الفلاحون

باحثون عرب وأجانب في مؤتمر (أيام الاشتراكية) بالقاهرة


المؤلفون:

رويترز

المصدر:

(2007)

Notes:

نشرتها رويترز بتاريخ 28 نوفمبر 2007

النص الكامل:

القاهرة (رويترز) - يعقد مركز الدراسات الاشتراكية بمصر مؤتمره السنوي بالقاهرة الاسبوع القادم تحت عنوان (أيام الاشتراكية) بمشاركة نخبة من الباحثين العرب والاجانب. وقال المركز في بيان ان المؤتمر سيفتتح في نقابة الصحفيين في السادس من ديسمبر كانون الاول بجلسة عنوانها (معارك الالفية الثالثة.. ميلاد جديد للمقاومة الجماهيرية) وسيناقش على مدى أربعة أيام قضايا منها (صعود المقاومة في الشرق الاوسط.. معضلات وافاق) و(الليبرالية الجديدة على الطريقة المصرية) و(صعود النضالات الاجتماعية في مصر) و(خصخصة الجامعات في مصر) و(كيف نفهم الدولة الصهيوينة) و(الثورة البلشفية.. تسعون عاما على انتصار العمال). ومن المشاركين في المؤتمر اللبنانيان فواز طرابلسي وعلي فياض والعراقي سامي رمضان ومن المصريين عبد الوهاب المسيري وسمير أمين وعاصم الدسوقي وكمال خليل وبشير السباعي والبريطانيان كريس هارمان وجون روز مؤلف كتاب (أساطير الصهيونية). وسيعرض ضمن أنشطة المؤتمر فيلمان أحدهما (عالم حر) للمخرج البريطاني كين لوش الذي نال جائزة السيناريو في الدورة الاخيرة لمهرجان البندقية. اقرأ المزيد...

مؤتمر أيام اشتراكية 2005


المؤلفون:

No Author

المصدر:

(2005)

ملخص:

عقد مركز الدراسات الاشتراكية مؤتمره السنوي الأول "أيام اشتراكية" على مدى أربعة أيام من24-27 فبراير 2005 في نقابة الصحفيين، وكان المؤتمر ذا طابع تثقيفي يهدف إلى طرح رؤية اشتراكية من القضايا المعاصرة وفتح باب الحوار والنقاش حول هذه القضايا مع التيارات اليسارية الأخرى. وفيما يلي ملخص للقضايا والمحاور التي طرحت في الجلسات المختلفة.

Notes:

نشرت في مجلة أوراق اشتراكية، العدد الثامن، ابريل - مايو 2005

النص الكامل:

