مقاومة

المقاومة والثورة في الشرق الأوسط: من انتصار حزب الله إلى هزيمة الإمبريالية


المؤلفون:

تامر وجيه

المصدر:

(2007)

النص الكامل:

يكشف قرار مجلس الأمن رقم 1701 عن الطبيعة المتناقضة للوضع الذي خلقته نتائج الحرب الإمبريالية-الصهيونية على لبنان خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين. فمن ناحية أولى، يعترف القرار بحقيقة ما جرى على أرض المعركة من نصر للمقاومة. فهو لا يطرح أي إجراءات مباشرة لنزع سلاح حزب الله أو تصفيته عسكريا وسياسيا، ويكتفي فقط بتبني اقتراح فؤاد السنيورة والحكومة اللبنانية بنشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني مع تراجع قوات الحزب إلى ما وراء النهر. أيضا وتراجع القرار، بعد تعديله، عن اقتراح إنشاء قوة دولية قتالية في الجنوب وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واكتفى بالدعوة إلى تعزيز قوات اليونيفيل مع الحفاظ على طبيعتها كقوة حفظ سلام تعمل وفقا للفصل السادس من الميثاق. لكن القرار من ناحية أخرى يؤكد على مسئولية حزب الله عن الحرب ويطالب بتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 الذي يدعو صراحة إلى نزع سلاح حزب الله. لم يتضمن القرار أيضا أي حسم للقضايا المعلقة بين إسرائيل ولبنان مثل قضية الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية وقضية مزارع شبعا المحتلة. هذا القرار المشوّه والمتناقض لم يأت صدفة. فهو انعكاس لطبيعة الحرب ونتائجها وللتناقض بين العسكري والسياسي الذي أفرزته، وهو أيضا تعبير عن محاولة القوة الإمبريالية الأعظم – الولايات المتحدة الأمريكية – إحالة ما فشلت المدافع في تحقيقه إلى العملية السياسية التي ستتلو سكوت المدافع.

جذور الحرب

لا يمكن فهم حرب لبنان إلا كامتداد "عسكري" للسياسة الإمبريالية-الصهيونية في منطقة الشرق الأوسط. اندلعت الحرب ليس، كما يصر البعض، لأن حزب الله قام بخطف جنديين إسرائيليين في عملية عسكرية ناجحة ومحدودة، ولكن لأن الولايات المتحدة وإسرائيل التقتا على هدف تحطيم الحزب والمقاومة اللبنانية كوسيلة لتعديل موازين القوى الإقليمية التي باتت تعمل في غير صالحهما في المرحلة الأخيرة. المتأمل لمجريات الأمور في الشرق الأوسط في السنوات القليلة الفائتة يمكنه أن يلاحظ أمرين أساسين. الأمر الأول هو المصاعب الكبيرة التي تواجهها الاستراتيجية الأمريكية للحرب على الإرهاب. فبعد أوهام النصر، وبعد أحلام تدشين نماذج ديمقراطية-ليبرالية ناجحة في أفغانستان ثم العراق ، أفاقت العنجهية الاستعمارية الأمريكية على حقيقة أن امتداد قوس الهجوم الإمبريالي، والتورط في احتلال عسكري مباشر لبلد كبير كالعراق، كان ثمنه الانزلاق إلى مستنقع ذي مذاق فيتنامي لا يبدو أن هناك مخرجاً قريباً منه. الأهم هو أن هذه "الورطة الفيتنامية" لم تؤد فقط إلى تعطيل استكمال المخطط الأمريكي للهيمنة العالمية، بل أدت أيضا – وهذا هو الأمر الأكثر مركزية – إلى زعزعة الهيبة وإضعاف القوة الأمريكية بما سمح بتصاعد جبهات جديدة للمقاومة والتحدي في أمريكا اللاتينية (فنزويلا، بوليفيا، كوبا) وآسيا (كوريا الشمالية)، بل وفي الشرق الأوسط ذاته. فالجرأة الإيرانية في تحدي الإرادة الأمريكية فيما يتعلق بملفها النووي، والتحالف السوري الإيراني، وحتى الصعود السياسي لحماس، كل هذه أمور لا يمكن عزلها أبدا عن آثار المستنقع العراقي على مجمل السياسة العالمية والإقليمية. الأمر الثاني الذي يمكننا ملاحظته هو تحولات السياسة الإسرائيلية ومآزقها. ذلك أن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية – الذي سبق أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعام واحد لا غير – والفشل الإسرائيلي في تصفيتها، قد دفعا الدولة الصهيونية، تحت قيادة شارون، إلى استبدال استراتيجية السلام العربي-الإسرائيلي برعاية أمريكية بسياسة فك الارتباط. فقد أصبحت تلك السياسة الأخيرة هي جوهر الرؤية الإقليمية لإسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة. بل الأكثر من ذلك أنها كانت الأساس لتكوين تيار سياسي جديد تمثل في حزب كاديما الذي بنى رؤيته الاستراتيجية على الاعتراف بفشلين: الفشل في تركيع المقاومة الفلسطينية وتصفيتها إلى الحد الذي يسمح بالعودة إلى مسار السلام الاستسلامي، والفشل في الاحتفاظ بكل الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال. سياسة فك الارتباط كانت تقوم، بعد الاعتراف بالفشلين، على أنه لا يوجد شريك للسلام على الجانب الفلسطيني، وأن حل القضية الفلسطينية لابد أن ينبني على اتخاذ خطوات من طرف واحد تقوم بها إسرائيل، جوهرها هو التخلي عن الأراضي ذات الأغلبية الفلسطينية وغير ذات الأهمية الاستراتيجية، مع ضم باقي الأراضي بالقوة ومع بناء سور عازل كأساس لاستراتيجية دفاعية محكمة تمهد لحل نهائي من طرف واحد. المشكلة هنا أيضا أن سياسة فك الارتباط فشلت. فإذا اعتبرنا الانسحاب المهين من لبنان في مايو عام 2000 على يد حكومة باراك كان بداية "ما" لهذه السياسة، فمن الواضح أن هذا الانسحاب لم يؤد إلى تصفية الصراع أو إلى إنهاء المواجهة، بل أدى على العكس إلى تقوية شوكة حزب الله العسكرية وتعميق روابطه الاستراتيجية الإقليمية وتجذير قواعده الشعبية، أي أدى إلى تصاعد قدرته على تصعيد المقاومة ضد "العدو الإسرائيلي". أما على الجانب الفلسطيني، وهو الأهم بالنسبة لإسرائيل، فقد ظهر أيضا أن فك الارتباط بالانسحاب من غزة، وببناء السور العازل الذي تكلف مئات الملايين، لم يؤد إلى إضعاف حماس ولا إلى تصفية المقاومة. بالعكس، هو أدى إلى إعطاء حرية حركة أكبر لحماس. فرأينا نتائج الانتخابات التشريعية التي وضعتها في مواقع السلطة، ورأينا تصاعد معدلات إطلاق صواريخ القسام (التي بالرغم من ضعف تأثيرها، إلا أنها تؤشر لإسرائيل على إمكانيات المستقبل إذا ما استمرت حماس في العمل بحرية انطلاقا من غزة المحررة). إذن فكل من أمريكا وإسرائيل واجهتا مصاعب جمة، بل ويمكن القول فشلا كبيرا، في سياسات كانتا قد اتبعتاها مع مطلع القرن الجديد. فقد انتهت استراتيجية الحرب على الإرهاب الأمريكية إلى مستنقع عراقي-أفغاني خطير، وإلى تحدي إيراني سوري مهين. أما سياسة فك الارتباط الإسرائيلية، فقد انتهت إلى تقوية شوكة حماس سياسيا، وحزب الله سياسيا وعسكريا.

العقدة الإيرانية

القراءة الأمريكية-الإسرائيلية للفشل المتزايد والورطات المتلاحقة تركزت على الدور الإيراني. فقد التقت الرؤيتان الأمريكية والإسرائيلية على أن إيران هي حجر الزاوية في السياسة الإقليمية المضادة، وأن ضرب إيران وإضعافها سوف يؤدي إلى حل كل المسائل الأخرى. جزء من هذه الرؤية ينبع من الأزمة والفشل. فطالما أن أمريكا وإسرائيل لم تستطعا أن تقضيا على الموطن الأساسي للداء – المقاومة العراقية أولا والمقاومة الأفغانية والفلسطينية ثانيا – فإن العادة هي أن القوى الإمبريالية والاستعمارية تميل إلى فتح جبهات أخرى لتحقيق انتصارات لتحسين الصورة وبناء مواقع قوة جديدة في لعبة التوازن الاستراتيجي. لكن جزءاً آخر من السبب يكمن في حقيقة الدور الإيراني. فإيران فعلا هي الكاسب الأكبر من المستنقع الأمريكي في العراق. ذلك أن سخرية القدر قد حولت الأزمة الأمريكية في العراق إلى مصلحة أكيدة لإيران. فمن ناحية أولى أصبح لإيران صوت هام في مجريات السياسة الداخلية العراقية بتحالفاتها مع قوى شيعية، اضطرت الولايات المتحدة إلى إعطائها دورا داخليا كبيرا في تركيبة السلطة الهشة. ومن ناحية ثانية، سمحت الورطة الأمريكية في العراق لإيران بتحدي الهيمنة الأمريكية وبالمضي قدما في محاولة بناء قوة نووية محلية. على أن سياسة المواجهة المباشرة مع إيران لم تحقق نجاحا يذكر. فورطة أمريكا في العراق منعت الولايات المتحدة من حشد التأييد الداخلي والدولي والإقليمي المطلوب لضرب إيران عسكريا. من هنا برز مخطط تصفية حزب الله كبديل أقل تأثيرا، ولكن أكثر قابلية للتنفيذ. فحزب الله حليف أساسي لإيران، وضربه سيضعف الجبهة الإيرانية-السورية، وسيؤدي إلى تهيئة الأجواء السياسية الداخلية في لبنان لصعود القوى المتبنية للمشروع الأمريكي، وهي قوى أكثر نفوذا وتأثيرا من مثيلاتها في كل المنطقة العربية. أما إسرائيل، فكانت ترى من جانبها أن تصفية حزب الله ستحقق لها مصلحة أكيدة ليس فقط في تأمين الجبهة اللبنانية، ولكن في ردع الجبهة الفلسطينية وعزلها سياسيا وعسكريا، مما سيسهل من تنفيذ مشروع فك الارتباط مع غزة وضم معظم أراضي الضفة.

