Published on أيّام اشتراكية (http://ayyam.e-socialists.org)
العمال والسياسة : هل 200 احتجاج يكفون لكي يتغير الحال؟
By ayyam.admin
تم الإنشاء 2007/12/02 - 16:53

المؤلفون: 
تامر وجيه [1]

المؤلفون:

تامر وجيه [2]

المصدر:

(2006)

Notes:

نشر هذا المقال بجريدة "الاشتراكي" التي تصدر عن مركز الدراسات الاشتراكية، العدد 3 بتاريخ 2 ابريل 2006

النص الكامل:

تقول إحصاءات "مركز الأرض لحقوق الإنسان" أن عدد احتجاجات العمال وصل في 2005 إلى رقم قياسي: 200 اعتصام وإضراب وتجمهر وتظاهر. هذا التصاعد في الاحتجاجات العمالية يطرح سؤالين مهمين نحتاج إلى الإجابة عليهما. فلماذا لا تؤدي زيادة المعارك العمالية إلى نتائج "تنظيمية"، أي إلى تنظيم (أجزاء من) الطبقة العاملة في روابط واتحادات ونقابات ولجان حقيقية تعبر عن مصالحهم؟ ولماذا لا تؤدي زيادة المعارك العمالية إلى نتائج "سياسية"، أي إلى رفع (بعض) العمال لشعارات أوسع من مطالبهم المباشرة والجزئية ومرتبطة بمسائل أعم كالحرية السياسية والسياسات العامة للحكومة كخصخصة البنوك والتأمين الصحي وخلافه؟ هذان السؤالان يلخّصان المشكلة من وجهة نظر أي مناضل اشتراكي. فالاشتراكي يؤمن أن دور العمال مركزي في التغيير السياسي والاجتماعي الشامل. ولذلك فإن أول ما يشغل باله هو أحوال العمال: هل يتحركون بشكل فردي أم بشكل جماعي؟ هل هم منظمون أم مفتتون؟ هل يطلبون مطالب جزئية أم يطرحون مطالب سياسية؟

المصنع

الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ من إدراك حقيقة مهمة جدا، هي أنه في أحيان كثيرة تسبق الحركة على الأرض الوعي والتنظيم. فبغض النظر عن الفلتات الفردية التي تسمح لأقلية من العمال بفهم متماسك للواقع السياسي، فإن "الطبقة العاملة ككل"، أو قطاعات مهمة منها، لا يتكون لديها وعي سياسى-طبقي ولا تبني نقابات أو اتحادات إلا عندما تفرض عليها الضرورة ذلك وتسمح لها الظروف بذلك.

يبدو إذن أن الـ200 احتجاج سنويا ليسوا كفاية لكي يتحرك العمال خطوة مهمة إلى الأمام. فلماذا؟ السبب أن العمال يناضلون في ظروف صعبة. فالتجربة المباشرة التي عاشوها على مدى العشرين سنة الماضية تقول أن المطالب الجزئية الخاصة بالحافز أو الوجبة صعبة المنال، فما بالك بالمطالب الأكبر التي تغيّر اتجاه الدولة في الصميم؟ التجربة أيضا تقول أنه لا حاجة ملحة إلى تنظيمات نقابية تضم عمالا من شركات مختلفة لأن الاحتجاجات محدودة بحدود مصنع واحد هو مصنعهم.

حتى يتغير هذا النوع من التفكير، وحتى يتحقق الإقدام على مطالب أخرى، يحتاج العمال إلى تجربة تهزهم من الأعماق.

ففي ظل ميراث التفكك والهزائم المتكررة والديكتاتورية الذي يعيشه العمال، لا يمكننا أن نتوقع أن يتجاوزوا حالتهم الراهنة إلا إذا كان ضغط التطورات الواقعية كبيرا إلى الحد الذي يجبرهم على تغيير ما اعتادوا عليه من أفكار وأفعال. فلو افترضنا مثلا أن العمال "فوجئوا" بأن نضال مصنعهم انتشر واتسع، دون قصد منهم، إلى مصانع وشركات كثيرة أخرى، فإن هذا ربما يفرض عليهم التفكير في الاتصال بهذه الشركات ومحاولة تنسيق النضال. ساعتها ستنشأ فكرة "التضامن" وتتحول إلى واقع ليس من خلال الإقناع النظري، ولكن من خلال التجربة.

ولو افترضنا مثلا أن العمال اكتشفوا، وسط أحد نضالاتهم، أن إضرابهم أو اعتصامهم هز رجال الدولة وأخافهم ودعاهم إلى التنازل، فإن هذا سيشجعهم على طرح مطالب أوسع، وهكذا.

التجربة العملية إذن تلعب دورا كبيرا في تغيير أفكار العمال. فهم، ككل البشر، يكتشفون إمكانيات جديدة وهم يتحركون. هذا يكون صحيحا بالذات لو كانت كل خبراتهم، أو معظمها، سلبية أو مهزومة. في هذه الحالة يكون الاحتمال الأكبر هو أن الثقة بالنفس مرة أخرى تأتي من تجربة ناجحة حدثت "بالصدفة" (بالطبع كلمة صدفة هنا غير مناسبة. فبالتأكيد تحقيق انتصار مهم تكون له أسبابه الموضوعية. لكن نحن نقصد بالصدفة هنا أن العمال أحيانا لا يدركون مسبقا أن انتصارهم وارد).