1. الاشتراكية ومستقبل عالمنا الجلسة الافتتاحية قدمت نظرة شاملة لمسألة النضال من أجل الاشتراكية في عالمنا، وكيف نفهم تاريخ وحاضر هذا النضال وقد تحدث في هذا الموضوع كل من أحمد نبيل الهلالي وكريس هارمان. تحدث نبيل الهلالي، المناضل الشيوعي والمحامي العمالي الكبير، عن أهمية تقييم حصاد النضال من أجل الاشتراكية على مدار القرن العشرين للرد على كل المحاولات تشويه ماضي الاشتراكية ومستقبلها. فالانهيارات التي عصفت بما يسمى المعسكر الاشتراكي أطلقت العنان للادعاءات القائلة بأن الماركسية فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق في الواقع، ومسيرة البشرية سوف تفند كل هذه الادعاءات فحقائق عالمنا اليوم تشهد بأن الظروف التي ولدت الماركسية لم يتم تجاوزها فعلا. فاتساع التفاوت الطبقي، واشتداد وطأة القهر والاستغلال الطبقي في ظل الرأسمالية العالمية تعني توسيع القاعدة الاجتماعية المناهضة لها. إن توضيح الأمور يتطلب منا أن نفهم أن الأنظمة الشيوعية التي انهارت لم تكن أنظمة شيوعية بل مجرد أنظمة انتقالية، كما أن فشل التجربة السوفيتية لا يبرر على الإطلاق الشطب على الماركسية ذاتها, فالأزمة ليست أزمة الماركسية بقدر ما هي أزمة الماركسيين وتحديدا الأحزاب والأنظمة الحاكمة والتي حولت النظرية من نظرية ثورية إلى نظرية سلطوية تبرر سطوة السلطة. إن الماركسية نظرية علمية متطورة قابلة للتجديد والاستحداث وهذا لن يتحقق على يد مفكرين معزولين عن ساحات النضال، لأن تجديد النظرية الثورية مستحيل أن يتم بعيدا عن الممارسة الثورية على أرض الواقع. بدأ كريس هارمان حديثه بأنه منذ عشر سنوات، قالت كل الأطراف إن الاشتراكية انتهت، وتحدث بوش الأب عن نظام عالمي جديد يتحقق فيه السلام العالمي، وتحدث المدافعون عن الرأسمالية باعتبارها تمثل نهاية التاريخ، ولكن إذا نظرنا إلى تاريخ الرأسمالية الصناعية، نجد أن عمرها هو 250 سنة، في حين أن تاريخ البشرية عمره 200 ألف سنة، أي أن الرأسمالية كانت موجودة في 2 في الألف من عمر البشرية، وبالنسبة لبلد كمصر، يرجع بناء الأهرام إلى 5 آلاف سنة، في حين أن تاريخ الرأسمالية يعود فقط إلى 150 سنة، لذلك فإنه من العبث أن نتصور أن البشرية ستعيش بقية عمرها في نفس الصعاب والمآسي المتعلقة بفترة لا تزيد عن 2 في الألف من عمرها. هل من الممكن أن تكون الرأسمالية هي فعلا نهاية التاريخ؟ نعم إذا ما أخذنا في الاعتبار انتشار استخدام السلاح النووي وظاهرة الاحتباس الحراري، وهي ظواهر من شأنها تدمير الحياة على كوكب الأرض. فمنذ خمس سنوات، كانت الدول الرأسمالية تريد مواجهة الاحتباس الحراري. لكن الآن، كل دولة من الدول الكبرى تقول إنها لا تستطيع أن تفعل شيئا لحل هذه المشكلة لأن أي إجراءات في هذا الاتجاه سوف تؤثر على قدراتها التنافسية في مواجهة الرأسماليات الأخرى. لذلك فإن كلا من الولايات المتحدة وروسيا والصين ترفض التوقيع على البروتوكول المتعلق بمنع انبعاث الغازات التي ترفع درجة حرارة الأرض. في الحقيقة عندما تنقلب حياة الناس ثورياً، يصلون إلى نقطة توجب أن يناضلوا لأنه لا يمكن أن يقبل العمال أن يعملوا 12 ساعة في اليوم للحصول على أجر معقول بعد أن كانوا من 20 أو 30 سنة يعملون نصف هذه الساعات. ولا يمكن أن تأخذ الأرض من الفلاحين ثم تتخيل أنهم لن يعترضوا على ذلك، لأن تدمير حياة البشر من الطبيعي أن يخلق مقاومة. منذ 40 سنة قال المدافعون عن الرأسمالية إنها لن تمر بأزمات لأن الدولة تتدخل لمنع نشوء هذه الأزمات. الآن يقولون إن الدولة لا يمكنها أن توقف الأزمات. وأصبح شعار الرأسمالية في الوقت الحالي هو التدمير الخلاق. فقد استغلت الرأسمالية فترة الإحباط وطرحت برنامجها للخصخصة والعولمة وإعادة الهيكلة لتضعف حركة الجماهير. لكن العشر سنوات الماضية شهدت إضرابات واسعة في فرنسا وانتفاضة الزباتيستا في المكسيك ثم سياتل وعشرات المظاهرات ضد العولمة. وفي جنوة عام 2002 منع مئات الآلاف من العمال الشرطة من ضرب المتظاهرين. وفي نفس الفترة، أطيح بثلاثة أنظمة في أمريكا اللاتينية من خلال حركة عفوية ضد الليبرالية الجديدة، رغم أن هزائم السبعينيات كانت في أمريكا اللاتينية أسوأ منها في أي مكان آخر. إننا بصدد نمو حركة جديدة الآن تسعى للاستفادة من التكنولوجيا التي خلقتها الرأسمالية من أجل ابتكار وسائل جديدة للنضال. 2. اليسار والعمال في مصر: دروس التاريخ وآفاق المستقبل تناولت هذه الجلسة العلاقة بين اليسار والعمال في مصر وتحليل هذه العلاقة المهمة تاريخيا وأثرها في خيارات الحركة العمالية بهدف بلورة دروس للمستقبل. وقد تحدث في هذه الجلسة المؤرخ جويل بينين، والمناضل أحمد شرف، وقدم عامل من مصنع قليوب شهادة. تحدث جويل بينين، المؤرخ البريطاني وصاحب كتاب Workers on the Nile، عن تطور الحركة العمالية المصرية وصلاتها بالحركات الاشتراكية والشيوعية المصرية فأوضح أن فكرتي النقابات والاشتراكية كانتا فكرتين أوروبيتين وتبناهما المصريون، وأصبحتا جزءا مهما من الحركة الوطنية المصرية. فقد تأسست أول نقابة عمالية في مصر عام 1899 من عمال لف السجائر ومعظمهم من اليونانيين. وبعد سنوات تأسست نقابات أخرى باشتراك عمال مصريين أصبحوا أغلبية في الحركة النقابية. وتأسس أول اتحاد عام للنقابات في 1921 وفي نفس العام تأسس الحزب الاشتراكي بزعامة سلامة موسى، وكان فيه أعضاء مسلمون ومسيحيون ويهود. تحول الحزب الاشتراكي إلى الحزب الشيوعي عام 1923. واستخدم حزب الوفد شعار الإجماع الوطني من أجل مواجهة الوجود العمالي والاشتراكي في مصر، في الوقت الذي كانت فيه الحركة العمالية والاشتراكية أضعف من المقاومة. في الفترة من 1945-1952 زادت شعبية الأفكار الاشتراكية في وسط المثقفين بسبب دور السوفيت في هزيمة الفاشية وبروز النظام الاشتراكي كبديل للنظام الرأسمالي الذي ظهر فشله خلال كساد الثلاثينيات، وقيام الاتحاد السوفيتي بتأييد المعارضين للإمبريالية في المستعمرات. كان نتيجة ذلك أن كسبت الأفكار الاشتراكية وسط العمال وكانت الماركسية هي همزة الوصل بين القضية الوطنية والمسألة الطبقية لأنها اعتبرت أن دور العمال رئيسي في قيادة الحركة الوطنية. لكن الانقسام في قوى اليسار وسيادة هيكل تنظيمي غير ديمقراطي في المنظمات اليسارية حال دون وحدة الحركة اليسارية رغم حدة الصراع الطبقي في النصف الثاني من الأربعينيات. في الفترة الناصرية، فشلت كل القوى التقدمية التي أيدت حركة الجيش في لعب أي دور، بينما كان ناصر يمثل نظاما شعبويا مثل بيرون في الأرجنتين، لكنه لم يكن نظاما اشتراكيا. في عام 1965 تم حل الحزب الشيوعي وحصل مثقفو الحزب على مناصب في النظام. ويدلل ذلك على أهمية التمييز بين النضال الوطني والنضال الطبقي، رغم ملاحظة أن الهوية الوطنية كانت جزءا مهما من الهوية الطبقية للعمال المصريين. تحدث احمد شرف الدين، محام ومناضل اشتراكي، عن التغييرات التي حدثت للطبقة العاملة منذ بداية التسعينيات بسبب سياسات الخصخصة حيث تم بيع 193 شركة وتسريح أعداد كبيرة من العمال وخرج نصف مليون عامل إلى المعاش المبكر وأعيدت صياغة علاقات العمل طبقا لآليات السوق فتم التوسع في استخدام العمالة المؤقت تحت ذريعة مرونة سوق العمل فيما كان ذلك يهدف في الحقيقة إلى حرية الاستخدام والفصل في ظل بطالة مفرطة تصل إلى ستة ملايين عامل تمثل نحو 30% من قوة العمل. وأشار أحمد شرف إلى أن الدولة تزيد من اعتدائها على حقوق العمال عن طريق انسحابها من الإنفاق والاتجاه إلى التخلي عن التأمين الشامل الذي يغطي 6 مليون عامل من العمالة غير المنظمة. ويتوافق ذلك مع تدهور مستويات المعيشة وتزايد التفاوت في توزيع الدخل حيث يحصل 86% من السكان على 25% من الدخل فيما يحصل 14% على 75% من الدخل. وتعرض المتحدث إلى أسباب تراجع الحركة العمالية ورأى أنها تتمثل في تصفية قطاعات واسعة من القطاع العام، وإلى هيمنة الدولة على النقابات من أعلى ومصادرة النشاط النقابي من أسفل، فالتشريعات الموجودة تجعل نقابات المصانع بلا أي سلطة ودعا إلى التعددية النقابية في مواجهة سيطرة الدولة على النقابات. وتحدث عامل في مصنع إسكو بقليوب عن الواقع العمالي بعد الخصخصة، وأشار إلى أن المصنع الذي تم تقييمه في عام 1998 بمبلغ 60 مليون جنيه، بيع عام 2004 بنحو 4 مليون جنيه. ومع خصخصة المصنع تم زيادة ساعات العمل لتصل إلى 12 ساعة، وطبقت لائحة جزائية جديدة وأصبح الطرد هو الوسيلة المتبعة للتعامل مع أي اعتراض عمالي على تدني ظروف العمل. 3. هل الحزب العمالي الاشتراكي ضروري؟ طرحت هذه الجلسة موضوع الحزب العمالي والتغيير، وناقشت طبيعة هذا الحزب واختلاف الرؤى بين التيارات المختلفة عن ضرورته وسماته ومشاكله وعن الحاجة إليه في عصرنا الراهن. وأكدت المداخلة الرئيسية التي قدمها وائل جمال على الضرورة السياسية البالغة للحزب العمالي الثوري في عملية التغيير الاجتماعي الطبقي ليس فقط نظريا وتاريخيا وإنما أيضا وفقا لمقتضيات التطورات العالمية الحالية. وباستعراض مشاهد التاريخ والحاضر ما بين الثورتين الألمانية والروسية وبين الانتفاضات الشعبية في الأرجنتين وإندونيسيا وغيرها وتطورات الحركة العالمية المناهضة للرأسمالية التي تشهد حاليا مناظرة حول دور التنظيم الثوري في الحركة، انتقلت المداخلة لاستعراض الخطوط العامة لنظرية الحزب اللينيني. طبيعة تركيب ومهام ودور الحزب اللينيني تنبع من خصوصية الاشتراكية كنظرية التحرر الذاتي للطبقة العاملة. الحزب عليه ألا يقع لا في خطأ الاستبدالية بإحلال نفسه مكان الطبقة العاملة ولا في خطأ تذيل حركة الجماهير كما تفعل الإصلاحية. دور الحزب في علاقته بالعمال أشبه بلجنة الإضراب التي تعبر عن مصالحهم وتنظم حركتهم. هذا يعني أن الحزب يظل يمثل أقلية في الطبقة إلى اللحظة التي تتحقق فيها الثورة. هذا الوضع نتاج سيطرة أفكار الطبقة الحاكمة على أغلبية العمال وأن هذه السيطرة لا تتزعزع إلا من خلال النضالات العمالية ضد المظاهر المختلفة لتعسف النظام الطبقي. يؤدي ذلك إلى أن الحزب لا يبني نفسه إلا في الحركة ولا ينمو معزولا عنها. ويقتضي التعامل مع هذا الوضع سياسة موحدة وفاعلة ومستجيبة دوما لشروط وتطورات الصراع الطبقي على الأرض. ولأن هذه الخطوط العامة لا تقدم وصفة جاهزة وإنما إطار يمكن البناء عليه وفقا لمستويات الصراع الطبقي ودرجة تطوره فإن المناقشات تركزت حول دلالة هذه الأسئلة بالنسبة للوضع في مصر والذي أجمع المشاركون حول أنه يوفر وضعا أمثل من أي وقت مضى لبناء مثل هذا الحزب الذي يصبح لا غنى عنه في هذه اللحظة السياسية. وامتدت المناقشات على هذا الأساس لطبيعة تطور وتركيب الطبقة العاملة المصرية التي شهدت احتجاجاتها تصاعدا قياسيا في الشهور الأخيرة. 