الحرب

هذا هو الظرف الذي نشبت فيه الحرب على لبنان وحزب الله (وعلى فلسطين وحماس). كان الهدف هو تحطيم القدرات العسكرية لحزب الله تماما، وإجباره على الانسحاب مهزوما إلى الداخل اللبناني، ثم الاستثمار السياسي للنجاحات العسكرية في عملية تدجين الحزب وإخراجه من المعادلة السياسية اللبنانية، وتنصيب تحالف الرابع عشر من آذار (التحالف السياسي اللبناني المطالب بنزع سلاح الحزب وبتصفية النفوذ السوري في لبنان) في وضع الهيمنة على الحالة السياسية اللبنانية الداخلية، بعد أن فشل القرار 1559 في تحقيق ذلك بوسائل أخرى غير الحرب المباشرة. هذا ما دعا الكثيرين، عن حق، إلى توصيف حرب لبنان الأخيرة بأنها حرب أمريكية أكثر من كونها حربا إسرائيلية. فالولايات المتحدة لم تخف كثيرا توجهاتها ورؤيتها لطبيعة تلك الحرب. كوندوليزا رايس قالت علنا إنها حرب من أجل شرق أوسط جديد. أي أنها مدخل لاستعادة المبادرة الأمريكية في منطقة تورطت فيها وباتت في مستنقع يصعب الخروج منه، وليست فقط حربا محدودة هدفها استعادة جنديين أو حتى استعادة هيبة وقوة ردع الجيش الإسرائيلي. لكن أتت الرياح بما لم تشته سفن الإمبريالية قط. فصمود حزب الله وأداؤه العسكري الأسطوري في أيام الحرب الـ33 قلب كل الموازين. بدأت الحرب بمطالبات إسرائيلية واضحة: استعادة الجنديين، نزع سلاح حزب الله، إخراجه تماما من الجنوب اللبناني. وانتهت فقط بقرار (لم ينفذ كلية بعد) بتراجع الحزب – مع احتفاظه بكافة عتاده – إلى ما وراء الليطاني. الأهم من ذلك أن الحرب كانت لها نتائج سياسية ومعنوية ستلعب دورا حاسما في السياسة الإقليمية والعالمية في المرحلة المقبلة. فإهانة الجيش الإسرائيلي وإثبات عجزه عن احتلال أراض جديدة، بل حتى عن تحطيم القدرات العسكرية لحركة مقاومة صغيرة في دولة صغيرة، قد أدى إلى اختلال حقيقي في استراتيجية الردع الإسرائيلية، وإلى إبراز صحة وأهمية الرؤية القائلة بأن حركات المقاومة – وليست الجيوش النظامية – هي القادرة على مواجهة إسرائيل وردعها وإجبارها على تعديل أهدافها. ثم أن تعديل القرار 1701، بالتراجع عن مطلب إنشاء قوة دولية ذات قدرات هجومية، أثبت أنه حتى السياسة الدولية يمكن تعديل موازينها بقوة الصمود العسكري للمقاومة. وأخيرا فإن الحرب بنتائجها الكارثية على الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تؤد إلى تقوية، بل على العكس، المعسكر الطبقي-السياسي المؤيد للإمبريالية في المنطقة. فالأنظمة العربية التي راهنت – كأمريكا – على نصر إسرائيلي سريع وقعت في حرج كبير وفقدت كل مصداقية شعبية متبقية لها وانفصلت كلية عن شعوبها. والقوى اليمينية اللبنانية وقعت – على الأقل أثناء الحرب ومع صمود المقاومة – في حرج كبير أدى إلى لجم حركتها مما أعطى دفعة للتضامن الشعبي اللبناني من كافة الطوائف مع المقاومة وأضعف إمكانيات اللعب بالورقة الطائفية. بل إنه حتى الرؤية الديماجوجية، القائمة على منهج فرّق تسد، التي أطلقها الملك عبد الله ملك الأردن حول مسألة الهلال الشيعي فقدت قوة دفعها أثناء الحرب عندما اصطفت قوى سنية عديدة (من بينها الإخوان المسلمين) وراء حزب الله بصفته المقاومة. إذن فانتصار المقاومة في لبنان أفشل الهجمة الأخيرة للمعسكر الأمريكي-الصهيوني وضاعف من مأزقه. ويمكننا الآن أن نتوقع أن إلهام المقاومة اللبنانية "الشيعية" سيضاعف من الأثر الملهم للمقاومة العراقية "السنية". وقد رأينا بعيوننا حالة الانتشاء بالنصر بين أبناء الجنوب اللبناني، ورأينا التحدي الإيراني للمطالب الدولية ورفضها لإيقاف تخصيب اليورانيوم بالرغم من التهديد بالعقوبات، ورأينا خطاب بشار الأسد الهجومي، وغيرها من النتائج السياسية المباشرة للحرب.

الحرب والطبقات

إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت المقاومة قد انتصرت عسكريا، فلماذا إذن يصر القرار 1701 على استمرار المطالبة بنزع سلاح حزب الله وغيرها من المطالب التي لا تتناسب – ظاهريا – مع النتائج العسكرية للحرب؟ الحقيقة أن الحرب كانت – كما قلنا – محاولة فاشلة (وذات نتائج كارثية) للخروج من مأزق وجدت الإمبريالية والصهيونية نفسيهما فيه. لكن الحرب أيضا أثبتت – كما يكشف القرار 1701 بوضوح – أن المقاومة العسكرية وحدها لا يمكن أن تقضي على خطر الهمجية الإمبريالية والصهيونية. فلنأخذ التجربة الفيتنامية كمثل. فصمود المقاومة الفيتنامية ونجاحاتها العسكرية الأسطورية لعبا بلا شك دورا مركزيا في تحقيق النصر النهائي. لكنهما لم يؤديا وحدهما إلى انسحاب الجيش الأمريكي ولا إلى تحقيق النصر. كان لابد أن ينعكس الصمود العسكري في تبدلات في الموازين والقوى في الداخل الأمريكي والأوروبي والعالمي، أي كان لابد أن ينعكس أداء المقاومة على الصراع الطبقي الداخلي في البلدان الاستعمارية والبلدان المتحالفة معها بالدرجة التي تؤدي إلى جعل استمرار "السياسة الاستعمارية" أمرا لا يطاق سياسيا. هذا الانعكاس السياسي للنصر العسكري لم يتحقق بعد في الشرق الأوسط. صحيح أن المقاومة تحقق نجاحات، وتصيب الإمبريالية في هيبتها، لكنها وحدها لن تكفي لإخراج أمريكا من العراق أو من أفغانستان ولن تكفي لتحرير فلسطين ولبنان. فعلى رغم مركزية المقاومة، وعلى رغم من كونها حجر الزاوية في النضال ضد الإمبريالية، إلا أنه لابد أن تنعكس آثارها على هزيمة أمريكية وأوروبية وإسرائيلية داخلية؛ أي على هزيمة قوى الإمبريالية والهيمنة داخل الولايات المتحدة وأوروبا في مواجهة حركات مناهضة الحرب والاستعمار. هذه الحلقة المفقودة – الحلقة التي يؤدي فقدانها إلى استمرار مبارك وعبد الله في السلطة، وإلى احتفاظ سياسات بوش وأولمرت العنجهية بسيطرتها السياسية الداخلية – تكشف حقيقة أن المقاومة لدينا لم تتبلور بشكل كاف بعد في صورة حقائق وتوازنات جديدة في الصراع السياسي والطبقي الداخلي في المراكز الطبقية للهيمنة الإمبريالية وفي المراكز الطبقية المتحالفة معها في المنطقة العربية. طالما ظلت استراتيجية الحرب الإرهاب الأمريكية غير منهزمة في الداخل الأمريكي وغير محاصرة عالميا، وطالما ظلت استراتيجية فك الأرتباط مهيمنة في الداخل الإسرائيلي، وطالما استمر الظهير العربي للإمبريالية (المتمثل في حكم البرجوازيات العربية) قويا وفاعلا، ستظل المعركة مفتوحة وغير محسومة لصالح الجماهير العربية. الدرس الذي نخرج به من هذه المعادلة هو أن الهزيمة على المستوى العسكري فقط للمعسكر الأمريكي-الصهيوني غير ممكنة؛ الممكن والضروري هو هزيمتهما سياسيا على أساس من الصمود العسكري الممتد للمقاومة. ما نراه الآن، وما سوف نراه ربما على الأجل المتوسط، هو من نتائج الفجوة بين النصر العسكري للمقاومة واستمرار السيطرة السياسية النسبية للقوى المعادية لها. من هذه الفجوة مرّ القرار 1701 بتناقضاته. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعتمدان الآن، بعد فشلهما الكبير في المواجهة العسكرية في لبنان، على اليمين اللبناني والأنظمة العربية لتنفيذ ما فشلت في تنفيذه آلة الحرب الإسرائيلية. المعركة القادمة التي سيواجهها حزب الله لن تكون على أيادي صهيونية بل على أيادي لبنانية. وشعار "كل السلطة للدولة" الذي يرفعه تحالف الرابع عشر من مارس/آذار اليميني اللبناني، والذي هو في معناه العملي اليوم – وبلا لف أو دوران – السعي إلى تركيع المقاومة بوسائل السياسة وربما الحرب الأهلية، هو قميص عثمان الذي يرفعه التحالف الطبقي الحاكم في البلدان العربية الذي يرى في التحالف مع الإمبريالية الأمريكية الوسيلة الوحيدة للحصول على حصة من حصيلة النهب الاستعماري العالمي. الانتصار في المعركة ضد أعداء الداخل – ضد الطبقات الحاكمة – هو الانتصار الأصعب. لكنه سيصبح أمرا أكيدا ومسألة وقت إذا ما أدركنا أن دعم المقاومة وتوسيعها هو الجسر الذي سيعبر بنا من المعركة ضد الصهيونية والإمبريالية إلى المعركة ضد الطبقات الحاكمة. استمرار المقاومة وتكبيدها للإمبريالية الأمريكية خسائر فادحة هو الذي رفع أسهم حركة مناهضة الحرب الأمريكية والعالمية مؤخرا، وهو الذي أضعف حزب كاديما، وهو الذي كشف الأنظمة وعمّق الهوة بينها وبين شعوبها. والمطلوب استراتيجيا في هذا السياق هو ميلاد قوى سياسية شابة ومنفتحة ومنغمسة في النضال تربط بين معركة المقاومة ومعركة الطبقات، وتكشف عن الروابط بين الإمبريالية والبرجوازيات العربية، ومن ثم تدعو إلى توسيع المقاومة لتصبح ذات بعد طبقي جوهري، وتعلن أن هزيمة إسرائيل من الداخل لن تتأتى إلا عبر ثورات جماهيرية عربية تضغط على الدولة الصهيونية وتفكك تماسكها، وتطرح أفقا جديدا للسلام القائم على تصفية الإمبريالية والصهيونية والاستغلال.