السياسة

لكن ما قلناه حتى الآن لا يستكمل الصورة كلها. فنحن ركزنا فقط على تجربة العمال داخل المصنع، وعلى خبرتهم في النضال (أو الخضوع) داخل أسواره.

لكن العمال لا يعيشون في المصنع فقط. هم أيضا يعيشون في مجتمع أكبر، ويتأثرون بالأفكار الموجودة فيه. يتأثرون بالأفكار التي يطرحها التليفزيون والصحافة الحكومية. ويتأثرون أيضا بالأفكار التي تطرحها صحف المعارضة، خاصة عندما يبدأ صوتها في الارتفاع كما هو الحال الآن في مصر.

ليس هذا فقط، بل إن بعض العمال ربما يكونوا متأثرين بالإخوان المسلمين أو بالناصريين. وأقلية منهم بالتأكيد ذهبت إلى اللجان الانتخابية وأعطت أصواتها لمرشح معارض.

لا يهمنا هنا أي نوع من الأفكار تأثر بها العامل، ولا أي نوع من الخبرات السياسية خاضها. ما يهمنا هو أن تجربة المصنع ليست وحدها هي التي تشكل أفكار العمال أو تحدد طريقة تصرفهم.

هذه حقيقة هامة. فإذا كانت تجربة "بالصدفة" داخل المصنع قد تعطي العامل ثقة وتنقل وعيه وأفعاله خطوات إلى الأمام، فإن تجربة خارج المصنع ربما يكون لها تأثير مهم هي الأخرى. ما نقوله ليس مجرد كلام. هناك ما يثبته. ففي حالات كثيرة كان أحد الأسباب المهمة التي دفعت العمال للتحرك والنضال وتنظيم أنفسهم في نقابات بعض طول خوف وسكون، هو وجود حركات سياسية خارج أبواب المصنع أشعرت المجتمع كله، ومن ضمنه العمال، أن السلطة ضعيفة أو أن التحرك له أثر. هذا سبب كاف حتى يهتم أي اشتراكي بما يحدث خارج المصنع قدر اهتمامه بما يحدث داخله. لا خوف على الاشتراكي إن فكر هكذا. لن تكون هذه خيانة للنضال العمالي داخل المصنع. بل ربما، إذا فكر الاشتراكي صح، تكون الأحداث خارج المصنع وسيلة من وسائل تحريك الأوضاع داخله.

معركتان

هذه النقطة هي أحد الأشياء التي أستهدف الوصول إليها من هذا المقال. فواجبنا لا يقتصر فقط على المشاركة في معارك العمال الاقتصادية داخل مصانعهم، على رغم الأهمية القصوى لهذه النضالات. واجبنا أيضا أن نحاول تحريك أجزاء من الطبقة العاملة "من الخارج"، أي من خلال تحركات تقوم بها حركة التغيير أو أجزاء منها.

لا أحد يدعي أن حركة التغيير المصرية، بضعفها وتفككها في الوقت الحالي، قادرة على تفجير الحركة العمالية ونقلها نقلة كبيرة إلى الأمام. لكن الظروف الحالية تعطي إشارات واضحة على أنه توجد احتمالات لانفجار أزمة سياسية في النظام الحاكم يمكنها أن تفتح بابا للثقة في أوساط قطاعات جماهيرية عريضة. باختصار نحن ندعو إلى التحرك على مستويين: الأول هو خوض معارك الطبقة العاملة اليومية المباشرة بطريقة تحاول ربطها بباقي المعارك المطلبية وبالمعركة السياسية، والثاني هو السعي إلى تحريك الطبقة من الخارج من خلال الضغط على حركة التغيير، وعلى حركة المعارضة كلها، لدفعها إلى التوجه للعمال وتبني مطالبهم.

فقط تذكروا أن هناك 200 إضراب في العام. بالقطع تفرز هذه الإضرابات قيادات، أو حتى مشاريع قيادات، وربما يكون بعضها مستعدا للارتباط بالحركة السياسية.

هناك مشكلة واحدة في هذا النوع من التفكير، وهي أن اليسار غائب. فحركة التغيير لن تتجه إلى العمال من تلقاء ذاتها. هذا سيحدث فقط إذا ما كان بها تيار يساري مؤثر قادر على تجميع قسم مهم منها حول شعاراته، وعلى الضغط على باقي الأقسام للتحرك في هذا الاتجاه.

لا بديل إذن عن ربط معركة النضال في أوساط العمال بمعركة بناء بديل يساري مناضل وقوي. فهل سننجح؟

تعليقات القراء المنشورة على هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي مركز الدراسات الاشتراكية.

Source URL (retrieved on 2008/07/17 - 19:47): http://ayyam.e-socialists.org/ar/node/235

Links:
[1] http://ayyam.e-socialists.org/ar/node/54
[2] http://ayyam.e-socialists.org/ar/biblio/author/%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87