4. الثورة والتغيير: دروس انتفاضات عصرنا ناقشت هذه الجلسة قضية طبيعة الانتفاضات والحركات الجماهيرية وعلاقتها بالثورة والمعضلات التي تواجهها في عصرنا الحالي. تحدث تامر وجيه من مركز الدراسات الاشتراكية حول الدعاية السائدة التي ترى في الثورة شغباً وغوغائية وعملا خطيرا وتعتبر أن النظم الراهنة مستقرة إلى الأبد. وأشار إلى أن هذه الطريقة في التفكير أخذت دفعة جديدة في العشرين سنة الماضية، مع تراجع الحركة الجماهيرية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي. غير أن الواقع يقول شيئا مختلفا عن ذلك. فقد كان انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة حركات جماهيرية كبيرة، كما أن النظام في جنوب أفريقيا تغير نتيجة عمل جماهيري واسع، وخلال الخمس سنوات السابقة صعدت حركة في بلدان كثيرة من العالم لمناهضة العولمة والحرب، حيث تحرك في 15 فبراير 2003 نحو 15 مليون شخص في عمل جماعي منظم كان أكبر مظاهرة في تاريخ البشرية. ورغم أن هذه الحركات تدور حول تزايد دور الجماهير وتأثيرها، إلا أنه كانت هناك مشكلة أساسية في كل هذه الثورات. فهي لم تؤد إلى تغيير جذري في علاقة الاستغلال الرأسمالي رغم أنها غيرت نظما سياسية واستبدلت الديكتاتورية بالديمقراطية. حدث ذلك في إندونيسيا وبوليفيا والأرجنتين وغيرها. يرجع ذلك إلى أنه حينما تتقدم الجماهير إلى الأمام، يكون هناك وضوح حول أن الجميع يكرهون الوضع الراهن. لكن الغموض يكون حول البديل الذي تريده الجماهير. نتيجة ذلك أن الوضوح حول رفض الوضع الراهن يخلق حركة جماهيرية واسعة، لكن عدم الوضوح المتعلق بالبديل يخلق تشوشاً، خاصة وأن الحوار بين القوى المختلفة يجري في ظل سيطرة الأفكار البرجوازية ووجود وعي محمل بأعباء الماضي. هذا هو ما حدث في ثورات العشرين سنة الماضية، حيث انتصر المدافعون عن أفكار الإصلاحية. 5. الصراع الطبقي وتحرير المرأة في مصر ناقشت هذه الجلسة وضعية المرأة في المجتمع المصري وأسباب اضطهادها، وطرق تحررها، كما تناولت الأطروحات النسوية المختلفة، وتحدثت في هذه الجلسة هالة كمال ودينا جميل حول هذه المسائل. قدمت هالة كمال، أستاذة في كلية الآداب جامعة القاهرة، عن نقاط التلاقي بين المنهج الاشتراكي والمنهج النسوي كما عرضت للمدارس النسوية المختلفة في تناولها لقضية اضطهاد المرأة. وعن المنهج الاشتراكي والنسوي أوضحت المتحدثة أن هناك نقاط تلاقي فالاستغلال والقهر يمثلان جوهر المنهجين على المستوى النظري وعلى مستوى الخبرة، وأن الاستغلال والقهر ليس حالة فردية ولا مسألة خاضعة للقدر والطبيعة إنما هي سياسة ونتاج أوضاع اجتماعية واقتصادية تقوم على ممارسة فئة من المجتمع الاستغلال والقهر وفرضهما على فئة أخرى لتحقيق مصالحها الخاصة. الوعي بهذا الاستغلال والقهر يقود في المنهجين إلى مقاومة هذا الاستغلال عن طريق الكفاح والنضال كما يرى المنهج الاشتراكي، وعن طريق التحالف ورؤية بديلة والتغيير كما يرى المنهج النسوي. إن النظرية النسوية تطورت بقوة خلال السبعينات وتبنت مناهج فكرية مختلفة إلا أن مسألة تفسير تبعية وخضوع النساء للقهر والاستغلال على مدار التاريخ الإنساني. والمناهج الفكرية النسوية في تناولها هذه القضية متباينة فالنسوية الليبرالية ترى أن تحقيق المساواة بين الجنسين ممكن تحقيقه بتعديل القوانين وعمل إصلاحات داخل النظام القائم. أما النسوية الراديكالية فترى أن مصدر قهر النساء هو النظام الأبوي بحيث يتحكم الرجال في كافة جوانب الحياة على مستوى الدولة والمجتمع والأسرة، وأن السبيل لتحرر المرأة من السلطة الأبوية يتمثل في الاستقلال التام عن الرجال وبناء مؤسسات نسائية بديلة. وتوقفت المتحدثة عند النسوية الاشتراكية والماركسية والتي تهتم في تحليلها بالبعد الاقتصادي والاجتماعي إضافة إلى عوامل أخرى مثل العرق، والانتماء الطبقي والتي تشكل في تداخلها مصدرا للقهر وفرض التبعية على النساء. وترى هذه النظرية أنه من الممكن وجود تحالفات على أكثر من مستوى، فتتحالف النساء مع نساء ضد القهر الواقع عليهن باعتبارهن نساء، وفي نفس الوقت تتحالف النساء مع الرجال الخاضعين لمظاهر قهر متشابهة. وتنشط النسويات الاشتراكيات في مختلف مجالات النضال مع النشطاء من الرجال ولكن في نفس الوقت وبوعي شديد يعملن على إقامة مجموعات نسائية مصغرة غير مستقلة داخل هذه المنظمات تعمل على تأكيد البعد الخاص بمطلب النساء. أما النسوية الماركسية فتعتمد المنهج التحليلي الذي يربط بين علاقات الإنتاج وعلاقات الإنجاب في فهم تبعية وقهر المرأة. وبالتالي تعطي وزنا للأسرة وعمل النساء غير المأجور فيها، وتتحول الأسرة في هذا المنظور إلى مثال تتبدى من خلاله علاقات القوى بين الجنسين وتصبح مسؤوليات المرأة ودورها في البيت قضية سياسية مرتبطة بعلاقات القوى وتدور حول الأدوار الاجتماعية للجنسين ومفاهيم الإنتاج والاستغلال إضافة إلى العوامل الأخرى مثل البعد الطبقي والثقافي والعرقي التي تتداخل في تحديد السياق. وتحدثت دينا جميل، مركز الدراسات الاشتراكية، عن وضعية المرأة في المجتمع المصري ومدى إمكانية إنهاء اضطهادها. وبعرض سريع لبعض البيانات حول وضع المرأة في مصر من حيث ارتفاع نسبة البطالة ونسبة الأمية بين النساء وتفاوت الدخول بينهن وبين الرجال، والتعامل معها كمواطنة من الدرجة الثانية، إضافة إلى أشكال العنف المختلفة التي تقع على المرأة من ضرب وختان تخلص المتحدثة إلى أن اضطهاد المرأة أمر واقع وأن قضية المرأة قضية مهمة والاشتراكية التي تدعو لتحرير الإنسانية لا يمكنها تجاهل أن نصف الإنسانية يقع عليها اضطهاد مزدوج. وتناولت المتحدثة الطروحات المختلفة النسوية والإسلامية والحكومية حول قضية المرأة وتبين أنه رغم كل الجهود التي تبذل والتي قد أدت بشكل أو بآخر إلى تحسين بعض أوضاع النساء، لكنها لم تحرر المرأة وتنهي اضطهادها، ولكي نطرح الوسائل التي يمكن أن تحرر المرأة يجب أولا أن نفهم الأسباب الحقيقية وراء هذا الاضطهاد، فالمرأة لم تكن مضطهدة منذ بدء التاريخ وإلا فليس هناك أي معنى للحديث عن تحررها. إن المنهج الماركسي يربط بين ظهور الطبقات والملكية الخاصة واضطهاد النساء، فالحاجة إلى الإنجاب لتوفير الأيدي العاملة في المجتمع الزراعي وضمان انتقال الملكية في شكل الميراث عزل المرأة في الأسرة وحول دورها الأساسي إلى إنجاب الأطفال. وبعرض سريع لوضع المرأة في مصر منذ القرن التاسع عشر أشارت المتحدثة إلى التغيرات التي أدت إلى عزل المرأة في المنزل وخروجها من سوق العمل تحت الاحتلال البريطاني لمصر، وعودتها في المرحلة الناصرية بما يخدم احتياجات التراكم الرأسمالي، ومع الانفتاح الاقتصادي في السبعينات والتغير في احتياجات الرأسمالية أصبح التركيز على أهمية دور المرأة في الأسرة وقد ترافق ذلك مع تعاظم دور الاتجاه الإسلامي والأفكار المحافظة. وعلى الرغم من أن هذه الدعاية المضادة لعمل المرأة لم يعد من الممكن معها عودتهن إلى البيت لاندماجهن في سوق العمل إلا أن هذه الدعاية تلعب دورا في زيادة استغلال النساء في سوق العمل. وفي ظل السياسات الليبرالية الجديدة وتدهور الأوضاع المعيشية للأسر أصبحت المرأة فريسة للاستنزاف الناجم عن ازدواج الأدوار بين العمل خارج وداخل المنزل ومهمتها في تغطية العجز في الموارد الأخرى المطلوبة للحفاظ على الموارد البشرية وبقاء الأسرة. إن تحرر المرأة يعني تغيير وضعها وهذا لن يكون بإصلاحات بل بتغيير شامل، هي معركة لكسر الرأسمالية والتي لا يمكن أن تكسب إلا إذا قام الاشتراكيون بكسب النساء لصف الثورة، ولكن لكي يحدث هذا الكسب لا بد من أن يناضل الاشتراكيين بدورهم في معركة تحرر المرأة ولتحسين أوضاعها وذلك من خلال الدعاية وطرح قضية المرأة في كل المعارك الراهنة والإصرار على وجود النساء في كل حركات النضال. كما نحتاج أكثر من أي شيء إلى أن نتعلم قضايا النساء الحقيقية وأولوياتهن، وأن نتعلم كيف نحول أفكارنا النظرية من خلال خوض المعارك إلى برامج ومواقف عملية وملموسة. 6. الإمبريالية والتحرر الوطني اليوم ناقشت الجلسة طبيعة الإمبريالية ودورها في إعادة هيكلة العالم والصلة بين الطبقات الحاكمة والأنظمة السياسية والقوى الإمبريالية. تحدث سمير أمين المفكر الاقتصادي وأحد مؤسسي نظرية التبعية عن المحاولات الأمريكية لفرض الديمقراطية في جورجيا وأوكرانيا ولبنان وسوريا وحتى مصر، فقال إنه لا يمكن فصل الديمقراطية عن البعد الاجتماعي وحصرها في إنجازات سياسية خاصة الانتخابات. فالمحاولة الأمريكية للديمقراطية تستهدف تفكيك مشروعات التنمية وآمال اللحاق. ذلك أن منظمة التجارة العالمية تهدف إلى فرض خطط تؤدي إلى تفكيك المنظومة الإنتاجية المحلية وتصفية الأجزاء غير المربحة بالنسبة لرأس المال المسيطر، وتم تفكيك تجارب التنمية المتمركزة على الذات، حتى الرأسمالية، وهدم ما تبقى من المنظومة الإنتاجية لصالح هيمنة رأس المال. يقوم نظام الإمبريالية الجديد على عسكرة الإدارة السياسية عالميا لمنع أي تبلور لبديل حقيقي اشتراكي أو رأسمالي، وتستغل الولايات المتحدة قدرتها الاستثنائية ليس فقط لصالحها بل لصالح الاستعمار الجماعي. إن التناقضات الناشئة عن النظام الراهن هي تناقضات لها أصول طبقية واجتماعية لكنها تأخذ أشكالا مختلفة ومن ثم لا بد من التركيز على المصالح المشتركة في المجتمعات المختلفة الداخلة في خطة الاستعمار الجديد. في هذا الإطار فإن مقاومة المشروع الأمريكي تتطلب خروج الأوروبيين عن الأطلسية أي عدم الخضوع للمشروع الأمريكي، وتثبيت اشتراكية السوق كمرحلة في الانتقال الطويل من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وهو كما في حالة السويد، وإحلال تكتلات غير كمبرادورية، يسارية أو شعبية أو وطنية، وإعادة بناء تحالف الجنوب. ذلك أنه في لحظة ما كان هناك انفصال بين الدول الصاعدة وغير الصاعدة بين الدول النامية. لكن الهدف الرئيسي الآن للاستعمار الجديد قام بالتقريب بين مصالح الدول النامية الضعيفة وغير الضعيفة، مما يدفع في اتجاه تشكيل تحالف يمثل تحدي العصر بين الدول الصاعدة في الجنوب وباقي دول العالم الثالث. 