حزب الله وحرب اسرائيل الخاسرة


المؤلفون:

كريس هارمان

المصدر:

(2006)

النص الكامل:

ترجمة: نور منصور
للمرة الأولى فشلت قوات الدفاع الإسرائيلية في الانتصار في حرب شاملة أوليفييه روي فاينانشيال تايمز
إن ما هو جديد تماما في هذه الحملة، والتي ما لبث أن أطلق العرب عليها الحرب العربية-الإسرائيلية السادسة، هو نتائجها. وبالنسبة لبعض العرب – وبعض الإسرائيليين بالفعل – فإن التبعات الاستراتيجية والسيكولوجية والسياسية لهذه الحرب ربما تجعلها أهم الحروب منذ "حرب الاستقلال" في عام 1948. فقد استطاعت عصبة صغيرة من الجنود غير النظاميين صد واحد من أقوى الجيوش في العالم لمدة ما يزيد عن شهر، وألحقت خسائر معتبرة به دافيد هيرست مراسل الجارديان المخضرم في الشرق الأوسط
وبينما تحدثت السلطات العسكرية الإسرائيلية عن قيام الجنود الإسرائليين بعمليات "تطهير" و"مسح" لمنطقة جنوب نهر الليطاني، فقد بدا بالنسبة لمعظم اللبنانيين كما لو أن حزب الله هو الذي قام بعملية "المسح". وحتى الليلة السابقة، لم تكن القوات الإسرائيلية حتى قادرة على الوصول إلى جثث طاقم مروحية إسرائيلية أسقطت يوم السبت ليلا وتحطمت على أحد الأودية اللبنانية روبرت فيسك مراسل الإندبندنت في اليوم الأخير للحرب
لا يستطيع حزب الله أن يلحق بإسرائيل هزيمة عسكرية كبيرة، حيث أن ذلك كان دائما مستبعدا بالنظر إلى عدم التكافؤ المطلق في موازين القوى بين الجانبين، كما كان مستحيلا بالنسبة للمقاومة الفيتنامية أن تلحق بالولايات المتحدة هزيمة عسكرية ساحقة. لكن أيضا لم تستطع إسرائيل هزيمة حزب الله. وبهذا المعنى، فإن حزب الله هو بلا شك الذي انتصر سياسيا، وإسرائيل هي المهزومة في حرب الـ33 يوماً جلبير أشقر ماركسي لبناني يعيش في فرنسا
ظل حزب الله كما هو. فلم يتم تدميره أو نزع سلاحه أو حتى إزاحته من المكان الذي كان موجوداً فيه. وقد أثبت مقاتلو حزب الله أنفسهم في المعارك، مما حاز إعجاب الجنود الإسرائيليين. واليوم في إسرائيل هناك مناخ عام من خيبة الأمل واليأس يوري أفينيري كاتب إسرائيلي
وصلت كافة الأطراف إلى نفس النتيجة، التي وصل إليها هؤلاء الكتاب والصحفيون، بعد حرب إسرائيل التي امتدت 33 يوماً ضد حزب الله ولبنان. فما بدأ كهجوم إسرائيلي مخطط له منذ زمن بهدف تدمير حزب الله، انتهى إلى إهانة إسرائيل. لم تكن تلك النتيجة بمثابة صدمة للجيش الإسرائيلي فحسب، ولكنها أيضا كانت لطمة مدمرة لإدارة بوش وشريكه الأدنى توني بلير في مساعيهما لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من هزيمتها في المغامرة العراقية. فعلى الأقل، أعطت الإدارة الأمريكية للجيش الإسرائيلي تصريحا ضمنياً، بل ربما شاركت في التخطيط للهجوم الضاري في الثاني عشر من يوليو كما قال الصحفي الأمريكي سيمور هيرش.i وقد كان الهدف بسيطاً. فقد رغب الإسرائيليون في توجيه ضرية مدمرة إلى النفوذ الإيراني في لبنان – وحبذا لو تم ضرب النفوذ الإيراني على شيعة العراق – كجزء من الهجوم على إيران نفسها. وكما طرح تشارلز كروثامر في صحيفة واشنطن بوست: "كانت هزيمة حزب الله سوف تمثل هزيمة ضخمة بالنسبة لإيران على الصعيدين النفسي والاستراتيجي. فقد كانت إيران ستخسر موطئ قدم في لبنان، وستخسر كذلك الوسائل الأساسية لهز استقرار منطقة الشرق الأوسط وإقحام نفسها في قلب المنطقة. وسوف يكون من الواضح أنها بالغت في أفعالها كثيراً في مساعيها لأن تجعل من نفسها قوة إقليمية عظمى."ii وكان افتراض الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية أن النصر سيكون سهلاً. وقد أوضح الصحفي المصري هاني شكر الله كيف كانت الحكومتان تتصوران المسألة: "بدا أنه حان أوان قطف رأس حزب الله. فقبل اندلاع الحرب بعام، كان قطاعاً كبيرا من الشعب اللبناني قد ثار ضد سيطرته العسكرية والسياسية في البلاد. وقد وجدت واشنطن في باريس، ممثلة أوروبا القديمة سابقا، حليفاً غير مألوف يرغب في تحقيق نفس الهدف. وكان لدى النظم العربية أسبابها الخاصة التي تجعلها راغبة في زوال حزب الله. فهي كانت تغمغم متذمرة من الهلال الشيعي الذي يقع في وسط المنطقة. وإزاء الثقة الكبيرة التي كان يوليها الأمريكيون والإسرائيليون لإمكانية نجاح هذه الاستراتيجية، فقد أعطوها أسبوعاً لكي يتم تنفيذها."iii غير أن الأمور سارت بشكل مختلف تماما. "مر الأسبوع الأول، ثم الثاني والثالث، دون أن ينكسر لبنان.. وبعد 17 يوماً من بداية الهجوم الإسرائيلي على لبنان، كانت إسرائيل تسحب لواء جولاني من بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان التي كانوا قد زعموا قبل أسبوع أنهم استطاعوا السيطرة عليها."iv ما كان متصوراً أن يصبح تقدماً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل والولايات المتحدة انقلب إلى عكس ذلك: "كانت كل الأطراف تغير من لهجتها. فالإسرائيليون، الذين تحدثوا في البداية عن تحطيم حزب الله، أصبحوا يتحدثون اليوم عن هدف وضع صواريخ حزب الله على بعد مسافة لا تطال المدن الإسرائيلية. وتوجهت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس – التي أخرجت لسانها للرأي العام العالمي عبر استمرار الرفض الأمريكي لمطالب وقف إطلاق النار – إلى المنطقة للتحدث عما أسمته التضحيات الكبيرة التي ينبغي على الطرفين تقديمها. والأوروبيون، الذين كانوا سعداء بالنظر إلى الجهة الأخرى، بينما كانوا يتمتمون حول ما يسمى رد الفعل غير المتكافئ.. أصبحوا الآن راغبين في إدانة القسوة الإسرائيلية وذبح المدنيين.. والأصدقاء العرب باتوا في أزمة ثانية. فإزاء الغضب المكثف من جانب الشعوب، أصبحوا الآن يتكالبون الواحد تلو الآخر على البحث عن خطاب حماسي متأجج يعبر عن إدانتهم لإسرائيل."v ربما لا يمكن أن يكون هناك تناقضاً أكبر من ذلك القائم بين الحرب الأخيرة والحروب العربية الإسرائيلية السابقة. فقد شهدت هذه الحروب انتصارات سريعة جدا للجيوش الإسرائيلية، بينما كانت الجيوش العربية تتوسل من أجل السلام على الفور. وكانت حرب عام 1967 أفضل تعبير عن هذا الوضع، حيث استطاعت القوات الإسرائيلية تحطيم ثلاثة جيوش عربية خلال ستة أيام، والسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان (وهي المناطق التي لازالت تسيطر عليها منذ 39 عاماً) وشبه جزيرة سيناء (التي أعيدت إلى مصر عقب معاهدة السلام مع إسرائيل). كانت هزيمة عام 1967 بالنسبة لجيل كامل من القوميين العرب بمثابة الموت لمشروعهم الرامي إلى تحقيق الاستقلال في مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. والآن، فإن جيشاً عربياً هو الذي انتصر.vi ويمكن أن تكون نتيجة ذلك هائلة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ككل.

ما وراء انتصار حزب الله

كان هناك سببين أساسيين للانتصار الإسرائيلي السهل في الحروب السابقة، بجانب التفوق العام للقوات الإسرائيلية (بفعل المساعدات الأمريكية الضخمة منذ بداية الخمسينات)vii: السبب الأول أن جنود الجيش الإسرائيلي كانوا أكثر ولاءً من أعدائهم العرب. فقد استولوا على الأرض المملوكة لشعب آخر، وكانوا مقتنعين أنه ليس أمامهم خيار سوى القتال للاحتفاظ بهذه الأرض. ولهذا الحد كانوا يتمتعون ببعض صفات جيش المواطنين أو الجيش الشعبي، بالرغم من وضعهم المتميز في مقابل وضع العرب. وعلى العكس من ذلك، فإن جيوش الدول العربية كانت تتألف من جماعتين ليست لديهم مصلحة كبيرة في القتال بجدية، كما أشار توني كليف وقت حرب 1967.viii فقد كانت فئة الضباط ترغب في الحفاظ على وضعها الاجتماعي المتميز في بلادها أكثر من تقديم تضحيات لأجل الفلسطينيين. ولم يكن متوقعاً من المجندين الفلاحين أن يقاتلوا حتى الموت دفاعاً عن حق الفلسطينيين في الأرض في الوقت الذي لا يتمتعون هم أنفسهم بهذا الحق في بلادهم. أما السبب الثاني فكان أن الجيش الإسرائيلي، المكون أساساً من المتعلمين الذين استوطنوا الأرض، أكثر مهارة في استخدام الأسلحة الحديثة من الجيوش العربية التي تتكون أساساُ من المجندين الفلاحين ذوي التعليم المتواضع. غير أن الأمور كانت مختلفة على الجانبين في حرب هذا الصيف. فحزب الله لم يجري تشيكله بواسطة حكومة قائمة، ولم يمثل ضباطه فئة متميزة تهتم في المقام الأول بتعزيز وضعها الاجتماعي. على العكس، تم تشكيل حزب الله من أسفل، بواسطة إناس يرغبون في القيام برد فعل على خبرات القهر الذي تعرضوا له من قبل مجموعات أخرى في المجتمع اللبناني، وعلى الاحتلال العسكري من جانب القوات الإسرائيلية في 1982 وما بعدها. لقد انصهر الحزب خلال نضالات إناس يدركون أنهم يقاتلون من أجل الاحتفاظ بما لديهم، مهما كان قليلاً في بعض الحالات. وفي نفس الوقت، فإن التقدم البطيء للتعليم خلال العقود السابقة كان يعني أن الجامعات العربية تخرج آلافا من الأفراد كل عام، مزودين بمهارات تقنية تمكنهم من التعامل مع الأسلحة المعقدة. وكما يشير كتاب ألفه عضو في حزب الله: "مع الوجود المتصاعد لأعضاء متعلمين ومثقفين، أصبح في الإمكان الاستفادة من الحاسبات الآلية الحديثة، ووسائل الاتصال، وتقنيات هندسية عديدة."ix وقد مكّن ذلك حزب الله من دمج ميليشيات لديها اللامركزية المرنة، مع التعقيد الذي تتسم به الجيوش القومية القادرة على استخدام سلاح مثل صاروخ ج-802 نور، المضاد للسفن الحربية، والموجه بواسطة الردار (وهو تطوير إيراني لصاروخ "سيلك وورم" ج-802 الصيني)، وهو الصاروخ الذي قام بضرب بارجة إسرائيلية في 14 يوليو.x وبينما انبثقت أخيراً قوة عربية تتمتع بهذه السمات، فقد فقد الجيش الإسرائيلي بعضاً من عوامل القوة التي كان يحظى بها في الماضي. فمجتمع المستوطنين الأوائل، الذي كان ملتزماً بخلق مجتمع جديد في أرض مملوكة لشعب آخر، قد اختفى ليحل محله مجتمع غالبيته من الجيلين الثاني والثالث الذين لم يختبروا على مدى أربعة عقود أي شعور بالتهديد إزاء الرفاهية التي يعيشون في ظلها. فقد جاء المستوطنون الجدد (مثل المليون روسي الذين توجد شكوك حول إدعاءات الكثير منهم بأنهم يهودxi) للاستمتاع بمزايا هذا المجتمع المستقر، لا للقتال من أجل بنائه. وقد تم تجنيدهم بهدف المشاركة في احتلال الضفة الغربية لا بهدف المشاركة في قتال حقيقي، لكن ذلك كان يعني قصف المدنيين من نقاط محصنة آمنة ودبابات مسلحة بكثافة. ويطرح الوزير الإسرائيلي السابق يوسي ساريد أن: "قوات الدفاع الإسرائيلية لم تكن مستعدة جيداً لتلك الحرب الجديدة في لبنان.. وبدلا من أن يجري توظيف وإعداد قوات الدفاع الإسرائيلية بصفتها جيشاً، فقد كانت تنتشر وتعمل كما لو كانت حامية أجنبية تشبه قوات الشرطة.. قيل لصغار الجنود والضباط خلال سنوات الانتفاضة أنهم كانوا يخوضون حرباً.. لكن أي تشابه بين القتال في تلك الأراضي وبين الحرب يبدو مبهماً على أفضل تقدير.. محاولات إخافة إرهابيين مطلوبين عبر حصار منزل– هذه ليست حرباً، الاغتيالات المخططة– هذه ليست حرباً، حتى محاصرة مقر ياسر عرفات في رام الله لم يكن حملة عسكرية يمكن أن تشير إليها الكتب. تقريبا كل ما حدث في الأراضي المحتلة منذ اليوم الذي احتلتها فيه قوات الدفاع الإسرائيلية، كان شكلاً من أشكال الحرب الفاخرة."xii كانت نتيجة ذلك أنه عقب الفشل في إخضاع حزب الله عبر إثارة الترويع باستخدام القصف الجوي للأهداف المدنية، توجهت القوات الإسرائيلية مصحوبة بالدبابات إلى داخل الأراضي اللبنانية – ووجد الجنود الإسرائيليون أنفسهم أهدافاً لمدافع حزب الله المضادة للدبابات. وبينما عملت إسرائيل في أيام الحرب الأولى مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لتجنب صدور قرار من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار مهما كان الثمن، فقد انتهى الأمر بها عقب مرور شهر إلى التلهف للخلاص عبر الاتفاق الفرنسي-الأمريكي للدفع من أجل صدور القرار 1701، الذي يعد بنشر قوة دولية لمحاولة القيام بما فشلت إسرائيل في القيام به – أي وقف أنشطة حزب الله بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني.

