Published on أيّام اشتراكية (http://ayyam.e-socialists.org)
المسألة القبطية: بعض الملاحظات الأولية
By ayyam.admin
تم الإنشاء 2007/12/01 - 23:55

المؤلفون:

تراث الاشتراكيون الثوريون المصريون [1]

المصدر:

(2005)

النص الكامل:

هل أسلمت زوجة القس أم لم تسلم؟ هل خطفت وأجبرت على الإسلام أم كان لها عشيقا مسلما كانت تريد الزواج منه؟ امتلأت الصحافة الصفراء في الأسابيع الأخيرة بتحليلات وتحقيقات ومقالات حول قضية هذه المرأة، لكل منها روايته الخاصة والمميزة.

وقد فجر القضية قيام آلاف الشباب المسيحي بالتظاهر والاعتصام في ساحة الكاتدرائية مطالبين بعودة المرأة إلى الكنيسة وإلى زوجها القس. حتى أن كاتبا في مقام فهمي هويدي خصص الجزء الأكبر من مقاله بالأهرام لسرد ما يعتبره الرواية الصحيحة لقصة هذه المرأة التعيسة، ويكتفي بفقرة واحدة في نهاية المقال للقول بأن هناك غضبا كامنا في أوساط المسيحيين يتجاوز قضية وفاء قسطنطين.

ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الغضب المتنامي؟ هذه في القضية التي يجب أن تكون محور الاهتمام إذا كنا نريد الخروج من مستنقع الصحافة الصفراء وسيرك "الإثارة" والإشاعات والفضائح والانتقال لفهم جوهر القضية.

هل الأقباط أقلية مضطهدة في مصر؟ أم أن ما يعانون منه هو مجرد بعض المشاكل المتراكمة التي يجب حلها للحفاظ على "الوحدة الوطنية"؟

إذا كان تعريفنا للاضطهاد هو التمييز الرسمي والاجتماعي على أساس اللون أو الدين أو الجنس، فما من شك أن أقباط مصر يعانون ليس فقط من مشاكل، بل من اضطهاد منظم.

يختبئ بعض اليسار المصري في تناول هذه القضية وراء شعار "الدين لله والوطن للجميع"، ويرفض بشكل هستيري اعتبار القضية القبطية قضية اضطهاد؟ وكأن ترديد شعارهم الأجوف يكفى لحماية "الوطن" من مخاطر الفتنة الطائفية. ولكن هل مصر بالفعل وطنا للجميع؟

يركز المعلقون الليبراليون على أشكال التمييز الرسمي التي تعانى منه الطبقة المتوسطة القبطية. كمنع الأقباط من الوصول إلى المناصب العليا في أجهزة الدولة من جيش وأمن وقضاء والتمييز ضدهم في الوظائف الجامعية. وهذه الأشكال من التمييز بالطبع لا تؤثر إلا على شريحة معينة من الأقلية القبطية. فغالبية الأقباط مثل غالبية المسلمين في مصر من الفقراء، والمسلم الفقير مثله مثل المسيحي الفقير لا يمكنه الوصول إلى هذه المناصب.

هناك جانب آخر من التمييز الرسمي بين المسلمين والأقباط يتعلق بالإعلام والتعليم. فمن يتابع التليفزيون المصري لا يمكنه أن يكتشف أن هناك ملايين من المصريين لا ينتمون إلى الإسلام، بل لهم ديانة أخرى لها طقوسها وشعائرها الخاصة. فباستثناء صلاة العيد التي ينقلها التلفزيون بشكل مباشر كل عام من الكاتدرائية، والتهنئة الرسمية "للإخوة الأقباط" بعيدهم، لا نرى أي إشارة أخرى لوجود هؤلاء "الإخوة الأقباط".