7. إلى أين تذهب الرأسمالية العالمية؟ تحدث كريس هارمان في هذه الجلسة عن وضع الرأسمالية في المرحلة الراهنة، فأشار إلى أنه مع نمو الشركات متعددة الجنسية في السبعينيات أصبح من الصعب على كل دولة تقصر نشاطها على الداخل، وكلما نما عمل الشركات متعددة الجنسية خارج حدود الدولة زادت حاجة الشركات إلى الدولة لكي تحمي مصالحها في الخارج. فالدولة الأمريكية تتدخل لمساعدة الشركات المتعددة الجنسية التي يمثل أساسها رأس المال الأمريكي ونفس الشيء يمكن أن يقال عن فرنسا والدول الإمبريالية الأخرى. وجاء احتلال العراق في هذا التنافس، حيث ترغب الولايات المتحدة في التحكم في نفط الشرق الأوسط حتى تصبح قادرة على مساومة الرأسماليات الأخرى. ويمثل الشرق الأوسط المنطقة التي يتركز فيها الصراع في العالم بشكل أكبر، لأن الطبقات الحاكمة في هذه المنطقة فشلت في اللحاق بركب الرأسمالية في الخمسينيات والستينيات، كما أنها تملك أهم مادة خام في العالم. إن الفوضى التي يخلقها هذا النظام تتطلب تضافر أصحاب المصلحة من العمال والفلاحين الفقراء للدفاع عن مصالحهم. وهنا يجب الإشارة إلى أن جميع الفقراء أيا كان انتماؤهم الديني، يعانون من هذا الوضع، ومن ثم فإن أسوأ ما قد يحصل هو أن يمنع اختلاف الانتماء الديني التضامن بين الفقراء في العالم. ففي مصر، لا يمكن تصور أن فلاحا مسيحيا يمكن أن يستفيد من غزو بوش للعراق لمجرد أن بوش ينتمي لنفس الديانة. وانتهى هارمان إلى ضرورة تضامن الفقراء في العالم وفى كل بلد على حدة لمقاومة الظلم والاستغلال بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. 8. آفاق حركة مناهضة العولمة والحرب ناقشت هذه الجلسة طبيعة حركة مناهضة العولمة وتطورها وكذلك التحديات التي تواجهها وتصورات للموقف الاشتراكي منها، وتناول متحدثو هذه الجلسة هذه القضية من جوانب مختلفة. بدأ مدحت الزاهد، رئيس تحرير جريدة التجمع، حديثه بتقديم مفهوم العولمة الرأسمالية والتي ظهرت عندما ساد عالم واحد وظهور نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية المنفردة والذي سمح لاحقا بعسكرة العولمة باعتبارها أعلى مراحل العولمة الرأسمالية. وقد كان لانتصار الرأسمالية أثر سلبي على كل الشعوب في العالمين الثاني والثالث لأن الأجندة التي انتصرت هي أجندة الأرباح قبل الإنسان، وإلغاء الدعم والحماية الاجتماعية للفقراء، أجندة إهدار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وانسحاب الدولة من مجالات التنمية وفتح الأسواق وحرية التجارة والخصخصة. وعسكرة العولمة وفرض الأجندة الأمريكية والسيطرة على موارد الاقتصاد وموارد السلطة مما يسهل معه فهم تحول المنطقة العربية إلى ساحة حرب ولعل من أبرز مظاهر هذه العسكرة العدوان على العراق ليس بسبب الأهداف المعلنة بل للسيطرة على النفط عصب الحياة الغربية الصناعية. طبعا لحسن الحظ أن هذا التوجه للانفراد بالهيمنة كان يواجهه حركة من الشعوب انتبه لها العالم من سياتل 1999 والتي عبرت عنها القوى السياسية التي بدأت تدرك أنها إزاء تهديدات تشمل حتى حق الحياة وسلامة الكوكب. وقد بدأ النشطاء من دول عديدة بالذهاب إلى اجتماعات الدول الصناعية وطرح شعارات مختلفة الإنسان قبل الأرباح، وعدالة التجارة. وقد تطورت هذه الحركة وعبرت عن نفسها بشكل تنظيمي فضفاض وهو المنتدى الاجتماعي العالمي في مواجهة منتدى دافوس، يطرح وجهة نظر أخرى تناضل ضد العولمة والحرب والعدوان على الحريات ودمار البيئة وحماية حقوق الفقراء. وقد صدر عن هذا المنتدى نداء لشعوب العالم للخروج في الشوارع ضد الحرب على العراق في 15 فبراير وقد حصل لأول مرة مظاهرة عالمية في 700 مدينة بنحو 30 مليون شخص يتحركون معا ويرفعون نفس الشعارات، وفي 16 مارس كان هناك إضرابات للطبقة العاملة الأوروبية ليس لمطالب تخصهم ولكن من أجل وقف الحرب على العراق، وبالتالي فإن حركة مناهضة العولمة بدأت تخلق أشكالا تنظيمية معولمة تمكنها من المقاومة بفعالية. وعلى الرغم من هذه الاحتجاجات لم تمنع الحرب على العراق فإن هذا لا يعني فشل الحركة، حيث يمكننا أن ننظر إليها بمنظور آخر فلأول مرة يحصل انشقاق في حزب الناتو وتخرج أطراف معارضة للحرب، انشقاق بين التحالف الأمريكي والأوربي، كما لم يصدر مجلس الأمن قرارا مع الحرب بما يعطي أمريكا غطاء دوليا. واختتم المتحدث بأن موضوع مناهضة العولمة لا يجب أن يفهم على أننا نقاوم خطرا خارجيا قادما إلينا ويجب ألا نفصل في المواجهة بين الداخل والخارج حيث إن النظم في الداخل تتبنى تلك الأجندة، إننا دعاة العولمة الديمقراطية الإنسانية، حركة مناهضة العولمة فتحت هذا الأفق وبالتالي لا بد أن يبقى مطروحا لانتصار الحركة، إن هذه المعركة تكسب بالنفس الطويل والصراع المستمر. وتحدثت جيهان شعبان، الصحفية في صوت الأمة، عن تجربة المجموعة المصرية لمناهضة العولمة "أجيج"، وأن ظهورها كان من تأثير صعود حركة مناهضة العولمة في العالم والتي بدأت بمبادرة محدودة من فئة من النشطاء في 2001 ، وتوسعت بعد ذلك داخل دوائر النشطاء اليساريين. وقد طرحت هذه المجموعة على نفسها القيام بعدة فعاليات في مواجهة العولمة الرأسمالية والسياسات الليبرالية الجديدة وعلى رأسها عمليات الخصخصة، وشاركت بقوة في التظاهرات والاحتجاجات والتي قوبلت بالقمع مما كان له أثر سلبي على الحركة خاصة مع النهاية السريعة للحرب على العراق. ومع محاولات لتنشيط الحركة بدا العمل على ربطها بنوع جديد من الحركات التي بدأت تظهر في الواقع مثل حركة الاحتجاج ضد رسوم النظافة، واحتكار شركات المحمول وغيرها. كما وشاركت أجيج في فعاليات المنتدى الاجتماعي العالمي 2004 والذي عقد في مومباي للتعرف أيضا على تجارب مجموعات مشابهه حول العالم، كذلك شاركت في اجتماع نشطاء مناهضة الحرب والعولمة في بيروت. وقد جاءت الأحداث لتحسم خيارات هذه المجموعة في العمل فشارك النشطاء في مسيرة رفح التي نظمت للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وكذلك المشاركة في الحملة الشعبية للتغيير. وعندما بدأ الحديث عن الكويز اهتمت المجموعة ونظمت مظاهرة ضدها يوم توقيع الاتفاقية، كما تفاعلت أجيج مع معركة عمال الإسبستوس بالتنسيق مع المجموعات والمراكز والمنظمات المهتمة بالقضية في مصر، وخلق أوسع حملة تضامنية عالمية. وبعد الحديث عن تطور المجموعة ونشاطها طرحت المتحدثة رؤية المجموعة لمستقبلها والتحديات التي تواجهها، ولعل أهمها هو النمو ولتحقيق ذلك النمو يجب أن نعمل على استقطاب أعداد من لمتضررين من السياسات التي نواجهها واختتمت حديثها بأن أجيج مدينة مفتوحة لكل من يؤمن بأن خلق عالم أفضل ممكن. وتحدث وائل خليل، مركز الدراسات الاشتراكية، عن أهمية حركة مناهضة العولمة للاشتراكيين وكيفية التعاطي معها، وأشار إلى أنه عند نشأة حركة مناهضة العولمة قابلها الكثير من اليسار بأحد موقفين لكل منهما مشاكله. الموقف الأول التشكك في الحركة فهي ليست حركة عمالية وبالتالي فهي ليست ذات أهمية وستنطفئ بسرعة. ولم يروا في ذلك الوقت وبعد مرور نحو عشر سنوات من سيادة وانتصار سياسة السوق والسياسات الليبرالية أن مثل هذا التحرك له أهميته. ولم تتوقف حركة مناهضة العولمة عند الأهداف الإنسانية إذ سرعان ما تطورت وتبنت قضايا أخرى مثل القضية الفلسطينية. في 11 سبتمبر واجهت الحركة تحديا كبيرا وكثير من اليساريين راهنوا على أن الحركة ستنقسم على نفسها وأن هذه هي نهايتها، وفي واقع الأمر هذا الحدث كان له تأثير على الحركة وخلق مناقشات كثيرة داخلها ونتج عنه تحولها من حركة مناهضة العولمة إلى مناهضة الحرب. هذه الحركة كانت أكبر من سابقتها وقدمت شيئا جديد بالنسبة لنا إنها كانت حركة أممية. فموقف العزلة ورفض الحركة لأنها غير نقية هو موقف خاطئ. أما الموقف الثاني فهو الذوبان التام في حركة مناهضة العولمة والفصل بينها وبين الاشتراكية، هو موقف خاطئ أيضا لأنه ينفي عن الشخص صفة الاشتراكية وبالتالي لا يلعب دورا داخل الحركة، واعتقد بأنه لولا دور الاشتراكيين داخل حركة مناهضة العولمة بعد 11 سبتمبر لما حصل هذا التحول في الحركة. ومن الضروري هنا الحديث عن الجبهة المتحدة فالعمل مع أطراف مختلفة من اتجاهات متباينة برؤيتهم طويلة المدى عن الاشتراكيين لكن يتفقون معهم في مجموعة الأهداف المرحلية وضرورة العمل معهم، وينطبق ذلك على حركة مناهضة العولمة، ولكن كاشتراكيين يجب ألا نتوقف عن الدفاع عن مواقفنا ونحاول أن نكسب الناس حولها ونقنعهم بها، فالمهم الاشتباك داخل الحركة وليس التعليق وتقديم الإرشادات من خارجها. 9. البديل الإسلامي: رؤية طبقية طرحت هذه الجلسة قضية الحركة الإسلامية وتناولت بالتحليل طبيعتها الطبقية ومشروعها السياسي بهدف فهم هذه الحركة. بدأ سامح نجيب من مركز الدراسات الاشتراكية حديثه بالإشارة إلى أن الدين الإسلامي كغيره من الأديان قابل لتفسيرات وتأويلات متناقضة، كلما تغير العالم الحقيقي وتغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي كلما استخدمت الطبقات المختلفة تأويلات مختلفة لما يعتبرونه صحيح الدين. واعتبر المتحدث أن اليسار المصري وقع تاريخيا في أخطاء جسيمة في تعامله مع الحركة الإسلامية، حيث ظل يتذبذب بين موقفين أولهما اعتبار الحركة الإسلامية حركة ظلامية ورجعية، وفي ظل بعض التفسيرات فاشية، تعادي التقدم والحداثة والعلمانية ويجب محاربتها بكل الأشكال الممكنة وبأي ثمن، وهذا هو موقف رفعت السعيد وحزب التجمع عموما، وهو أيضا موقف بعض قوى اليسار في الجزائر وغيرها. الموقف الثاني الخاطئ هو اعتبار الحركة الإسلامية حركة معادية للإمبريالية وبالتالي يمكن التحالف معها، وهو موقف لا يقل خطورة عن السابق لأنه يتجاهل التناقضات الموجودة في الحركة الإسلامية ويؤدي إلى نتائج كارثية كما حدث أثناء الثورة الإيرانية حينما تحالف اليسار مع الخميني ضد الشاه مما أدى إلى تصفية اليسار تماما فيما بعد. ورغم أن الحركة الإسلامية قد تتخذ أحيانا مواقف ضد الإمبريالية فإن ذلك ينطلق من تصور حول أن الصراع في العالم هو صراع حضاري بين المسلمين وغير المسلمين، وليس صراع مصالح بين الدول الرأسمالية الكبرى وجيوشها وشركاتها وعملائها من جهة وبين جماهير العمال والفلاحين والفقراء والعمال من الجانب الآخر. وهذا التصور يؤدي إلى مشكلتين، فهو يخرج الرأسمالية المحلية من الصراع، رغم أنها تلعب طول الوقت في ارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي والاستعمار، كما أن هذا التصور لا يجد مكانا لدور الحركات المناهضة للعولمة والاستعمار في الغرب، لأن الغرب هو كتلة واحدة معادية للإسلام. ويرى سامح نجيب أن ما نحتاجه في مصر هو بناء بديل اشتراكي حقيقي ومستقل لا يرى نفسه في خندق الإسلاميين ولا في خندق النظام، بديل يبني نفسه من خلال النضال الطبقي في أوساط العمال والفقراء وليس نضال الصالونات التنويري العلماني العقيم، ويثبت عمليا أنه الأكثر جذرية في الدفاع عن مصالح الفقراء والأكثر جذرية في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية والأكثر صلابة في مواجهة الاستبداد، حينها سيكون المستقبل للبديل الاشتراكي. 