أسباب نجاح حزب الله

يشرح تقييم أحد أعضاء حزب الله لنجاحه الساحق مقارنة بالمقاومة العربية السابقة لإسرائيل ارتكازاً على عاملين أساسيين: "إيمان المقاتلين بالقضيةxiii، والإصرار داخل حزب الله على عدم الوقوع في مصيدة الخضوع لسياسات الأنظمة الحاكمة."xiv لكن المسألة ليست فقط أن الجيوش العربية فشلت في مقاومة العدوان الإسرائيلي في السابق لأنها تدار بواسطة الحكومات، بل أيضا أن الحكومات وجيوشها عكست الطبيعة الطبقية لهذه المجتمعات. فالجيوش التي حاربت وفشلت في 1948 كانت تنتمي لأنظمة تمثل مصالح طبقات ملاك الأرض الإقطاعيين القدامى، وكانت مفروضة من جانب القوى الاستعمارية الغربية – وكان أكثر الجيوش كفاءة، وهو الجيش الأردني، يتلقى الأوامر من الضباط البريطانيين. وترتب على المصالح المتعارضة للطبقات الحاكمة المختلفة أنه لم يكن هناك تنسيق استراتيجي أو عسكري، ومن ثم كانت الحرب بمثابة تكالب بين هذه الدول للاستيلاء على أراض فلسطينية لأنفسهم بدعوى المعركة مع الإسرائيليين. بحلول حرب 1967 كانت الحركات الثورية والانقلابات العسكرية قد جاءت بنظم بديلة كانت منتمية قولاً للقومية العربية، مع الحديث عن دولة عربية موحدة "من المحيط الأطلنطي إلى الخليج" تقف إلى جانب مصالح جماهير السكان. وكانت هناك إصلاحات ملموسة، في ظل الإطاحة بالإقطاعيات الكبرى وتأميم معظم المنشآت الصناعية. لكن تلك الإصلاحات كانت في مصلحة الطبقة التي جاء منها الضباط – قسم من الطبقة الوسطى أراد الصعود إلى أعلى مستخدما الدولة لتعزيز مصالحه. وقد ظهر ذلك من خلال سلوك معظم فرق الضباط، حيث لم يوجد انتماء عال أو شجاعة أو كفاءة تزيد عما كان موجودا في عام 1948. وبالرغم من الكثير من الرطان حول "الأمة العربية"، فقد كانت الأولوية بالنسبة لهؤلاء هي مصالحهم الذاتية، والتي كان من الممكن تعزيزها في بلادهم، لا عبر النضال ضد إسرائيل على أساس من الوحدة والتعاون. عكس هذا الوضع نفسه في القصور الاستراتيجي والتكتيكي، وعدم الرغبة في مجابهة الجيش الإسرائيلي بأسلوب حرب العصابات الذي كان ربما سيحطم المصالح المادية التي يتمتع بها هؤلاء الضباط. أشار توني كليف عقب هزيمة 1967 مباشرة إلى التعارض بين الأساليب الكارثية التي اتبعها أهم النظم القومية العربية، وهو نظام عبد الناصر في مصر، وبين تلك المستخدمة بواسطة جبهة التحرير الوطنية في فيتنام ضد الولايات المتحدة: "تكمن قوة أية حركة ضد الإمبريالية في تعبئة جماهير العمال والفلاحين، في نشاطهم الذاتي، من جهة، والاختيار الصحيح للحلقة الأضعف في السلسلة الإمبريالية من جهة أخرى. ومن ثم فقد كانت جبهة التحرير الوطنية في فيتنام محقة تماماً في الاعتماد على الجيوش والميليشيات الجماهيرية، والتحرش بالجيش الأمريكي وتوابعه. ومن ثم فإن القوة الكامنة للحركات العربية ضد الإمبريالية تتمثل في جماهير العمال والفلاحين. ومن المفروض أن تكون المواقع المستهدفة هي حقول وخطوط ومصافي النفط. يجب أن يقوم الفلاحون بإصلاح زراعي ثوري، مما يخلق القاعدة لحرب العصابات. غير أن المواجهة العسكرية التي قام بها عبد الناصر ضد إسرائيل كانت متعارضة كلية مع السياسات والتكتيكات التي اتبعها جيش التحرير الوطني في فيتنام."xv وباعتبار الأنظمة الوطنية العربية أنظمة طبقية ترتبط بالرأسمالية، فإنها لم تكن قادرة على القيام بنوع الحرب المطلوب لهزيمة إسرائيل وداعميها الإمبرياليين. وبمجرد أن فشلت تلك الأنظمة للمرة الثالثة، في حرب أكتوبر 1973، في إلحاق هزيمة بإسرائيل، رغم بعض النجاح الذي تحقق في بداية الحرب، فقد امتثلت للأمر الواقع وقام الواحد منها تلو الآخر بعقد صفقات مع الإمبريالية. حتى خلفاء عبد الناصر في مصر عقدوا صفقة مع إسرائيل. غير أن سجل حزب الله كان مختلفاً، ليس لأن الحزب ليس دولة، لكن لأنه جرى تنظيمه بفعل منظمة قامت على النضال من أسفل. ظل الشيعة على مدى التاريخ القطاع الأكثر تعرضاً للقهر بين سكان لبنان. لم يكن ذلك يعني أن جميع الشيعة هم من العمال والفلاحين، فقد كان هناك عدد قليل من العائلات الشيعية الثرية وشريحة من التجار ومهنيي الطبقة الوسطى. لكن قسما أكبر بكثير من الشيعة كان ينتمي إلى الطبقات الدنيا، أكثر مما كان الحال عند الطوائف الدينية الأخرى في لبنان – فقد كان الشيعة "ممثلين بين الطبقات العاملة في القطاعات الزراعية والصناعية المتأخرة بأكثر من نسبتهم للسكان."xvi حتى الطبقات الوسطى كانت مضغوطة بواسطة بنية الدولة الموروثة عن الإمبريالية الفرنسية، التي قسمت السلطة السياسية بين قادة المسيحيين المورانة والمسلمين السنة والدورز. وفي وقت الاستقلال عن فرنسا، كان 40% من المناصب العليا في الحكومة من نصيب الموارنة، و27% من نصيب السنة و3.2% فقط من نصيب الشيعة،xvii واستمرت هذه التفرقة كما هي بشكل أساسي، ولكن بنسب أقل سفوراً، إلى أن تم توقيع اتفاق الطائف عام 1989 الذي وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية. وقف عاملان وراء صعود حزب الله، أولهما طريقة مجيء رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم في إيران عبر ثورة 1979. فقد كانت لدى بعض رجال الدين الشيعة في لبنان صلات وثيقة، تعليمية وعائلية، برجال الدين المنتصرين في إيران، ومن ثم فقد استلهموا أيديولوجيتهم بشأن تجاوز القهر والفقر عن طريق إقامة "المجتمع الإسلامي" الذي وحد الفقراء والأغنياء، واضعاً نهاية للطمع والتفتت الناتجين عن "التأثيرات الغربية". فقد أراد هؤلاء تحقيق التغيير عن طريق الجمع بين الوعظ الديني وإقامة حركة اجتماعية سياسية تكون مهمتها الأساسية تخفيف حدة الفقر، خاصة في جنوب لبنان والبقاع الشرقي و"دوائر البؤس حول بيروت".xviii وكان العامل الثاني هو الغزو الإسرائيلي للبنان في 1978 و1982، الذي استهدف سحق الفلسطينيين. فسرعان ما أصبح واضحاً أن سكان الأقاليم، وخاصة الشيعة، كانوا هم من يتحملون وطأة وجود الاحتلال الإسرائيلي. وبدأ رجال الشيعة الراديكاليون العمل في وادي البقاع مع فصيلة كبيرة من الحرس الثوري الإيراني من أجل خلق منظمة حرب عصابات قادرة على إشعال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن التدريب عسكرياً فحسب، ولكنه حوى مضموناً دينياً رفيعاً استهدف خلق ولاء كبير نحو النضال. وكما تشير إحدى الروايات: "كان على مقاتلي حزب الله أن يخوضوا الجهاد الأكبر، وهو التحول الديني الروحي، من أجل النجاح في الجهاد الأصغر، وهو الكفاح المسلح الذي يتطلب الشهادة. وعبر تغلب مقاتلي حزب الله على رغباتهم الشخصية والدنيوية، بقبول فضيلة الشهادة، استطاعوا إثارة خوف وقلق أعدائهم."xix أعتُبرت الرغبة في قبول الشهادة مسألة أساسية في النضال – حيث أن ميزان القوى المختل نتيجة تفوق الإسرائيليين الكبير فيما يتعلق بالتسلح، يمكن فقط تعويضه عن طريق الشهادة.xx وكان الإيمان الديني شديد العمق للشيعة ضرورة لترسيخ الإطار العقلي المطلوب. غير أن العمليات الانتحارية لم تكن على الإطلاق وسيلة النضال الأساسية. "كانت الأولوية للوسائل التي لا تحتم الشهادة.. تم تسجيل فقط 12 عملية تفجير بسيارات ملغومة"، وكانت الشهادة تأتي في معظم الأحيان خلال عمليات غير نموذجية كان الموت فيها النتيجة المتوقعة.xxi وكان العنصر الأساسي في استراتيجية حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان منذ 1982 حتى 2000 هو ضرب العدو من حيث لا يتوقع، وعدم الانخراط في معارك يُفترض أنها بطولية، ولكنها في حقيقتها كارثية وتتم بشروط العدو. وبهذه الطريقة فقد نما عدد العمليات من 100 عملية في 1985-1989، إلى 1030 في 1990-1995 إلى 4928 في 1996-2000،xxii حينما انسحبت القوات الإسرائيلية في النهاية بفعل الفوضى التي وقعت فيها مما أعطى دفعة قوية لشعبية حزب الله. وتقول المصادر أنه منذ ثلاثة سنوات كان حزب الله لديه "20 ألف مقاتل و5 آلاف رجل أمن."xxiii وبلغت شعبية حزب الله الحد الذي جعل رجالاً من غير الشيعة يرغبون في الانضمام إلى أنشطة المقاومة. فأقام الحزب وحدات حرب عصابات خاصة لهؤلاء – وذلك رغم أن حزب الله كان يضمن أن السيطرة الأساسية كانت في أيدي "الأتقياء". ووفقاً لما يقوله أحد قيادات الحزب، فإن تيار حزب الله الإسلامي يشمل عناصر سنية تقوم بتنسيق أنشطتها مع حزب الله، إضافة إلى كتائب المقاومة اللبنانية التي تتضمن إسلاميين وغير إسلاميين.xxiv وخلال حرب الثلاثة وثلاثين يوماً، قام أيضا بتنسيق أنشطته مع جماعات مقاومة مستقلة، على سبيل المثال تلك التابعة للحزب الشيوعي اللبناني. إذا كان حزب الله لم يكن في البداية مجرد مؤسسة عسكرية، فإنه الآن بعيد جداً عن كونه كذلك. فقد توسعت بشدة شبكة الرفاهة التابعة له، من عيادات ومستشفيات ومدارس ومنح دراسية، إلى أن أصبحت بعض التقديرات تشير إلى أن هذه الشبكة أكبر من تلك التي تمتلكها الدولة اللبنانية في الضواحي الجنوبية لبيروت ووادي البقاع والجنوب اللبناني.xxv وعلى سبيل المثال، يقال أن الوحدات الطبية التابعة لحزب الله تتعامل مع نصف مليون شخص كل عام. ومن أجل الحصول على مزيد من الدعم الشعبي، توسع حزب الله في تقديم الخدمة الطبية، فلم تعد مقتصرة على الشيعة، بل أصبحت تقدم لبعض السنة والمسيحيين والدروز في المناطق التي بها وجود للحزب. ويدير حزب الله قناة تليفزيونية كاملة التجهيز، هي قناة المنار، التي "بها جو مؤسسي يعمل به مئات العاملين"،xxvi ولديه وحدة نقابية بها ممثلين داخل اتحاد العمال اللبناني، واتحاد المزارعين اللبنانيين، ورابطة أعضاء هيئة التدريس الجامعي اللبنانية، ونقابة المهندسين، ورابطة طلبة الجامعات اللبنانية.xxvii وتفسر هذه الشبكة من الأنشطة والمنظمات الجماهيرية درجة التأييد الشعبي الذي بناه الحزب والذي مكنه من الصمود في مواجهة مدافع الدبابات الإسرائيلية. وقد