشه الأقباط في مصر طوال عقود وقرون مضت، والذي يتم تجاهله والتعمية عليه دائما.. لكن دعونا أولا نطرح هذا السؤال: هل الأقباط مضطهدون في مصر؟ قد يرى الكثير من الرفاق أن هذا السؤال ساذج، فواقع الاضطهاد حقيقة لا تخطئها عين! هم محقون بالطبع، لكن المدهش أن الكثيرين في مصر لا يرون هذه الحقيقة! المدهش أيضا أن هؤلاء الكثيرين ليسوا فقط من المسلمين، بل بينهم الكثير من المسيحيين الواقعين عمليا تحت هذا الاضطهاد! المدهش كذلك أن هؤلاء جميعا يصرون على ترديد تلك العبارات الفجة: أن الأقباط ليسوا أقلية مضطهدة، وإنما هم جزء من النسيج الوطني! والذين بينهم يرون واقع الاضطهاد ويصرون على عدم تسميته اضطهادا، وإنما هو مجرد "مشاكل" يواجهها الأقباط! هذه الأفكار لا تخص عامة الجمهور بقدر ما تدافع عنها أقسام من النخب السياسية من مختلف التيارات، بما فيها الأكثر نضالية وسط اليسار والناصريين، ناهيك بالطبع عن أنها الموقف المعلن والثابت للكنيسة القبطية الذي لا تتوانى في الدفاع عنه. أما الإسلاميين والجمهور المتأثر بالدعاية السلفية فيرون أن الأقباط يحصلون على حقوق تتجاوز حقوق المسلمين في مصر!! فهل حقا الأقباط مضطهدون؟ نعم.. وبكل تأكيد، لكن السؤال الأكثر أهمية ودلالة هو: هل جميع الأقباط مضطهدون في مصر؟ هناك إجابة على هذا السؤال تقطع بأن جميع الأقباط مضطهدون، وتستدل على ذلك بمناهج التعليم التي تفرض تعلم النصوص والعبادات الإسلامية والتاريخ الإسلامي على جميع الطلاب المسيحيين؛ والإعلام الرسمي الذي يتعامل مع الأقباط على أنهم "الأخوة الأقباط"، ويمتلئ ليل نهار بالمواعظ الدينية الإسلامية؛ والقوانين التي تميز بوضوح بين المسلمين والمسيحيين بدءا من الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ والأعراف السائدة التي تمنع المسيحيين من تولي وظائف عليا بعينها داخل جهاز الدولة؛ هذا غير التمييز السائد في المجتمع على غرار خطباء المساجد الذين تعلو أصوات الكثيرين منهم عبر الميكروفونات كل جمعة بتحقير المسيحيين والديانة المسيحية. الإجابة السابقة، رغم صحة دلالاتها، إلا أنها قاصرة عن شرح مصدر الاضطهاد أو تفسيره كواقع ملموس، والأهم أن الاستناد إليها لا يقدم مخرجا حقيقيا منه. مثلا وزارة الداخلية تقوم بالعصف بفلاحي الكشح المسيحيين الفقراء وتعذب المئات من بينهم، وتعتقل عشرات الشباب القبطي من المتظاهرين داخل الكاتدرائية وتفض تجمعهم بالقوة المسلحة.. في نفس الوقت وزارة الداخلية نفسها تضع حراسة مشددة على منزل ساويرس لحمايته، وتغض الطرف عن رامي لكح وهو ينهب أموال البنوك ويهرب إلى الخارج، وترسل قوات أمنها لإجبار العمال في مصانع غبور على فض اعتصامهم والعمل بالإكراه في شروط متدنية. وزارة الداخلية إذن ليست جهازا للقهر الديني بقدر ما هي جهاز للقهر الطبقي، وعندما تمارس الاضطهاد الديني فإنها تفعل ذلك بالتحديد لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة ككل والتي تضم بالطبع ساويرس ولكح وغبور. القول إذن إن ساويرس وفلاحي الكشح هم جميعا يتعرضون للاضطهاد هو قول مغاير للحقيقة تماما. وبينما كان فلاحو الكشح معلقين في سلخانات الداخلية أصدر ساويرس ولكح وغبور، ومعهم عدد كبير من وجهاء الأقباط، بيانا يعلنون فيه للإعلام الغربي أنه لا اضطهاد للمسيحيين في مصر، ويؤكدون على تضامنهم مع النظام المصري ضد الضغوط التي يتعرض لها! القضية باختصار أن الاضطهاد الطبقي هو مصدر الاضطهاد الديني. صحيح أن مظاهر الاضطهاد الديني لها طابع عام كالقوانين ومناهج التعليم والمواد الإعلامية، إلا أن مصدرها نابع من مصالح اجتماعية أنتجها تطور تاريخي بعينه. فتعديل الدستور بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وإصدار قانون الردة الذي يمنع المسلمين من التحول إلى المسيحية، واللوائح المعوقة لبناء الكنائس وإصلاحها، والتوسع في المواد الإسلامية داخل مناهج التعليم ووسائل الإعلام، ..الخ، جميعها أدوات استخدمها النظام، ولازال يستخدمها، لأهداف دعائية حاول من خلالها إضفاء مسحة دينية على الدولة حتى تظهر في أعين الجماهير فوق الصراعات الاجتماعية. أما حقيقة الأمر هي أن تلك الأدوات، وبسبب دورها الدعائي تحديدا، تساهم في إحكام سيطرة النظام والطبقة الحاكمة على الأمور، أو على الأقل يحاولون استخدامها في ذلك. المقصود هنا أن الاضطهاد الديني نتاج للمجتمع الرأسمالي الطبقي، لكن هذا لا يعني أنه فقط مجرد واحد من مظاهر الاضطهاد الطبقي. الحقيقة أن له وجودا مستقلا يعكس نفسه في العديد من الممارسات الاجتماعية، بدءا من التمييز والنفور في التعامل مع المسيحيين، وحتى استخدام العنف إلى درجة حرق الكنائس والقرى المسيحية والقتل العشوائي للمسيحيين، وهي أفعال شهدت العقود الأخيرة العديد من وقائعها المأساوية. لكن السؤال: لماذا يحتاج المجتمع الرأسمالي لهذا العنف الديني؟ وما هي المصالح التي تدعم ذلك؟ من يستفيد من اضطهاد الأقباط؟ الأمر ببساطة يعود إلى الاستغلال الرأسمالي.. سيقول البعض: هذا تبسيط مخل! حسنا، فلننظر لوقائع الأمور إذن ونرى: فقراء الأقباط يلتفون حول الكنيسة بسبب ما يشعرون به من اضطهاد. والكنيسة، التي ينفق عليها رجال الأعمال المسيحيي