10. الطلبة والسياسة والاشتراكية في مصر تناولت الجلسة طبيعة الحركة الطلابية ودورها وآفاقها من خلال طرح تحليل طبقي لهذه الحركة، كما قدمت شهادات لمشاركين في الحركة الطلابية في مصر في السبعينات والتسعينات كقراءة للخط العام لحركة الطلبة. في حديثها عن طبيعة الحركة الطلابية ودورها، أشارت منار حسين إلى ضرورة فهم موقع الطلبة في المجتمع، فمع بدايات القرن 20 كان التعليم الجامعي حكرا على أبناء الطبقة الحاكمة، ومع توسع الجامعات لتلبية احتياجات النمو الرأسمالي تغيرت التركيبة الاجتماعية للطلبة حيث أصبحت الغالبية العظمى من أبناء الطبقة المتوسطة وأقلية من أصول عمالية. سيكون من الخطأ نتيجة لتنوع الأصول الطبقية للطلبة وللمواقع الاجتماعية المتباينة التي يشغلونها أن نعتبرهم طبقة اجتماعية واحدة. لكن هناك ما يجمع الطلبة، فهم مركزون بأعداد كبيرة ويواجهون نفس النظام القاسي من الامتحانات والتقييم. ونتيجة للقهر الذي بقع على الطلبة بسبب سيطرة الدولة وتقييد النشاط السياسي واستبعاد الطلبة من المشاركة في السياسة التعليمية يعيش الطلبة في حالة اغتراب يأخذ في بعض الأحيان أشكالا سلبية وفي أحيان أخرى تحركات مفاجئة تواجه السلطة في الجامعة أو المجتمع. وتصعد الحركة الطلابية سريعا بسبب عدم وجود جذور للطلبة في عملية الإنتاج، كما أن الوضع الانتقالي في طبيعة الطلبة لا يعطي أي نوع من الاستقرار في الجامعة وبالتالي فلا يوجد تراكم خبرات للكوادر مثل العمال. لكن الحركة الطلابية بسرعة نموها يمكنها وضع السلطة في موضع الدفاع، تدفعها في بعض الأحيان إلى تقديم تنازلات للسيطرة الأيدلوجية على جماهير الطلاب، ومع ذلك فليس لهذه الحركات القدرة على تحقيق تغيير حقيقي مدمر للنظام الرأسمالي. إن شرط استمرار حركة الطلاب هو انضمام حركة العمال لنضالها، فالعمال بخلاف الطلبة لديهم القدرة على شل النظام إذا شنوا إضرابا عن العمل. بدوره تحدث أحمد هشام وهو من نشطاء الحركة الطلابية في السبعينات عن الظروف السابقة لنشأة تلك الحركة. ففي البداية وعقب الثورة تم تأميم الحركة الطلابية تماما لصالح التشكيلات السياسية الرسمية مثل هيئة التحرير والاتحاد القومي وصولا للاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب. تغير الوضع قليلا مع تزايد تواجد الطلبة من القوميين العرب وكان توجههم اشتراكيا في مجمله وأبدوا اهتماما خاصا بخدمة المجتمع وتطويره، ورغم وجودهم ونشاطهم داخل التنظيم الطليعي التابع للدولة إلا أنه كان لهم نشاط مستقل وأصدروا عدة أعداد من مجلات الحائط، كما فتحوا النقاش بين الطلبة حول العديد من القضايا مثل طبيعة الطلبة والبحث العلمي، بل ونقد النظام مما أدى بالعديد منهم لدخول السجن وقتها. النقلة المحورية كانت في نكسة 67 والجدل حول عجز النظام ثم معركة الكرامة (والتي انتصرت فيها قوات المقاومة الفلسطينية على الجيش الإسرائيلي)، فتكونت في الجامعة جماعة أنصار الثورة الفلسطينية وكانت القضية الوطنية هي الغالبة على العمل الطلابي في تلك الفترة، فحتى اندلاع الحركة في 72 كان المسيطر داخل الطلاب هو أن البلد في خطر وعليهم العمل لحمايتها. وقدمت مروة فاروق شهادة عن حركة الطلاب في التسعينات، وبدأت حديثها عن الظروف السياسية في تلك الفترة كمدخل لفهم حجم التحول التي مثلته مظاهرات التضامن مع الانتفاضة. في تلك الفترة كان المزاج العام في أوساط الطلبة متقبلا لفكرة السلام بوصفها حلا منطقيا لأزمة الشرق الأوسط والمأساة الفلسطينية. كان للطلاب الاشتراكيين في الجامعة أنشطة منها تنظيم المعارض وإصدار نشرة ولم يكن هناك إقبال كبير من الطلبة على هذه الأنشطة، لكن بعد مظاهرات الانتفاضة في أكتوبر ونوفمبر2000 تزايد عدد الطلبة المهتمين بهذه الأنشطة بشكل ملحوظ، وكانت هذه بمثابة عودة للسياسة في الجامعة. ورغم هدوء الأحداث داخل الجامعة في بدايات 2001 إلا أن الوضع لم يرجع إلى ما كان عليه فالأحداث كانت مؤشرا على تحول نوعي في السياسة في الجامعة، فالطلاب بدؤوا بالتحرك في آفاق أرحب من الجامعة وذهبوا إلى النقابات والمنتديات وإلى اللجان النخبوية. في أبريل 2004 بدأت المظاهرات مرة أخرى وكانت المشاركة الطلابية مختلفة نتيجة للعمل السياسي الذي انخرطوا فيه خلال الفترة السابقة. بعد هذه المظاهرات تم تكوين لجنة طلابية جبهوية واسعة وكانت ناجحة، لكنها بدأت بالتراجع نتيجة لتراجع الحركة نفسها وأيضا نتيجة لأسلوب عملها وحصر نشاطها في جامعة القاهرة. 11. بدائل التغيير في مصر خُصصت الجلسة الختامية للمؤتمر لمناقشة بدائل التغيير التي تطرحها ثلاثة اتجاهات سياسية مختلفة هي جماعة الإخوان كما عبر عنها الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، واليسار الإصلاحي الذي تحدث باسمه الأستاذ عبد الغفار شكر، عضو اللجنة المركزية لحزب التجمع، واليسار الجذري الذي تحدث باسمه يحيى فكرى من مركز الدراسات الاشتراكية. أوضح الأستاذ محمد عبد القدوس أن البديل الإسلامي يقوم على ثلاث ركائز هي التربية، أي رفض حصر الدين في العبادات وضرورة أن يكون له تأثير على الأخلاق وسلوكيات البشر. الركيزة الثانية هي الحريات، حيث أوضح أن الحاكم يجب أن يكون مدنياً فقط، وأن يأتي عبر الانتخاب المباشر. أما الركيزة الثالثة هو العدالة الاجتماعية التي تستند إلى مقاومة الفقر. من جانبه طرح عبد الغفار شكر أربعة مرتكزات يجب أن تلتف حولها القطاعات الواسعة من الشعب المصري التي تريد التغيير، هي التحول الديمقراطي الشامل، وانتهاج سياسة تنموية وطنية مستقلة، والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والتكامل العربي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ثم تحدث يحيى فكرى عن مركز الدراسات، مشيراً إلى أن سقوط النظام الديكتاتوري هو الخطوة الأولى في طريق تحرر الجماهير من عمال وفقراء الفلاحين، واتحادها من أجل مقاومة الفقر والاستغلال. ودعا إلى تكوين تحالف واسع من اليسار للوقوف بجانب نضالات الفقراء للدفاع عن حقوقهم، ومقاومة الديكتاتورية وسياسة التحرر الاقتصادي التي أفقرت الملايين من أبناء الشعب، وكذلك مقاومة المشروع الإمبريالي للسيطرة على المنطقة. أفلام عرضت على هامش المؤتمر على مدار يومين من مؤتمر أيام اشتراكية تم تنظيم عروض سينمائية في ختام الأعمال اليومية، عرض في اليوم الأول الفيلمان التسجيليان "يعيشون بيننا" للمخرج محمود سليمان و "غير خدوني" للمخرج تامر سعيد، كما عرض في اليوم الثاني الفيلم البريطاني "الأرض والحرية" للمخرج المعروف كين لوش. اتسم الفيلمان اللذان عرضا في اليوم الأول بطابعهما الاجتماعي السياسي ونظريتهما النقدية للواقع العربي الصعب. تناول فيلم "يعيشون بيننا"، حياة امرأة مطلقة فقيرة تعيش مع ولديها الصغيرين وتعمل في "سن السكاكين والأسلحة البيضاء"، وتتبع الفيلم تفاصيل حياتها اليومية البائسة، ولكن المحملة بالأمل والقناعة مع ذلك. وتناسب عرض الفيلم مع الأفكار التي أثيرت خلال المؤتمر حول الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية والسياسات الليبرالية على الطبقات الدنيا التي تعيش تحت خط الفقر وخاصة النساء. "غير خدوني" هو عنوان أغنية باللهجة المغربية انتشرت بين المساجين السياسيين أو "المخطوفين" الذين دأبت حكومة الملك السابق على اعتقالهم وخطفهم بدون محاكمة وبدون إعلان أي شيء عن مصيرهم لسنوات طويلة. ويتناول الفيلم تجارب أربعة من هؤلاء المعتقلين الذين نجوا من الموت ليحكوا ما حدث معهم ويعيدوا زيارة المعتقل الذي قضوا فيه سنوات طويلة من عمرهم. وقد أتى الفيلم –حسب ما ذكر بعض المشاهدين في اللقاء الذي أعقب العرض، كوجه مكمل لصورة معظم البلاد العربية التي تعاني من الظلم الاجتماعي والقهر السياسي وكذلك لصورة روح المقاومة والصلابة والعزيمة التي تتحدى الموت. في اليوم الثاني عرض فيلم "الأرض والحرية" والذي تناول الحرب الأهلية الأسبانية في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي. ويتناول الفيلم والذي أخرجه كين لوش المخرج اليساري المعروف، يتناول الحرب من وجهة نظر مناضل شيوعي بريطاني تطوع للقتال ضد الفاشية وكيف تطور وعيه عبر النضال والاحتكاك بالعمال والفلاحين الأسبان ليتجاوز الدعاية الستالينية. يروي لنا الفيلم كيف كانت قضية الثورة الدائمة مطروحة أمام المناضلين في أسبانيا، كيف أن النضال من أجل الاشتراكية، من أجل الأرض للفلاحين والمصانع للعمال لم يكن لينتظر حتى يتم النصر على الفاشية، بل كيف كانت الثورة الدائمة هي السبيل لهزيمة الفاشية. وكيف لعبت روسيا الستالينية دورا مخزيا في هزيمة الثورة الأسبانية وفي استئصال كافة العناصر الراديكالية من الثورة حفاظا على مشاعر حلفائها الرأسماليين في بريطانيا وفرنسا. ولكن رغم هزيمة الثورة وانتصار الفاشية، تبقى رسالة الفيلم مفعمة بالتفاؤل بالنصر وبأن نضال الثوريين لا يذهب سدى. وينتهي الفيلم بقصيدة بيل موريس انضم للمعركة معركة لا ينهزم فيها الإنسان فحتى لو يفنى فيها أو يموت فأعماله هي التي ستنتصر إلى الخلود اقرأ المزيد...