مكنت هذه الشبكة حزب الله أيضاً من الدخول إلى قلب المؤسسة اللبنانية الشعبية، والتأثير في السلطات المحلية وأعضاء البرلمان والحكومة – حتى أنه منذ العام الماضي، وحزب الله لديه وزيران في الحكومة. غير أن ذلك ورّط الحزب في نوعين مختلفين من التنازلات. يتعلق الأول بالأساس الديني لحزب الله. فالشيعة هم أقلية في المجتمع اللبناني، رغم أنهم الآن أكبر أقلية. كما أنه توجد قوى سياسية شيعية أخرى بجانب حزب الله. ومن أجل تعزيز نفوذ منظمة حزب الله في ظل هذا الوضع – ومن أجل عدم إغراق البلاد في حرب طائفية أخرى – تخلت قيادة حزب الله عن هدف إقامة دولة إسلامية شيعية، وهو الهدف الذي نشأ حزب الله على أساسه بتأثير من الخميني.xxviii ويعتبر مؤرخ المنظمة، نعيم قاسم، أن القرآن يرفض الإكراه في الدين، ومن ثم فإنه يطرح أن: "خلق دولة إسلامية ليس وظيفة تتبناها مجموعة أو فريق واحد وتفرضها على الآخرين." ويضيف أن حزب الله يدعو إلى: "تطبيق النظام الإسلامي المبني على الاختيار المباشر والحر من قبل الشعب، لا على الفرض بالقوة…"، و"أننا نؤمن بأن خبرتنا السياسية في لبنان قد قدمت نمطاً متناغماً مع الرؤية الإسلامية داخل مجتمع مختلط – بلد لا تتبع نمط تفكير أسلامي."xxix وفي الانتخابات المحلية، شدد حزب الله على القضايا الاقتصادية والاجتماعية و"قدم مرشحيه على أسس غير طائفية، مؤكداً على الأمانة والجدية في العمل المتعلق بالمحليات."xxx ولا يعني ذلك أن حزب الله قد حوّل نفسه إلى منظمة لبيرالية تقوم على حرية الفكر. ففي الماضي، استخدم الحزب السلاح في التعامل مع معارضيه. ففي بداية الثمانينات استخدمه ضد بعض مقاتلي المقاومة من الشيوعيين وضد حركة أمل المناوئة له – رغم أن العديد من النشطين الشيوعيين انضموا له بعد ذلك بوقت قصير. والآن هو يتعاون مع كل من الحزب الشيوعي وحركة أمل. ولايزال قادة حزب الله ملتزمين بالتصور الديني ويفعلون ما بوسعهم من أجل أن تحوز مفاهيمهم (مثل حجاب النساء) القبول في المناطق التي يسيطرون عليها. ويسعون إلى إدارة تلك المناطق مستخدمين تصورهم حول الشريعة (والتي تشدد على دور القضاة المسلمين في التوسط في النزاعات من أجل كسر التقليد المتعلق بالثأر بين العائلات).xxxi لكن حقيقة أن قادة حزب الله تعاونوا مع القوى غير الشيعية وحتى غير الدينية من أجل مواجهة الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر" وإسرائيل "الشيطان الأصغر"، هي أمر يتناقض مع الموقف الديني المحدود الذي تبنوه في البداية، والذي كان أحد العوامل المتسببة في الانشقاقات التي حدثت داخل قيادة حزب الله.xxxii وسوف يتعاظم هذا التناقض طالما تتنامى المقاومة غير الشيعية وغير الإسلامية للإمبريالية على الصعيد العالمي. غير أن هذا التناقض متداخل مع تنازل من نوع مختلف – تجاه الدولة اللبنانية والأحزاب السياسية اللبنانية الأخرى، بما فيها تلك المتحالفة مع الإمبريالية والدول العربية الأخرى. يرتكز النظام السياسي اللبناني على صفقات يقوم خلالها القادة السياسيون لكل طائفة بعمل مساومات مع القادة السياسيين للطوائف الأخرى من أجل الحصول على قدر كاف من رعاية الدولة يمكنهم من الاحتفاظ بتأييد أتباعهم. وفي وجود مثل هذا النظام، يمكن حدوث نزاعات عديدة بين الأحزاب المختلفة، بما فيها النزاعات المسلحة، دون أن يؤدي ذلك إلى وضع الأسس الاجتماعية والاقتصادية للنظام موضع تساؤل. وبعد أن أدان حزب الله هذا النظام عند بداية نشأته، اختار بعد ذلك أن يكون جزءا منه. وتضمن ذلك اتفاقات انتخابية ليس فقط مع اليسار المضاد للإمبريالية، ولكن أيضا مع اليمين الموالي لها. وفي الانتخابات، دخل في قوائم مشتركة مع الحزب الشيوعي في النبطية وصور، ولكن في بيروت، شارك في قائمة سعد الحريري، الملياردير المرتبط بالسعودية، ابن رئيس الوزراء الأسبق الذي أغتيل، رفيق الحريري. وبرر حزب الله هذه الصفقة مع الأعداء السياسيين والأيديولوجيين بأنها لأجل: "الحفاظ على توازن طائفي".xxxiii وكانت الصفقة الأحدث هي تلك التي عقدها الحزب مع ميشيل عون، الجنرال الماروني ورئيس الوزراء في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية. وتم الزعم بأن مثل هذه الصفقات حمت حزب الله قليلاً خلال المواجهة مع إسرائيل. فقد قام ميشيل عون، من أجل رفع أسهمه فيما يتعلق بطموحاته بتقلد منصب الرئاسة بعد أن قضى خمسة عشر عاماً في المنفى، بتقديم بعض الدعم لحزب الله. فعلى سبيل المثال، نظم مسألة استضافة آلاف اللاجئين في القرى المسيحية في جبل لبنان. لكن كتلة الحريري الموالية للغرب، والتي تسيطر على الحكومة، راهنت على أن إسرائيل سوف تسحق حزب الله، مما يسمح لها بالسيطرة على جنوب لبنان.xxxiv وجاءت الحماية الأساسية لحزب الله من قاعدته الاجتماعية الواسعة وقدراته القتالية – والتي لو كانت قد أصابها الوهن في أية لحظة، لكان معظم هؤلاء "الحلفاء" قد وضعوا الخنجر في ظهر الحزب من أجل مصلحة أصدقائهم في واشنطن أو باريس أو الرياض. إن ما تفعله هذه الصفقات في الحقيقة هو تقييد قدرة حزب الله على الفعل. اعتاد حزب الله التصويت بالرفض لموازنات رفيق الحريري، لأن الحريري كان يعتبر الحكومة اللبنانية بمثابة "مجلس إدارة" يتعامل من خلاله لإدارة البلاد كما لو كانت واحدة من شركاته.xxxv وعندما شارك حزب الله في الحكومة بعد ذلك، اختار قبول هذا الأسلوب في إدارة الأمور. وبالقطع هذا يضعف قدرته على تحقيق تقدم على صعيد أحوال الفقراء، وهو الأمر الذي بنى على أساسه شعبيته، وهو يضعف أيضا قدرته على تقليص النفوذ الذي يحظى به العديد من السياسيين الطائفيين على أتباعهم. ربما يكون حزب الله على استعداد لتقديم بعض خدمات الرفاهة خلال الشبكات الخيرية التابعة له، ولكنها لا يجب أن تكون بديلاً لأنواع الخدمات التي يجب ويمكن أن تقدمها الدولة في حالة عدم وقوعها في شراك الرأسمالية الليبرالية الجديدة. من ناحية أخرى، تقيّد مثل هذه الصفقات من قدرة حزب الله على خوض النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية بالطريقة التي قد يرغب فيها. ففي المراحل النهائية لحرب الـ33 يوماً، كانت هناك ضغوط على حزب الله لتوقيع اتفاق الهدنة النهائي، وهو ما رضخ له فعلاً. لكن ذلك ترك القوات الإسرائيلية في لبنان، وترك الحصار الإسرائيلي على لبنان كما هو، وسمح بأن تدخل لبنان قوات فرنسية، حتى بالرغم من كون الحكومة الفرنسية اتفقت مع الولايات المتحدة على أنه يجب نزع سلاح حزب الله. على أن حسن نصر الله زعيم حزب الله شرح أن الأمر من وجهة نظره هو كالتالي: "نحن نواجه النتائج الطبيعية المعقولة والممكنة للصمود العظيم الذي عبر عنه اللبنانيين باختلاف مواقعهم."xxxvi مثل آخر: كانت الحكومة اللبنانية الموالية لأمريكا تواجه "خطر الانهيار" عندما تحطمت آمالها في تحقيق إسرائيل لانتصار سريع. لكن ما حافظ عليها هو حزب الله ذاته. ذلك أن الحزب لا يمكنه أن يرى أن هناك بديل عن "الإجماع الواسع". والمفارقة أنه بالرغم من ذلك، وبعد انتصار حزب الله، "سعت حكومة السنيورة سعياً حثيثاً إلى تعطيل عمليات إعادة الإعمار في الوقت الذي كانت تقبل فيه الأموال الأمريكية.. كان المثال الأخير على ذلك هو الرفض الحكومي لتقديم مساعدات نقدية لأولئك الذين حُرموا من وظائفهم بسبب الحرب – وهو الإجراء الذي طالب به وزير العمل، عضو حزب الله في الحكومة."xxxvii غير أن ما نحن يصدده ليس فقط التنازلات على الصعيد الداخلي. فقد اعتمد حزب الله طويلاً على تحالفه مع سوريا. يطرح نعيم قاسم، عاكساً الرؤية الرسمية لحزب الله: "أنه أمر طبيعي أن تتطابق وجهات نظر حزب الله مع تلك التي تتبناها سوريا لأن لا أحد في مأمن من المطامح الإسرائيلية"، ومن الطبيعي أن يعتقد الحزب في وجود "علاقات سورية إيرانية استراتيجية" منذ الثورة الإسلامية في إيران، وأن "وجود علاقة مع سوريا" هو "حجر الزاوية لأجل مواجهة الالتزامات الإقليمية الكبرى".xxxviii غير أن النظام السوري بالتأكيد لا تحركه مبادئ العداء للإمبريالية – ولا حتى العداء للصهيونية. فقد عمل طائعاً مختاراً على مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق. وقبل ذلك، في عام 1976، تدخل النظام السوري في لبنان من أجل إجهاض تحالف اليسار والفلسطينيين الذي حقق نجاحاً في المرحلة الأولى من الحرب الإهلية اللبنانية. وبعد ذلك، في منتصف الثمانينيات، اتبع سياسة تمنع الفلسطينيين من إعادة بناء قواعد عسكرية في جنوب لبنان. ويقر قاسم بأن "سوريا ذبحت 27 [عضواً من حزب الله] عندما دخلت بيروت لوقف الحرب الأهلية عام 1987."xxxix ولعل السر الذي يعرفه الجميع هو أن سوريا على استعداد لعقد صفقة مع إسرائيل (والولايات المتحدة) غداً، إذا كانت ستستعيد بموجبها مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. غير أن حزب الله لا يتطلع إلى سوريا فقط. إذ يصر قاسم على أنه لا يوجد أي نظام عربي يستحق أن تتم الإطاحة به، حتى تلك الأنظمة التي قدمت تنازلات للإمبريالية والصهيونية. "فعلى هذه النظم القيام بتغييرات جدية بهدف تحقيق المصالحة مع شعوبهم"xl، و"تحتاج القوى الاجتماعية أن تعمل بحرص وتساهم في حدوث تحولات إيجابية عبر الوسائل السياسية، بعيداً عن الصراع المسلح."xli لكن "من يرفع شعار أن تحرير الأنظمة العربية هو شرط مسبق لتحرير فلسطين يسير في الطريق الخطأ ويعقد مسألة التحرير."xlii وبالتناغم مع هذه الرؤية "رحب حزب الله بالتدخل القطري في جنوب لبنان. فقد تم اعطاء القطريين، بالرغم من علاقاتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ضوءا أخضر لإعادة إعمار الجنوب. وسوف يحدث ذلك في مقابل ثمن سياسي. هذا ولم تدن صفوف الحزب أو صفوف المقربين منه – سوى بشكل محدود – كل من مصر والأردن والمملكة العربية السعودية.xliii