ومن جانب آخر فمن يتمعن في مناهج التعليم الرسمية لن يستنتج إلا أن المصريين مسلمين 100%. فمناهج التاريخ واللغة والأدب مليئة بالإشارات و الاستشهادات القرآنية والإسلامية، أما تاريخ الأقباط وكنيستهم، والفترة المسيحية في تاريخ مصر القديم فيتم تجاهلهم أو في أحسن الأحوال تهميشهم.

هذه الأشكال من التمييز تلعب دورا هاما في تشكيل وعى قائم على الفصل بين المسلم والمسيحي. فبالنسبة للشاب المسيحي فهو لا يجد اعترافا واحتراما لخصوصيته الدينية إلا داخل أسوار كنيسته. أما الشاب المسلم فيعتبر المسيحي غريبا عنه ويصبح عرضة لتوليفة واسعة من الأكاذيب العنصرية حول هؤلاء المسيحيون وطقوسهم "المريبة".

الليبرالية الجديدة وتكثيف الاضطهاد

إذا كنا قد ذكرنا بعض أشكال التمييز الرسمي ضد الأقباط عموما فسياسات الليبرالية الجديدة التي يتبعها النظام المصري تخلق الأرضية المادية لتكثيف الاضطهاد وتوسيعه.

فمثلا تراجع الدولة عن تقديم خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم وصعود المؤسسات الدينية الخاصة الإسلامية والمسيحية في المناطق الفقيرة.

فبعد أن كان العامل المسيحي والمسلم يعالج في مؤسسات صحية عامة لا تميز (نظريا على الأقل) على أساس الدين، أصبح المريض المسلم يعالج في مستوصف الجامع، والمريض المسيحي في مستوصف الكنيسة.

ولأن في الحالتين لا يشكل العلاج الخيري الديني حلا حقيقيا للاحتياجات الصحية لغالبية الفقراء، فلا يمكن لهذا الانفصال إلا أن يخلق أجواء تؤجج من الفتنة الطائفية: "انظر كيف يبنى لهم الجامع مستوصف, أو أنظر كيف تبني لهم الكنيسة مستشفى".

أما على مستوى العمل فمع صعود القطاع الخاص الصناعي والخدمي انتشرت ظاهرة المؤسسات التي لا تشغل إلا عمالا مسيحيين أو مسلمين. نجد رب العمل المسلم "المؤمن" الذي لا يعمل بمصنعه إلا المسلمين، ونجد رب العمل المسيحي المرتبط بالكنيسة لا يعمل بمصنعه إلا المسيحيين.

هذا الوضع بالطبع يخدم مصالح البرجوازية القبطية والمسلمة معا. فبالنسبة للبرجوازي القبطي فهو يضمن وفرة من العمالة المسيحية الخاشعة الخاضعة القابلة بأبخس الأجور وأسوأ ظروف للعمل، والتي تقدم ولاءها التام لصاحب العمل المسيحي الذي يعطف على هؤلاء العمال المسيحيين بفرص عمل لكونهم مسيحيين مثله.

وهنا تلعب الكنيسة الدور الرئيسي كمورد للعمالة المسيحية الرخيصة للبرجوازية القبطية. الفقراء يلجئون للكنيسة بحثا عن عمل، والبرجوازية تلجأ للكنيسة بحثا عن العمالة الرخيصة، والكنيسة تلعب دور السمسار (مقابل تبرعات سخية من أغنياء الأقباط). ولا يقتصر الأمر على عمال المصانع والشركات بل على الخدم والحراس والمربيات في قصور الأغنياء.

أما البرجوازي المسلم فهو أيضا يخلق جوا من الولاء الديني من العمال لصاحب العمل المؤمن الذي يأمهم في الصلاة ويميزهم عن "الكفرة" و"المشركين" الذين يرفض تشغيلهم، وفى المقابل يكثف كما يشاء في استغلال العمال وتخفيض أجورهم.