عشرة سنوات على نضال الفلاحين ضد قانون الإيجارات: الفلاحون والدولة والسوق اليوم


2007/12/07 - 16:30
2007/12/07 - 18:30
Etc/GMT+2

دشّن عام 1997 بداية مرحلة جديدة في الريف المصري. فبعد سنوات من تبني سياسة الليبرالية الجديدة، جاء تطبيق قانون الإيجارات في الأراضي الرزاعية، ليضع نهاية لعقد الإيجار الأبدي المحدد القيمة، وبذلك قوض ركنا أساسيا من أركان الاستقرار في الريف المصري. اقرأ المزيد...


الثورة الروسية: أول ثورة عمالية منتصرة في التاريخ


المؤلفون:

ماجد عزيز

المصدر:

(2007)

النص الكامل:

بداية لابد من إيضاح الهدف من الكتابة حول الثورة الروسية الآن. ليس الهدف هو إزالة الأتربة عن أيقونة مقدسة تزين الجدران لنتلو في ذكراها تعاويذنا المحفوظة – فلا الثورة مجرد أيقونة، ولا نحن من حافظي التعاويذ! الهدف فيما نرى هو أن نتعلم من خبرة أول ثورة عمالية منتصرة في التاريخ. ستعطينا قراءة خبرة ثورة 1917 القدرة على الدفاع ضد الأكاذيب التي تؤكد أن الثورة الروسية لم تكن إلا انقلابا سيء السمعة قاده أحد المغامرين، أو التي تطمئن نفسها بالترديد الممل لمقولة أن التجربة الكابوسية لأكتوبر 1917 لن تتكرر أبدا لأنها امتلكت ظروفا خاصة جدا تستحيل استعادتها في ظل عهد "ثورة" المعلومات والاتصالات! هذه الأكاذيب ستتساقط حالما نتتبع كيف استطاعت الجماهير أن تتقدم إلى مقدمة المشهد لتأخذ مصيرها بيديها وتصنع التاريخ. وقبل أن ندخل إلى أحداث انتفاضة فبراير 1917، التي انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة الروسية، لا بد لنا من أن نلقي نظرة على الأوضاع العامة في روسيا القيصرية، والتي أفرزت فيما بعد ثورة اشتراكية أسقطت القيصرية وقضت على البرجوازية وحققت السلطة العمالية.

(1) قبل الثورة

علاقات القوى الطبقية

يعني قانون "التطور المركب واللا متكافئ"، الذي صاغه ليون تروتسكي في أوائل القرن العشرين، تجاور مقومات التخلف والتقدم في بلد واحد بسبب من تأخر تطوره الرأسمالي. في بلد كهذا يحدث التطور نتيجة قفزات فوق مراحل عديدة مرت بها الدول المتقدمة الأخرى على مدى عقود وقرون. ولقد كانت روسيا المتخلفة أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي هي إحدى ساحات تطبيق هذا القانون. حيث تطورت صناعتها بسرعة بالغة بينما بقيت غالبية أشكال الإنتاج الزراعي حتى اندلاع الثورة في مستوى زراعة القرن السابع عشر تقريبا. وفي وقت مبكر اندمج رأس المال الصناعي ورأس المال المصرفي بشكل كامل مما عنى ارتباط الصناعة بسوق الأوراق المالية في أوروبا الغربية. حيث كان الأجانب يملكون حوالي 40% من مجموع رؤوس الأموال المستثمرة في روسيا. وهكذا حددت بنية الصناعة الروسية وظروف تطورها الطبيعة الاجتماعية لبرجوازية البلاد وشكلها السياسي. وبما أن أهم المشروعات في مجالات الصناعة والمصارف والنقل كانت بيد الأجانب الذين وقفوا بشراسة جنبا إلى جنب مع البرجوازية المحلية الضعيفة ضد خلق نظام برلماني في روسيا، فقد أدى كل هذا للعزلة السياسية التي عرفتها البرجوازية الروسية ولموقفها المعادي للشعب والثورة. كان "الكاديت" (حزب الديقراطيين الدستوريين) هو الإطار السياسي للبرجوازية الليبرالية التي نادت بالإصلاحات السياسية المحدودة والمتناسبة مع عجزها وضعفها ورغبتها في الوصول لحل وسط مع القيصرية المعادية للجماهير. وسنرى خلال أحداث الثورة كيف أثبت الكاديت، بعد استيلائه على السلطة في مارس 1917، عجزه وخيانته التامين للثورة ولمصالح الجماهير في السلام والخبز والحرية، وكيف أدى هذا العجز وهذه الخيانة إلى سقوط الكاديت من السلطة فاتحا الطريق لاستمرار وتعميق الثورة حتى النصر النهائي في أكتوبر. أما بالنسبة للطبقة العاملة الروسية، فقد كان لقانون التطور المركب واللا متكافئ تأثير واضح على تطورها. حيث أنها لم تنحدر من الصناعات الصغيرة والورش الإنتاجية المتخلفة نسبيا كما هو الحال في الدول الرأسمالية الأولى التي تطورت صناعتها تدريجيا. فلم يأت العمال الروس من المدن بل من القرى، ولم تتكون الطبقة العاملة الروسية – المتمركزة في مصانع كبرى – ببطء بل بوثبات وتبدلات مفاجئة وبقطع عنيف لكل ما كان قائما بالأمس. ولقد تضافرت هذه العوامل مع نظام القمع القيصري الشديد في جعل العمال الروس مؤهلين تماما لتقبل أكثر الأفكار الثورية جرأة. ونستطيع أن نربط عجز البرجوازية الروسية السياسي آنذاك بعدم قدرتها على جر العمال وراءها. ناضل العمال ضد الرأسماليين بشكل يومي في المصانع، ليس هذا فقط بل أنهم عرفوا كيف يعطون مطالبهم معنى أوسع. ولقد تعلموا ذلك مبكرا جدا. ونظرا لشبكة المصالح التي ربطت بين البرجوازية وكبار الملاك الزراعيين فقد تقطعت الصلة بينها وبين الفلاحين كذلك. وحتى عندما واتت الفرصة البرجوازية في أحداث ثورة 1905 (المقدمة الحقيقية لثورة 1917) لكي تستخدم حركة الجماهير كورقة حماية من القيصرية، كانت النتيجة هي الفشل. ذلك أن العمال لم يمنحوها تلك الأمنية عندما نظموا صفوفهم في سوفييتات (أو مجالس عمالية) وتحركوا بشكل مستقل تماما عن البرجوازية ومال إليهم الفلاحون وعناصر ثورية من الجيش. ولكن لأن الطبقة العاملة وحزبها الثوري لم يكونا قد امتلكا بعد الخبرة الكافية لتصعيد الموجة لحدها الأقصى ثوريا فقد تأجلت، لمدة 12 عاما، اللحظة الحاسمة التي أطاحت بالقيصرية والبرجوازية. بعد أحداث ثورة 1905، التي انفصل فيها البرجوازيون تماما عن جماهير العمال والفلاحين، أضحت البرجوازية أشد تحفظا وأكثر شكا ورجعية، وتقلص تأثير المثقفين الديمقراطيين بازدياد خضوعهم لليبرالية البرجوازية. هنا كانت البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة القادرة على تقديم برنامج وقيادة للفلاحين ولكافة الجماهير المضطهدة والمستغلة والمتأخرة. ولقد تأسست على هذه الظروف مفارقة الثورة الروسية في 1917. ففي دولة لم تنجز بعد مهام ثورتها البرجوازية (الديمقراطية، الإصلاح الزراعي، الاستقلال السياسي الكامل)، أضحت الطبقة العاملة – وليست البرجوازية – هي الطبقة المؤهلة لقيادة المجتمع إلى التغيير الثوري. وكان معنى هذا أن الثورة العمالية في أكتوبر 1917 قامت على تضافر عاملين تاريخيين مختلفين تمام الاختلاف: حرب فلاحية، أي حركة تحدد فجر التطور البرجوازي، وانتفاضة بروليتارية، أي حركة تبشر بغروب المجتمع البرجوازي.

القوى السياسية

ولقد تعلم العمال الطليعيون الروس السياسة الاشتراكية الثورية في مدرسة البلشفية (الحزب العمالي الثوري في روسيا)، وأخذوا دروسهم الأولى من خلال الإضرابات والمظاهرات ومصادمات الشوارع مع الشرطة والجيش، وأيضا من خلال الحلقات الثورية السرية الأولى التي تأسست في روسيا في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر، وأخيرا من خلال المعلم الأعظم: ثورة 1905. ونظرة سريعة على عدد واتساع الإضرابات التي شهدتها روسيا في سنوات المد والثورة (من التسعينات وحتى 1907، ومن 1912 وحتى 1917) تجعلنا نكتشف عمق الطاقة الثورية التي امتلكها عمال هذا البلد المتخلف صناعيا والذي وصل عدد عماله في 1905 إلى مليون ونصف المليون وفي 1917 إلى مليونين. وبالفعل كانت الحركات والأحزاب الثورية في حالة غليان وتطور – بل وتبدل عنيف – في طول المراحل المؤدية إلى 1917. كان هناك البلاشفة، الذين أسمتهم تقارير الشرطة السرية "المجموعات والأفراد المتحلقين حول لينين". كان البلاشفة هم أكثر القوى فعالية وحماسا، وكانوا يتميزون عن باقي القوى الاشتراكية بنضالهم المستميت ضد رضوخ الطبقة العاملة الروسية لسيطرة البرجوازية الليبرالية، وبدفاعهم المتواصل عن استقلالية السياسة البروليتارية وعن المصالح الكلية وطويلة الأجل للعمال. كان الحزب البلشفي يعبر في حقيقة الأمر، وبشكل رئيسي، عن المطامح الثورية للعمال، وأيضا عن مطامح اغلب الفلاحين الفقراء معدومي الملكية الذين خانتهم البرجوازية في 1905. أما المناشفة، وهو حزب يضم اشتراكيين من كل جنس ولون، فقد كان – كما أثبتت الأحداث – قلعة الانتهازية في الحركة العمالية الروسية. اعتقد المناشفة إنه بما أن هناك ملامح برجوازية أساسية للثورة الروسية القادمة، فإنه من الواجب على العمال أن يسيروا وراء البرجوازية، وأن يقبلوا مشروعها السياسي بكامله وبدون اعتراض. ظل المناشفة، طوال السنوات المؤدية إلى الثورة، يحاولون "قيادة" البروليتاريا الروسية إلى "تذيل" البرجوازية الرجعية. وهكذا، فإن حجتهم الأساسية ضد أي مبادرة ثورية حقيقية للعمال، كانت دائما: "أننا بهذا سنخيف الليبراليين وسندفعهم إلى أحضان القيصر! والواقع أن الليبراليين كانوا قد وقعوا منذ زمن طويل في أحضان القيصر – زمن يسبق بكثير زمن وقوع المناشفة في أحضان الليبراليين. ومن ناحية أخرى كان هناك حزب الاشتراكيين الثوريين، وهو حزب البرجوازية الصغيرة الفلاحية في روسيا. ولقد تميز تاريخ هذا الحزب الذي ورث حركة الشعبويين (المناضلين الأوائل ضد القيصرية) بالتذبذب بين أقصى المتناقضات. وفي مرحلته الأخيرة – عشية الثورة – كان الحزب قد تكيف مع مقتضيات التطور البرجوازي، عاكسا بذلك عدم قدرة ممثلي الفلاحين – "المستقلين" عن الطبقة العاملة – على الاستقلال عن البرجوازية ومصالحها الاستراتيجية. هذه، وبشكل مخل، هي خريطة القوى "الاشتراكية" الأساسية التي تصارعت على مدى الشهور الثمانية من فبراير وحتى أكتوبر 1917، والتي عبرت عن الميول والإمكانات المختلفة التي خلقتها روسيا الثورية.