درس من الماضي

لم يستطع أي جيش عربي تحقيق ما قام به حزب الله خلال حرب الـ33 يوماً. لكنها ليست المرة الأولى التي تظهر خلالها قوة حرب عصابات تبدو على استعداد للقتال بشكل لا تستطيع أن تقوم به دولة عربية. فقد انبثقت حركة شبيهة في هيئة "منظمة التحرير الفلسطينية" عقب هزيمة 1967،xliv التي لم يتطلع إليها الفلسطينيون فقط باعتبارها قطبا للجذب بعد فشل الأنظمة العربية القديمة والجديدة، بل أيضا نشطاء من مختلف أرجاء الشرق الأوسط. مثلا، كتب طالب فلسطيني كان يحمل إسم ابراهيم علي في مجلة "إنترناشيونال سوشياليزم" في أوائل عام 1969: "إن حرب يونيو، التي فضحت وجود حالة مؤكدة من الفساد والإفلاس لهذه الأنظمة، أجبرت الفلسطينيين على إعادة تقييم موقفهم تجاه تلك الدول.. وقد عبر ذلك عن نفسه من خلال الدعم الشعبي الجارف لمنظمات حرب العصابات، التي تعمل باستقلال عن الحكومات العربية."xlv كانت فتح قادرة على استيعاب هذه المشاعر، وقد تولت قيادة الحركة الفلسطينية عبر تحقيق نصر ذو شأن على إسرائيل في مارس 1968، عقب مرور تسعة أشهر فقط على هزيمة 1967. فقد قام الإسرائيليون بهجوم كبير على قرية الكرامة الأردنية، والتي كان بها مقر حركة فتح. واستطاعت المقاومة الصمود في مواجهة الهجوم الإسرائيلي لوقت كاف مما أدى إلى جر الجيش الأردني إلى المعركة، ومن ثم إلى مصرع 28 إسرائيلياً وإصابة 80 أخرين، وخسارة أربعة دبابات.xlvi لكن ثبت أن معركة الكرامة كانت عملاً غير مثمر. فقد اعتمد النصر على تقدم الإسرائيليين في منطقة كان الفلسطينيون فيها مسلحين بالفعل وعلى مشاركة الجيش الأردني. لكن المعركة لم تقدم منهجاً قادراً على تحدى الجيش الإسرائيلي في فلسطين نفسها عبر الأردن. وكما يلاحظ إبراهيم على عن حق: "هجمات قوات العصابات.. لم تكن مصحوبة بإقامة قواعد لحرب العصابات في المناطق التي تحتلها إسرائيل. ولا يمكن تفسير ذلك فقط بيقظة الإسرائيليين وعملياتهم الانتقامية الواسعة. فمعظم الموظفين الحكوميين في الضفة الغربية يتلقون راتبين – من الأردنيين والإسرائيليين. كما أن التهريب التجاري بين الشرق والضفة الغربية استمر بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف القرى العربية بالنابالم. يستخدم الإسرائليون سياسة ذات حدين، الردود الساحقة من جهة والتنازلات من جهة أخرى. ولم تضع أي من منظمات حرب العصابات برنامجاً، رغم أنها كلها تدعو إلى الكفاح المسلح من أجل إقامة فلسطين ديمقراطية لا صهيونية ذات قوميتين."xlvii ولم يكن هناك سوى طريق واحد كي تحوّل منظمات حرب العصابات الفلسطينية ميزان القوى لصالحها جذرياً، وهو المساعدة في تحقيق تغيير ثوري في أي من الدول العربية على الحدود مع إسرائيل. وكانت هناك إمكانيات قوية في هذا الاتجاه خاصة في الأردن. فقط كانت المملكة في حالة اضطراب متزايد، حيث فقد جيشها نصف أراضيه لصالح إسرائيل (كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية عام 1967)، وكان أكثر من نصف السكان في المنطقة التي لا زالت واقعة تحت السيطرة الأردنية من الفلسطينيين. وكان ضعف المملكة واضحاً من خلال السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية (بقيادة فتح) بالعمل كدولة داخل الدولة. ولكن بدلاً من العمل من أجل تنظيم ثورة للإطاحة بالملكية التي أقامها البريطانيون وأبرمت صفقات سرية مع الصهاينة لتقسيم فلسطين في 1947-1948، اتبعت قيادة فتح سياسة "عدم التدخل" في شئون الأردن. وعندما جوبهت الحركة بأسئلة بشأن الموقف من الدول العربية الرجعية فقد استخدم حتى ذوي الميول اليسارية في فتح القول العربي بأنه لا حاجة لقطف الثمرة من فوق الشجرة طالماً أن العاصفة سوف تأتي وتهز الشجرة – وكانت العاصفة هي هزيمة الصهيونية.xlviii وفي ذلك الوقت، تطلعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدول العربية المختلفة، بما فيها الممالك الرجعية في الخليج، من أجل الأموال – ووضعت سياساتها وفقاً لذلك. ورأينا عواقب ذلك عندما قرر النظام الملكي في الأردن إخراج منظمة التحرير من البلاد في أيلول الأسود عام 1970. وحتى وسط الهجوم عليها، بدلاً من اتباع استراتيجية ثورية بهدف تحطيم التحالف بين الجنود الأردنيين والنظام الملكي، وافقت قيادة فتح على هدنات مؤقتة سمحت للملكية بفرض الانضباط داخل القوات المسلحة قبل أن تمضي قدماً في الهجوم التالي. وفي وسط الكارثة، كان قائد فتح ياسر عرفات يظهر في الصور وهو يحتضن الملك الحسين ملك الأردن، باعتباره "أخاً عربياً".xlix ورد الحسين على ذلك بإجبار عرفات وقواته على ترك البلاد التي كانت أفضل موقع لخوض حرب العصابات ضد إسرائيل. ولا يمكن فهم سلوك حركة فتح دون فهم الأساس الطبقي لها. وبالرغم من أن الجماهير العريضة من العمال والفلاحين واللاجئين الفلسطينيين كانوا مساندين لفتح، إلا القادة السياسيين والعسكريين للحركة كانوا من الطبقة الوسطى، وهم يشبهون كثيراً في سلوكهم القادة الذين سيطروا على الحركة القومية العربية. وكان عرفات وباقي قيادة حرب العصابات مهنيين فلسطينيين – مهندسين مدنيين وما شابه ذلك – من الذين بدءوا حياتهم المهنية في دول الخليج الغنية بالنفط. وكانت منظمة فتح مُدارة بشكل هيراركي، في ظل أناس ذوي خلفيات اجتماعية متشابهة يحتلون المواقع القيادية ويتلقون مرتبات أضعاف تلك التي يتلقاتها المقاتلون العاديون. وكأفراد من هذه الخلفية الطبقية، فقد اعتبروا من المسلم به أن يحظوا بتأييد الطبقات الوسطى والعليا الفلسطينية من الناحية السياسية، وذلك بألا يكون العداء للاحتلال الإسرائيلي مرتبطاُ بتحدي الأساس الطبقي الذي يسمح بالوضع المتميز لهذه الطبقات سواء في داخل فلسطين أو في المنفى. نفس المنطق ساد بعد أيلول الأسود، عندما أقامت منظمة التحرير الفلسطينية قاعدة لها في جنوب لبنان. وكانت إمكانات الفعل الثوري متاحة عام 1975، عندما اتحدت القوى الفلسطينية مع اليسار اللبناني في حركة موحدة على أساس من النضال ضد الحرمان الاقتصادي والاجتماعي كانت قريبة من الإطاحة بالنظام. وكان التدخل السوري، بدعم من الولايات المتحدة، ضرورياً لأجل هزيمة الحركة. غير أنه بعد ذلك، اتخذ الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان بعض سمات الاحتلال الأجنبي، في ظل ما تردد حول ممارستهم القمع والتحرش بالسكان المحليين واللصوصية. لم يكن بوسع منظمة عسكرية تدار من أعلى إلى أسفل بواسطة عناصر من الطبقة الوسطى أن تتولى القيادة دون أن تسحق مصالح الطبقات الأدنى منها. وأخيراً، عندما أجبرت الانتفاضة الأولى 1987-1990 الإسرائيليين على التفاوض بجدية، كانت الحركة على استعداد لقبول جزء من السلطة في جزر منعزلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد كانت تأمل أن تتمكن من استخدام سلطة الدولة لتحقيق مصالحها على نطاق ضيق جداً، وهي المصالح التي لم يكن ممكناً تحقيقها على نطاق واسع دون حدوث تغيرات ثورية عبر العالم العربي بأكمله. ولم تجعل هذه المحاولات إسرائيل فقط طليقة اليد لتوسيع المستوطنات، ولكنها أيضاً أدت إلى إقامة مؤسسات فلسطينية تشبة مؤسسات الدولة، أصبحت سيئة السمعة نتيجة للفساد والقمع والترهل، كما لو كانت كل نقائص الأنظمة العربية قد جرى تركيزها في محاولة لتقليد تلك الأنظمة في تلك البؤر التي سُمح لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تديرها.

الأساس الطبقي لحزب الله

إن حزب الله، باعتماده على الصفقات مع الدولة اللبنانية وبرفضه تبني منظور ثوري إزاء الدول الأخرى، يواجه خطر السير في الطريق الذي سارت فيه منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات عدة. وإذا فعل ذلك، فإن الانتصار الذي حققه في الصيف لن تتم ترجمته إلى استراتيجية فعالة لمواجهة سيطرة الدولة الإسرائيلية على الفلسطينيين، أو لمواجهة المشاريع الإمبريالية بالنسبة للمنطقة ككل. لكن طريقة حزب الله في العمل ترتبط بالصفقات والتنازلات. فهذه الشبكة من منظمات الرفاهة المهمة جداً من أجل تعزيز قاعدته الشعبية لم تأت من الهواء. فلابد من أن يتم تمويل هذه الشبكة. والتمويل يأتي أساساً من مصدرين، أولهما الدولة الإيرانية، التي توجد بها قوى سياسية مؤثرة على استعداد للتعامل مع الولايات المتحدة إذا تم القبول بإيران كقوة إقليمية مؤثرة. والمصدر الثاني هو الطبقة الوسطى الشيعية وأصحاب الأعمال في لبنان والخارج. وطبقاً لما يقوله أحد الكتاب، فإن حزب الله يعتمد على "الإعانات من الأفراد والجماعات والمحلات والشركات، والبنوك، وكذلك من نظرائهم في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية وأوروبا واستراليا، ومن الاستثمارات التي يقوم بها حزب الله والتي تستفيد من كون لبنان اقتصاد يقوم على حرية السوق "به العشرات من المجمعات الاستهلاكية ومحطات الغاز والمحلات الكبيرة والمطاعم وشركات التشييد ووكلاء السياحة."l وليس غريباً أن تتبنى منظمة تعتمد بقوة على العمل في داخل النظام الرأسمالي برنامجا اقتصادياً "محافظا" في الداخل،li وترفض الإطاحة بالحكومات العربية المجاورة. وهذا الوضع يذكر المرء بالحد الذي تحولت فيه الراديكالية الاجتماعية للجيش الجمهوري الأيرلندي/الشين فين، إلى الاعتدال بفعل اعتماده على أموال المؤيدين الأغنياء في الولايات المتحدة، حتى رغم أن الجيش الجمهوري كان منخرطاً في حرب عصابات في أيرلندا الشمالية. غير أن العمل في إطار النظام يهدد بحدوث تأثيرات أخرى على حزب الله، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية. فالتنازلات التي يقدمها تتضمن اعتماد رجال الدين المعادين للإمبريالية والصهيونية الذين يقودون الحزب على شريحة من مهنيي الطبقة الوسطى، الذين خبروا حراكاً طبقياً لأعلى، للعب دور مهم في تقوية الشبكات الاجتماعية التي يبنيها الحزب. إذ "تكوّن المرشحون أو القوائم التي حظيت بمساندة حزب الله في انتخابات عام 2004 أساساً من أفراد من تلك الشريحة الاجتماعية – مهندسون وأطباء ومحامين ورجال أعمال".lii وفي إطار سيطرة مثل هؤلاء الأشخاص على سياسة حزب الله، فربما ليس غريباً أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية في برنامج الحزب في الانتخابات المحلية ليست أكثر راديكالية من برنامج حزب العمال البريطاني: "تشجيع المواطنين على لعب دور أكثر نشاطاً في اختيار مشروعات التنمية؛ زيادة وظائف وسلطات المحليات في تقديم خدمة التعليم والرعاية الصحية والشئون الاقتصادية والاجتماعية؛ إشراك إناس أكفاء في مشروعات التنمية؛ تمويل مشروعات التنمية عبر إيرادات المحليات والإعانات؛ السيطرة على العمل العام ومجابهة الاختلاس؛ تجديد البني المادية والإدارية للمحليات ومدها بأجهزة الكومبيوتر."liii أصبح حزب الله معتمداً على قوى في لبنان سوف تدعم حرب العصابات التي يخوضها طالما تردع تلك الأنشطة إسرائيل من مهاجمة لبنان واحتلاله. غير أن هذه القوى سوف تعوق أي تصور حول اتخاذ أعمال عدوانية تجاه إسرائيل – أو حتى وقوع استفزازات على الحدود بهدف سحب القوات الإسرائيلية إلى المصيدة داخل لبنان. وبهذا الشكل، فإن هذه القوى سوف تحبط أي طموحات بشأن تقديم مساعدات للفلسطينيين ضد الدولة الإسرائيلية.