الحرب العالمية

بدأت الحرب العالمية الاستعمارية الأولى في عام 1914، وشاركت فيها روسيا القيصرية بأطماعها المحدودة. قبل بداية الحرب كانت الحركة العمالية تمضي من تصاعد إلى تصاعد. ولكن مع اندلاع القتال – وفي السنتين الأولتين – حدثت تغييرات مهمة. عبأت الحكومة المجموعات الفعالة والثورية من العمال وأرسلتها إلى الجبهة، ففقدت الطبقة العاملة أفضل عناصرها الثورية. من ناحية أخرى، بدأت الحكومة في قمع سافر للإضرابات وعطلت الصحف وخنقت نشاط النقابات. كذلك، استخدمت المصانع الأطفال والفتيات والفلاحين بأعداد كبيرة عوضا عن الذاهبين للحرب مما عرّض الطبقة العاملة للترهل والتخلخل في تماسكها ووحدتها. ثم أنه بإزاء الطنطنة الوطنية المرتفعة في كل مكان، خفتت شعلة التحركات العمالية وانحسرت ومضاتها في صدور العمال. في غمار كل هذا كان من الطبيعي أن ينعزل الثوريون البلاشفة عن أوساط العمال، خاصة وأن الحكم القيصري لاحق وسجن ونفى كل العناصر الأساسية في هذا الحزب الذي كان يعد الأخطر على مصالح طبقة حاكمة متعطشة للدماء. نتيجة لهذا، خمدت جمرة الثورة التي كانت قد بدأت تشتعل قبيل الحرب. خمدت الجمرة ولكنها لم تنطفئ. فقد كانت فقط مختبئة تحت كل هذا الغبار، تنتظر أول هبة ريح حتى تعاود الاشتعال. وللمفارقة، كانت الحرب – التي أخمدت الجمرة بادئ ذي بدء – هي العاصفة التي أشعلت الحريق من جديد. وفيما يتعلق بالحرب، لم يكن اشتراك روسيا فيها قائما على أية أطماع إمبريالية عريضة فيما عدا بعض التطلعات الإقليمية الضئيلة. كان اشتراك الحكم القيصري في الحرب – في الواقع – ثمنا لكون روسيا دولة عظمى حديثة عليها أن تتحالف مع الدولة المتقدمة التي حصلت منها مؤخرا على الأسلحة الحديثة كما حصلت من قبل على الميكنة الصناعية. فبالنسبة لحلفائها، كانت روسيا تمثل مستعمرة، وإن كانت من نوع أرقى من العادي. ولذا، لم تكن لعبة الحرب مضمونة لروسيا إلا بمقدار ظهورها في القتال كتابع مخلص عسكريا للسادة الحلفاء، كما هو الحال في علاقتها الاقتصادية بهم. ولم تكن الهزائم الجزئية التي منيت بها روسيا سوى نتيجة طبيعية للتناقض الحاد بين تخلفها الصناعي وبين متطلبات الحرب. وإذا كان لهذه الهزائم من ميزة فهي أنها جعلت الجماهير تدرك – بثمن الدم – كيف أن أرواحها أرخص ما في الوجود بالنسبة لطبقتها الحاكمة. إذ لم تفقد أي دولة أخرى مثلما فقد روسيا من ضحايا: مليونان وخمسمائة ألف قتيل، أي ما يعادل 40% من مجموع خسائر جيوش الحلفاء كلها. لم تأت من فراغ إذن مقولة آن "انجلترا مصممة على الصمود حتى آخر قطرة من دماء الجندي الروسي!" بدأ الجنود يفقدون حماستهم للقتال، وبدأت بعض العناصر في التذمر والفرار من جحيم الموت على الجبهة ومن عذاب المعاملة في الثكنات. وانتشرت – بناء على ذلك – الأقوال التي نددت بالجيش المتخاذل الجبان. وكان رد فعل السلطة على تهاوي المعنويات هو إعدام الرجال رميا بالرصاص. في تلك الظروف ارتفع صوت التحريض الثوري مرة أخرى في صفوف الجيش. حيث لعبت العناصر الثورية التي أبعدت إلى الجبهة أول الحرب دورا محوريا في تحويل غضب الجنود (الفلاحين في الزى الرسمي) إلى وعي سياسي بالروابط بين الموت على الجبهة وبين الاستبداد والاستغلال في الداخل. ولكن إذا كان الجنود قد تعلموا بالخبرة المريرة أن الحرب ليست حربا من أجلهم، وأن النصر فيها كالهزيمة تماما لن يبدل بؤس الأحوال، وأن السلام وحده هو ما يريدون؛ إذا كان الجنود قد تعلموا كل هذا، فإن السؤال قد أصبح "كيف يمكن وقف هذه الحرب الاستعمارية الغشوم بينما هناك داخل روسيا من يقف على الضفة الأخرى من نهر الدماء ليحصى القتلى ويحصى أيضا الأرباح الطائلة التي يجنيها من وراء استمرار القتال؟! فبالفعل كانت الفترة ما بين عامي 1915 و1916 فترة رواج هائل بالنسبة لعدد من الشركات والمصانع التي حققت ثروات حقيقية وأرباح مرتفعة بسبب الحرب. فمثلا إحدى شركات النسيج في موسكو وصلت أرباحها إلى حوالي 75%، وشركة مانيفاتورة أخرى وصلت مكاسبها إلى 111%.. وغيرها كثير بينما العاصمة تعاني من نقص الخبز والحاجات الأساسية. كان المجتمع الراقي كله في حالة انتعاش مثيرة للتقزز نظرا لأوحال الدم التي يسير عليها من دون مبالاة. وكان من الطبيعي أن نجد سادة هذا المجتمع يرفعون ألوية الوطنية ليل نهار، وأن نجدهم – على الجانب الأخر – يتحسرون على حالة جيشهم المريض وعناصره المتمردة. ولكن انتعاش البورصة الذي غذته دماء الجنود لم يكن له نتيجة إلا استمرار الحرب، وبالتالي استمرار التوتر والغليان في الثكنات والمصانع. وقد كان رئيس حزب الكاديت محقا حين علق قائلاً: "إن التوتر وصل إلى على درجاته، وأننا نسير فوق بركان... يكفي أن يلقي أحدهم عود ثقاب حتى يشتعل حريق رهيب". ولكن حزب الكاديت هذا، الذي وعى رئيسة بالحريق القادم، لم يكن له هم سوى مطالبة القيصر المبجل بأن ينعم على روسيا بحكومة جديدة مؤلفة من شخصيات تتمتع بثقة البلاد – وبالطبع لم تكن هناك أية شخصيات تتمتع بثقة الجماهير آنذاك.

القيصر

ورغم كل هذا الخنوع لم يعر القيصر الليبراليين أي التفات ولم يفعل حيال الأزمات التي تحاصر إمبراطوريته وحكمه سوى الاستمرار في بلادته ولا مبالاته المدهشين. واصل القيصر هوايته في تأجيل انعقاد جلسات مجلس الدوما (أو الهيئة الاستشارية البرلمانية للدولة) المرة تلو المرة، وفي كل كرة كان نواب هذا المجلس يصرخون بأعلى أصواتهم: "يحيا القيصر"! ربما لم يكن وقت القيصر يسمح بهذه التفاصيل الثانوية! فإلى جانب جولات الصيد والتنزه بالقوارب واستقبال الضيوف وتناول الطعام القيصري معهم... إلى جانب هذه الأشياء التي حفلت مذكرات القيصر الشخصية بها (والتي تنم عن فراغه النفسي والفكري التام) لم يكن للقيصر من هم سوى الإنصات إلى خزعبلات زوجته المستمدة في الأساس من رؤى صديقهم المشعوذ الفاسد "راسبوتين" الذي تصرف في شئون البلاد كسيد بلا منازع. كان هذا هو حال القيصرية في حشرجة النزع الأخير، عندما امتزج العمى الكامل بالبلادة وفقدان الصواب. ورغم أن الجميع في الطبقة الحاكمة، النبلاء والارستقراطية، كانوا يستشعرون العفن المستشري في طبقتهم (وهذا ما دعاهم في محاولة أخيرة للخلاص إلى اغتيال راسبوتين "رأس الأفعى") إلا أنه لم يكن بوسع أحد أن يوقف التدهور. وكان الجميع يتحدثون عن ضرورة أحداث ثورة قصر (تغيير من أعلى). ولكن لم يكن يجرؤ أحد على المبادرة بفعل شيء قد يفتح عليه أبواب الجحيم. وقد ظلت الأحلام بفعل "شيء إيجابي" تراود الأرستقراطية المحتضرة حتى اللحظة الأخيرة التي ظهر فيها أن الطبقة الوحيدة التي تملك القدرة على "توقيف عربة القيصر والحكم الاستبدادي" كانت هي – من دون شك – الطبقة العاملة الروسية يؤازرها الفلاحون الفقراء.