رد فعل اليسار

فجّرت حرب لبنان موجة عاتية من المعارضة، ليس في البلدان الإسلامية فحسب، ولكن أيضاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية. فبعض هذه البلدان لم تشهد مظاهرات هي الأكبر من نوعها منذ السنة الأولى للحرب على العراق فحسب، لكن كانت هناك أيضاً إرادة غير مسبوقة في الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي. ويتناقض ذلك بشكل ملحوظ مع رد فعل معظم اليسار في حروب 1967 و1973، وحتى وقت الغزو الإسرائيلي للبنان الذي أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين واللبنانيين. لكن بعض المقولات والشعارات التي كانت تطرحها عديد من أقسام اليسار لا يزال يشوبها الضعف. فقد انجذبت إلى أمور تتعلق بـ"وقف إطلاق النار" و"حق دولة إسرائيل في الدفاع عن نفسها". خذ على سبيل المثال النهج الذي تبناه جورج مونبيو واحد من قليلين من كتاب الأعمدة اليساريين المبدئيين في صحيفة الجارديان. فبينما لم يتردد في معارضة العدوان الإسرائيلي، فهو وجد نفسه مضطراً إلى انتقاد حزب الله بسبب العمل الذي قام به ضد الدولة الإسرائيلية، رغم أن هذه الدولة قامت في الأسابيع السابقة بعديد من الهجمات الضارية ضد الفلسطينيين في غزة. فقد كتب يقول: "نعم، كان يجب أن تقوم الحكومة اللبنانية بسحب حزب الله من الحدود الإسرائيلية ونزع سلاحه. نعم، كانت الغارة الإسرائيلية والهجوم الصاروخي الذي قامت به في 12 يوليو غير مبرر وغبي واستفزازي، مثل كل ما حدث حول منطقة الحدود خلال الست سنوات الماضية." إذاً، فبعد أن دعا إلى "الانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا" يطالب أيضاً بـ"الدفاع عن الحدود مع الإبقاء على الضغط الدبلوماسي على لبنان لنزح سلاح حزب الله (وكما يمكن أن نرى جميعاً، يمكن أن يصبح ذلك قابلاً للتحقق إذا انتهى الاحتلال)."liv سادت مثل هذه المقولات في عديد من أوساط الليبراليين واليسار الاشتراكي الديمقراطي. فعلى سبيل المثال، لم يكن بعض مؤيدي "تحالف أوقفوا الحرب" في بريطانيا سعداء بقيام اللبنانيين بحمل شعارات ورايات حزب الله، كما لو أن ما هو مسموح بالتعبير عنه فقط هو نهج سلمي صرف. وحتى في أقصى اليسار، اتخذ البعض موقف "لا هذا ولا ذاك" – لا مع العدوان الإسرائيلي ولا مع المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله. ومن ثم، فقد كتب الحزب الاشتراكي في صحيفته الاشتراكي: "إن الناس العاديين في لبنان وإسرائيل وغزة هم من يدفعون ثمناً باهظاً. ولن يستطيع أي من الجانبين أن ينتصر. فلن يسيطيع حزب الله أبداً هزيمة الجبروت الإسرائيلي وتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال. ويمكن أن يؤدي النزاع الأخير إلى تعميق الخلافات بين الطبقات العاملة في إسرائيل ولبنان والأراضي الفلسطينية." ونقلت الصحيفة عن "اشتراكي إسرائيلي" قوله إن "الصراع الراهن يدور حول من يربح أكثر على صعيد المكانة السياسية. والذين يخسرون مما يحدث هي الطبقات العاملة في الجانبين.. وأساس هذه النزاعات الوطنية هو الصراع على السلطة بين الطبقات الحاكمة في المنطقة المدعومة من قبل قوى إمبريالية مختلفة." ووزعت الصحيفة أوراق كتيب يطرح أنه: "لا يمكن أن ينجح حزب الله الذي يهدف إلى تحطيم إسرائيل وإقامة دولة إسلامية على نمط النظام الرجعي الإيراني. كل ما يستطيع أن يفعله هو تعزيز الانقسامات بين السكان ذوي الأعراق والطوائف المتعددة في لبنان والشرق الأوسط." ولم يكن شعار هذا الحزب الاشتراكي "التضامن مع المقاومة"، ولكنه كان دعوة مجردة "من أجل فلسطين اشتراكية وإسرائيل اشتراكية كجزء من اتحاد كونفيدرالي اشتراكي في الشرق الأوسط". بنفس الطريقة، فإن قيادة الحزب الاشتراكي الاسكوتلندي الميت واقعياً اتخذت موقفاً تجاه الحرب يدين حزب الله، باعتباره "أحد المنظمات الإرهابية الأكثر وحشية في العالم" وينتقد الحزب بسبب "هجماته غير القانونية والقاسية عبر الحدود".lv وظهرت مشكلات كل تلك الأطروحات بمجرد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. فقد بدأت آلات الدعاية الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية في المطالبة بالإسراع في تشكيل قوة دولية تابعة للأمم المتحدة في ظل القرار 1701، للعمل مع الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، وإغلاق الحدود اللبنانية حتى يمكن إعطاء إسرائيل وسائل بديلة لـ"الدفاع" غير نزع سلاح حزب الله بنفسها. وفي واقع الأمر، فقد كانت هذه المطالب تعني احتلالاً أجنبياً للبنان. وبالطبع، لم يكن هناك أي حديث عن إمكانية وجود "احتلال أجنبي" في إسرائيل لمنع الهجمات اليومية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. كل أولئك اليساريين الذين عارضوا الأعمال العسكرية لحزب الله وإسرائيل وطالبوا ببساطة بوقف إطلاق النار فتحوا الباب أمام هذه الدعوات. ويثير هذا اللبس سؤالين مهمين بالنسبة لليسار بكامله على مستوى العالم، يتعلقان بتحليل كل من وضعية دولة إسرائيل، وسلوكيات المنظمات الإسلامية التي تواجه الإمبريالية والصهيونية. طبيعة الدولة الإسرائيليةlvi يكرر المعلقون الليبراليون-اليساريون والموالون للولايات المتحدة واليمين الإسرائيلي نغمة واحدة المرة تلو الأخرى، هي أن "دولة إسرائيل لها الحق في الوجود". وعندما يضع أي من كان هذا الطرح موضع تساؤل، يجري اتهامه بمعاداة السامية والرغبة في حدوث هولوكوست جديد، في الشرق الأوسط هذه المرة. غير أن "حق الوجود" بالنسبة لدولة ما يختلف تماماً عن "حق شعبها في البقاء على قيد الحياة". لقد شهد النصف الأول من القرن العشرين تدمير وتفكك عديد من الدول – على سبيل المثال الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. غير أن أحداً من اليسار-الليبرالي لم يبد الندم على سقوط تلك الدول، أو يعترض على المذابح الجماعية حينما حدثت. وبنفس الطريقة، شهدت السنوات الـ17 السابقة اختفاء الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا دون أن يصرخ أحد لأجل "حق هذه الدول في الوجود". فسواء كان المرء يؤيد أو يعارض استمرار دولة ما، فلا يتوقف ذلك على "الحق في الوجود" ولكن على طبيعة تلك الدولة والبدائل المطروحة لوجودها. يعتبر الملمح الأهم لفهم حالة الدولة الإسرائيلية أنها دولة مستوطنين – أي أنها واحدة من تلك الدول التي كونها المستوطنون الأوروبيون وقت نمو الإمبراطوريات الأوروبية. فمنذ نحو 120 عاماً، كان السكان اليهود في فلسطين التاريخية (الآن إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة) لا يتعدون آلاف قليلة، وكان السكان العرب مئات الآلاف. فطبقاً لتعداد الإمبراطورية العثمانية لعام 1893، فقد بلغ عدد السكان اليهود 9817 نسمة.lvii وإذا ما أخذنا في الاعتبار المهاجرين الجدد من اليهود، سيرتفع عدد اليهود إلى 25 ألفاً في مقابل 400-600 ألف من العرب.lviii أما نمو السكان اليهود ليصل إلى 55% من السكان في المنطقة، فقط كان نتيجة الاستيطان الكبير هناك منذ ذلك الحين. ومما يبين هذه الحقيقة هو أنه بحلول منتصف الستينيات، كان 24% فقط من البالغين الإسرائيليين قد ولدوا في فلسطين التاريخية – وكان 4% فقط من والدين ولدوا في فلسطين.lix ولا يمكن لهؤلاء السكان أن يزيدوا، ويكونوا دولة في 1948-1949 تضم ثلاثة أرباع مساحة المنطقة، إلا عبر نزع ملكية السكان الأصليين. وكما طرح الجنرال والسياسي الإسرائيلي ديان في 1956: "نحن جيل مستوطن، وبدون الخوذة المعدنية والمدفع، لن نستطيع زرع شجرة أو بناء منزل. لا تدعوا الكراهية التي يشعر بها نحونا مئات الآلاف من العرب حولنا تثنينا عن عزمنا."lx وبذلك، فقد كانت إسرائيل مثلها مثل دول الاستيطان الاخرى التي أسسها المستعمرون الأوروبيون على حساب السكان المحليين في أمريكا الشمالية واستراليا والجزائر أثناء الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وحقيقة أنه كان في طليعة المستوطنين إناس هاربون من القمع في أوروبا، خاصة عقب الهولوكوست، لا يغير شيئاً من الحقيقة الأساسية، وهي أن الاستيطان تم على حساب السكان المحليين. وفي حقيقة الأمر، فقد كان عديد من المستوطنين في أمريكا الشمالية قد تركوا بلادهم هرباً من الاضطهاد الديني أو الفقر، وعديد من المستوطنين في استراليا جاءوا بفعل التهجير من جانب بريطانيا، كما أن عديداً من الفرنسيين الجزائريين قامت فرنسا بترحيلهم إلى هناك عقاباً لهم على مشاركتهم في ثورة 1848 أو في كوميونة باريس. وبنفس الطريقة قام بالاستيطان اليهودي في فلسطين أفراد قاسوا اضطهاداً عنيفاً في أوروبا. لكن بمجرد وصولهم إلى أرض الغير، أصبح لابد أن يقوموا بأعمال عدائية ضد السكان الموجودين حتى يحافظوا على وجودهم. إذاً فإن منطق الاستعمار الاستيطاني هو أن أولئك الذين كانوا مُضطَهَدين، أصبحوا يضطهدون الغير. وكانت هناك نماذج مختلفة من الاستعمار. تضمّن نموذج أمريكا الشمالية واستراليا ما يقترب من إفناء السكان المحليين – وفي بعض الأحيان تم القضاء عليهم بالكامل – ومن ثم لم يمثلوا تهديداً للسكان المستوطنين وذرياتهم، ولم يؤثروا تأثيراً يذكر على طبيعة الدولة. وتضمّن نموذج الاستعمار الاستيطاني في الجزائر تحت الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، وجنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، استخدام السكان المحليين كمصدر للعمالة الرخيصة في مزارع وشركات المستوطنين البيض. ومن ثم، فقد تماهى كافة السكان البيض في هذه المناطق مع الوظيفة القمعية للدولة حفاظاً على المزايا التي كانوا يحظون بها – إلى الحد الذي جعل مليون فرنسي استوطنوا في الجزائر يهاجرون منها عقب الاستقلال عام 1963. وفي فلسطين، تضمن نموذج الاستيطان اليهودي طرد المستوطنين للسكان المحليين المقيمين في مناطق الاستيطان من أجل إنشاء مستوطنات ومشروعات يهودية صرفة. وكما أوضح توني كليف، الذي نشأ في فلسطين في العشرينيات والثلاثينيات: "جاء اليهود إلى فلسطين بفعل سلسلة من المآسي الإنسانية – مذابح روسيا القيصرية، والاضطهاد في شرق أوروبا، والهولوكوست الذي قامت به النازية. وعندما وصلوا إلى فلسطين، وجدوا أنه يسكنها العرب. وأيا كان الدافع الذي أتي باليهود إلى هناك، فلم يكن من الممكن تجنب النزاع بين المستوطنين اليهود والسكان العرب. فقد كان المستوطنون يشترون الأرض من ملاك الأراضي العرب، ثم يطردون الفلاحين العرب منها، واستثنوا العرب من المشروعات التي أنشأوها." "كان الفلاح العربي يعرض العمل بسعر منخفض جداً. كيف كان باستطاعة عامل أوروبي أن يجد عملاً في ظل هذا الوضع؟ كان الطريق الوحيد هو منع توظيف أصحاب العمل اليهود لأي عامل عربي. في تل أبيب، التي كانت تمتلك بالكاد 300 ألف نسمة عشية تأسيس دولة إسرائيل، لم يكن هناك عامل عربي واحد ولا ساكن عربي واحد." "ومنع الصهيانة الفلاحين من بيع منتجاتهم في السوق اليهودي. وعندما يتجرأ فلاح تحت ضغط الجوع على خرق هذه القاعدة يكون نصيبه الضرب." "وكان على كل عضو في اتحاد العمال الصهيوني، الهستدروت، أن يدفع ضريبتين: الأولى لأجل "العمل اليهودي" – أي أموال تستخدم في تنظيم دوريات وما إلى ذلك لمراقبة عدم تشغيل العمال العرب، والثانية لأجل "المنتج اليهودي" بهدف تنظيم مقاطعة المنتجات العربية. ولم يعارض أي حزب صهيوني، ولا حتى حزب هاشومير هاتزير، الآن المابام، أكثر الأحزاب "اليسارية" تطرفاً، مقاطعة العمال والفلاحين العرب. ذلك أن مقاطعة العرب كانت مسالة أصيلة في الصهيونية: فبدون هذه المقاطعة، لم يكن باستطاعة العامل أو الفلاح الأوروبي الحياة."lxi أثارت هذه الأفعال بالضرورة غضب الجماهير العربية. وكانت هناك طريقة واحدة فقط يمكن أن يحمى بها المستوطنون أنفسهم في مواجهة هذا الغضب، وهي عقد صفقة مع هذه الدولة الإمبريالية أو تلك. ومن ثم ففي العشرينات والثلاثينات، وبداية الأربعينات، تواطأوا مع البريطانيين – الذين على سبيل المثال أمدوهم بمساعدات عسكرية أثناء قيامهم بسحق الانتفاضة الفلسطينية في 1936-1939. ومكنّهم التدريب العسكري الذي تلقوه في ظل الحكم البريطاني – في ظل المساندة الدبلوماسية الأمريكية والأسلحة الواردة من شرق أوروبا – من الاستيلاء على معظم فلسطين التاريخية في ثلاث هجمات عسكرية (تخللتها هدنتان)، عندما تركت بريطانيا فلسطين عام 1948، واستخدام الإرهاب في طرد معظم السكان الفلسطينيين من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها. وفي العقود التالية، خفتت المصالح الإمبريالية البريطانية لصالح المصالح الأمريكية – ومن ثم فقد توجهت إسرائيل نحو الولايات المتحدة. لخصت صحيفة هآرتس الليبرالية الإسرائيلية علاقة إسرائيل بالإمبريالية في 30 سبتمبر 1951 على النحو التالي: "أعطيت إسرائيل دوراً لا يختلف عن دور كلب الحراسة.. إذا فضل الغرب لسبب أو آخر أن يغلق عينيه، فيمكنه الاطمئنان إلى أن إسرائيل سوف تعاقب بقسوة الدول المجاورة التي تتجاوز الحدود المسموح بها في التعامل مع الغرب."lxii وفي مقابل لعب هذا الدور فإن إسرائيل، رغم حجمها الصغير نسبياً، تتلقى ثلث إجمالي المساعدات الأمريكية الخارجية، وهو أكثر بكثير مما تتلقاه أية دولة أخرى. ويشير أحد التقديرات إلى أن أجمالي المساعدات الإمريكية إلى إسرائيل بلغ أكثر من 84 مليار دولار في الفترة من 1949-1997. ويعني ذلك أن كل مواطن إسرائيلي قد تلقى أكثر من 14 ألف دولار.lxiii ويذهب جزء كبير من هذه المساعدات إلى إمداد إسرائيل بالتكنولوجيا العسكرية الأكثر تقدما من أجل ترهيب دول الشرق الأوسط الأخرى ومهاجمتها إذا لزم الأمر. ومن ثم، فقد وُعدت إسرائيل بـ270 مليون دولار كمساعدات اقتصادية و2.04 مليار كمساعدات عسكرية في عام 2003.lxiv ويشير تحليل ماركسي كلاسيكي حول الدولة الإسرائيلية وضعه حاييم هانجبي وموشيه ماكوفر وأكيفا أور، إلى أن تلك المساعدات سمحت أيضاً لإسرائيل بالتمتع بالتوسع الاقتصادي دون أن تدفع لذلك ثمناً باهطاً: "في السنوات