(2) الثورة

انتصار انتفاضة فبراير

"..وتوجهت مجموعة من النساء، لم تكن كلها من العاملات، إلى دوما البلدية للمطالبة بتوفير الخبز، ولكنها كانت كمن يطلب الحليب من تيس. وظهرت الأعلام الحمراء في أحياء متفرقة تحمل لافتات تقول بأن العمال يطالبون بالخبز، ويرفضون الحكم المستبد، كما أنهم لا يريدون الحرب..." (ليون تروتسكي – تاريخ الروسية).
هكذا اشتعلت الشرارة الأولى للثورة في صباح 23 فبراير 1917 من خلال مبادرة الجناح الأضعف في الطبقة العاملة (عاملات النسيج)، ومعهم النساء اللواتي فقدن ذويهن من جراء الحرب. لكن منذ اللحظة الأولى كانت الصبغة السياسية واضحة لانتفاضة فبراير. فالعمال – في شعاراتهم ولافتاتهم – لم يستطيعوا فصل تدهور أوضاعهم عن ظروف الحرب مع ألمانيا أو عن فساد واستبداد القيصرية التي ترقص وتغني على طبول الحرب. كانت انتفاضة فبراير تشق طريقها جيدا رغم أن أحدا من الحكام والقادة والزعماء وقتها – مثل حكومة القيصر أو الليبراليين أو حتى قادة الحزب البلشفي نفسه – لم يكن يعتبرها في البداية أكثر من مجرد مظاهرة مثل غيرها.. ستأخذ وقتها ثم تنتهي. وحدهم العمال والجماهير كانوا مصممين على أن تمضي الانتفاضة قدما معلنة للجميع أن ساعة التغيير الثوري قد حانت. نزل العمال إلى الشوارع مصممين على طرح مسألة السلطة في مواجهة القيصرية ورجالها. وكانت القيصرية تهيئ نفسها – بعد أن عرفت أنها تواجه انتفاضة شبيهة بأحداث 1905 – للقمع السافر وفقا لخطة مدروسة أعدت جيدا باستقاء دروس ثورة 1905. كانت النقطة المفصلية في الخطة هي الاستخدام – في الوقت المناسب – لفصائل من الجيش لقمع المتظاهرين. ولكن أي جيش كان سيوظف في قمع الانتفاضة؟ أليس هو نفس الجيش المنهك، والذي يطالب بالسلم ولا يجده، والذي تسرى في أوساط جنوده روح التذمر والرفض؟ أصابت الجنود – المرسلين لقمع الانتفاضة – حالة من التردد والبلبلة. فهم يشعرون تماما بما يعانيه العمال والعاملات. بل أنهم هم أنفسهم يعانون من ظروف شبيهة، ويريدون للجماهير أن تنتصر. ولكن ماذا لو انضموا للعمال ووجهوا أسلحتهم للقادة والحكام؟ أليس من الممكن – هكذا كان يفكر الجنود – أن ينتهي الأمر إلى إخماد الانتفاضة؟ بعدها سيعود الجنود إلى الثكنات ليدفعوا ثمن تمردهم وعصيانهم. الحقيقة أن أي ثورة يتوقف مصيرها على تحول الرأي العام في الجيش لصالح الثورة، ولن يحصل هذا التحول الحاد إلا إذا شعر الجنود بالثقة في إمكانية انتصار الثورة، أي إلا إذا شعروا بأن العمال مستعدون للنصر بأي ثمن حتى بدون أسلحة. هذا فقط هو ما سيدفع الجندي الفار من الثكنة إلى الاتحاد مع العمال الثائرين – وهذا بالضبط ما حدث في فبراير 1917. كان العمال يشعرون بتردد الجنود، ويشعرون أيضا بالحاجة إلى الاتحاد معهم بأي ثمن. ولذا فقد توجهت الطاقة الأساسية في الأيام الأولى لجذب الجنود. العاملات بالذات لعبن دورا هاما في ذلك. حيث كن يذهبن إلى الجنود ويتحدثن إليهم داعين إياهم إلى الانضمام للثورة. وشيئا فشيء بدأ حاجز الخوف يتحطم بانضمام بعض الجنود إلى المتظاهرين، حتى أتي صباح يوم 27 فبراير، وهو اليوم الذي تمردت فيه كتائب الاحتياط الواحدة تلو الأخرى والتحمت بالجماهير هنا وهناك. وفي مساء نفس اليوم – 27 فبراير – كان مدى التحول قد وصل إلى أن أحدى السرايا تمردت وتركت مواقعها باحثة عن أول تجمع للثوريين لتضع نفسها تحت قيادته ولوائه! طوال هذه الأيام الأربعة العاصفة والحاسمة – من 23 حتى 27 فبراير – كانت القوى السياسية والبلاشفة منهم مختفية تقريبا. فمثلا أول منشور لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين القريبة من البلاشفة لم يكتب إلا في مساء 26 فبراير وتم توزيعه صباح 27 وكان مليئا بالعبارات المترددة في نواحي عديدة، ولم يحرض الجيش على الانضمام لجانب الشعب. أما بالنسبة للبلاشفة فلم يكتبوا منشورا يدعون فيه الجنود للانضمام للعمال إلا في صباح 27 – بعد أن ترك الجنود ثكناتهم بالفعل في الصباح واتحدوا مع الجماهير التي بدأت في تنفيذ جدول أعمالها الثوري باقتحام أقسام الشرطة ونزع السلاح عن أفرادها ثم أطلاق سراح العمال الموقوفين هناك وكذلك المسجونين السياسيين.

من الذي قاد انتفاضة فبراير؟

"... وكانت أخبار الانتصارات المفرحة تأتي خبرا أثر خبر. وكنا تملك آليات مدرعة. وكانت هذه الآليات مزينة بالأعلام الحمراء تنشر الرعب في كل الأحياء التي لم تخضع بعد للثورة. ولم يعد الثائر بحاجة إلى الزحف تحت بطن حصان رجل الشرطة. فقد انتصبت الثورة بكل قامتها.." (ليون تروتسكي – تاريخ الثورة الروسية).
وبينما كانت الثورة تنتصب بكل قامتها الشامخة، كان مسئولو الحكومة المتهاوية لا يزالون يطلبون وحدات جديدة لقمع المتظاهرين والمتمردين. وما أن تأتي الوحدات الخاصة المدربة جيدا على القمع، والموثوق في ولائها (!)، حتى تختفي.. وتقول التقارير أن مصيرها غامض. بدون شك لم يكن مصير هذه الوحدات غامضا تماما. فلم تنبت لها أجنحة ولم تحلق كشخصيات أسطورية، وإنما التحمت بالثورة وذابت في الجماهير. كان الالتحام بالثورة هو أكثر الأفعال طبيعية لجنود وجدوا في الثورة الخلاص من قمع ضباط الجيش القيصري، ومن دموية الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وهكذا، وفي غضون أربعة أيام، كانت الثورة قد أمنت لنفسها الانتصار الأولى الساحق – فلقد سقطت السلطة القديمة كثمرة متعفنة، ولكن لما تزل مسألة طبيعة السلطة الجديدة غير محسومة. فالي أي مصير كانت تتجه الثورة؟ وإلى أي طبقة ستئول السلطة؟ لقد اكتسبت هذه الأسئلة أهميتها آنذاك من حقيقة أن القوى السياسية كلها – حتى البلاشفة أنفسهم – كانت متأخرة عن حركة الجماهير في الأيام الحاسمة الأولى. فإذا كانت الثورة تقدمت خطواتها الأولى وحيدة وبدون قادة، فمن إذن الذي قاد انتفاضة فبراير 1917؟ ومن إذن الذي سيجلس على كرسي الحكم؟ بالنسبة للسؤال الأول – من الذي قاد الانتفاضة؟ – كانت الإجابة الشائعة والمبتذلة هي أنه "لم يقد أحد الانتفاضة، بل هي التي انفجرت من تلقاء ذاتها". الليبراليون وجدوا في هذه الفكرة – "انفجرت من تلقاء ذاتها" – ملاذا وحماية من إمكانية انعطاف الثورة ناحية البلاشفة، فتمسكوا بها بكل قوة. بلور الليبراليون اعتقادهم الساذج هذا في نظرية "القوى الأولية" التي مفادها أن الجماهير تحركت مطيعة لنداء داخلي لا شعوري. وبالرغم من الطابع الصوفي الأسطوري لهذه النظرية، إلا أنها استندت إلى حقيقة ضعف التنظيمات الثورية السرية الناجم عن السحق البوليسي المتواصل لها. فعلى سبيل المثال، لم تكن التنظيمات البلشفية قد قامت على قدميها بعد في فبراير 1917 بعد عهد كامل من السحق والتفتيت. وقد فضح ليون تروتسكي – أحد أهم قادة ومؤرخي ثورة 1917 – زيف نظرية القوى الأولية ومنافاتها لحقائق الأحداث. أوضح تروتسكي أن انتفاضة فبراير "العفوية" لم تكن عفوية تماما. فقد كان لها قادتها المجهولين من العمال البلاشفة الذين تربوا – على مدى السنوات الماضية – في مدرسة لينين الثورية. ولكن لأن هؤلاء العمال الطليعيين – صناع التاريخ – لا يجدون الوقت ليدونوا أدوارهم الحاسمة والأساسية، فقد ضاعت تفاصيل أحداث الأيام الأولى التي قادوا فيها جماهير العمال إلى التظاهر والانتفاض واستمالة الجنود. إلا أن تروتسكي يشير في نفس الوقت إلى أن هذه القيادة، وإن كانت كافية لتأمين انتصار الانتفاضة، إلا أنها لم تكن قادرة على وضع أدارة البلاد منذ البدء بين أيدي الطليعة الثورية. لقد كان هذا محتاجا ليس فقط إلى عمال ثوريين مشبعين بروح النضال والثورة، ولكن إلى جهاز حزبي قوى يوجه طاقات هؤلاء العمال ويقودها إلى الاستيلاء على السلطة، وهذا ما لم يكن الحزب البلشفي – المتردد والمحافظ في قمته حتى أبريل – قادرا على توفيره. هنا بالضبط يكمن أصل الإجابة على السؤال الثاني: من الذي أوصلته أحداث فبراير إلى السلطة؟ لقد أوصلت انتفاضة فبراير الليبراليين (حزب الكاديت) إلى السلطة لأن قيادة البروليتاريا لم تكن مستعدة لاستلام السلطة، بالرغم من أن السلطة الحقيقية كانت في يد سوفييتات (مجالس) عمال وجنود روسيا، أي في يد العمال والجنود. لقد استلمت البرجوازية، المذعورة من الثورة، السلطة بسبب من الفارقة بين ثورية حركة الجماهير وتأخر حركة القادة. وعلى أساس هذا المفارقة وتناقضاتها كان إيقاع الأحداث يسير من فبراير وحتى أكتوبر.

مفارقة الثورة

"إن قلب السلطة القديمة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وتستطيع البرجوازية في ثورة من الثورات الاستيلاء على السلطة لا لأنها ثورية، بل لأنها البرجوازية. فهي تسيطر على الممتلكات، والتعليم، والصحافة، وشبكة من نقاط الاستناد، وتسلسل في المؤسسات. ويختلف الوضع بالنسبة للبروليتاريا. إذ لا تستطيع البروليتاريا المتمردة الاعتماد إلا على نفسها، وتماسكها، وكوادرها، وأركانها، لأنها محرومة من المزايا الاجتماعية الموجودة خارجها". (ليون تروتسكي – تاريخ الثورة الروسية).
في كل الثورات السابقة على الثورة الروسية كان الوضع يسير دوما كالتالي: يقاتل العمال وصغار الصناع وعدد من الطلاب أمام المتاريس، وينجحون في شد بعض الجنود إلى جانبهم. ولكن البرجوازية المترفة، التي راقبت قتال المتاريس من النافذة، تنجح في التقاط ثمرة السلطة من قلب الدماء والخراب. وإذا ما قسنا ثورة فبراير بهذا المقياس البسيط فلن يكون هناك أي مجال للعجب فيما يتعلق باستيلاء البرجوازية على السلطة بعد انتهاء أيام فبراير العاصفة. ولكن ثورة فبراير 1917 تختلف عن سابقاتها. فهي تتميز بطابع اجتماعي رفيع وبمستوى سياسي عالي تمتعت بهما الطبقة الثورية. وتتميز أيضا بحذر وروح معادية إزاء البرجوازية الليبرالية، وبإنشاء جهاز جديد للسلطة الثورية في لحظة الانتصار ذاتها: سوفييت يعتمد على القوة المسلحة للجماهير. فلماذا أذن