البرجوازية المصرية إذا تستفيد بعنصريها المسيحي والمسلم من هذا الوضع، فهي تستفيد اقتصاديا من الولاء الديني لصاحب العمل والشعور بالتميز عن الآخر من خلال تكثيف الاستغلال. وتستفيد سياسيا من إعاقة توحيد الطبقة العاملة من خلال هذا التقسيم الطائفي اللعين. وكلما تعمقت الأزمات الاقتصادية كلما استخدمت البرجوازية ودولتها سلاح الفتنة الطائفية لتحويل الغضب الطبقي تجاه العدو الطبقي إلى غضب طائفي بين فقراء المسيحيين وفقراء المسلمين.

من المهم ملاحظة أنه على الرغم من أن الفقراء من الطائفتين يتضررون من هذه الأوضاع، إلا أن العامل المسيحي يكون في الوضع الأضعف. فهو إلى جانب تكثيف استغلاله مثله مثل العامل المسلم، يعانى من اضطهاد مباشر وغير مباشر لكونه مسيحي في التوظيف والتعليم والإعلام وحقه في الممارسة الدينية.

الكنيسة والإمبريالية والحلول الانفصالية

يلجأ فقراء المسيحيين للكنيسة لحل مشكلاتهم، ولكن الكنيسة ليست مؤسسة ديمقراطية تعبر عن آلام وآمال الفقراء، بل هي مؤسسة مرتبطة بشكل عضوي بمصالح أغنياء الأقباط في الداخل والخارج. فهم الذين يمولون نشاطاتها، بما فيها ما تقوم به من أعمال خيرية تجاه الفقراء. وهى أيضا مؤسسة مرتبطة عضويا بالنظام الحاكم، فهي تؤيد النظام في كافة سياساته مثلها مثل الأزهر (كلنا نتذكر الصلاة المشتركة للبابا شنودة وشيخ الأزهر عندما سقط مبارك خلال خطابه في مجلس الشعب)، وهى بالتالي متواطئة فيما تمارسه الدولة من أشكال اضطهاد للأقلية المسيحية.

ولكن فقراء المسيحيون يلجئون للكنيسة، فإلى من يلجئون؟ فالساحة السياسية يهيمن عليها التيار الإسلامي المعادى بطبيعته لمطالب المسيحيين، بل المطالب بتعميق ومأسسة اضطهادهم.

أما اليسار فإلى جانب هامشيته في الساحة السياسية، فهو يتجاهل قضاياهم ويكتفي بشعارات ليبرالية وطنية لا معنى لها.

وما بين كنيسة فاسدة ومتواطئة وساحة سياسية معادية أو غير معنية، يقع الكثير من المسيحيين في فخ الحلول الانفصالية. وإذا كان الانفصال الجغرافي غير ممكنا بسبب التداخل والاندماج السكاني للأقباط والمسيحيين، فهو يشكل طرحا سياسيا يزداد قوة مع اشتداد الأزمة. فالانفصال لا يعنى بالضرورة انفصالا جغرافيا، بل يشكل في الحالة المصرية انفصالا سياسيا واجتماعيا وثقافيا. فينسحب المسيحيون من الساحة السياسية المحلية والإقليمية، ونجد من يطرح أن قضايا مثل فلسطين والعراق والدور الأمريكي في المنطقة لا تخص الأقباط، بل أن هذه التطورات يمكن أن تخدم مصالحهم. فأمريكا المسيحية "الصليبية" تحارب "الإرهاب" الإسلامي، نفس "الإرهاب" الذي يحرق كنائسهم ويخطف نسائهم. "أمريكا المسيحية ستسمع صرخاتنا وستأتي لنجدتنا".

وعلى الرغم من عبثية وخطورة هذه الأفكار ففي غياب البدائل ومع اشتداد الأزمات تتحول إلى قوة مادية رجعية في أوساط الكثير من المسيحيين. وهل من الغريب أن تحاول الإمبريالية استغلال هذا الوضع لمصلحتها؟ ألا يفيد التهويل من قضية الأقباط في الضغط على النظام لتقديم المزيد من الخدمات للاستعمار الأمريكي في المنطقة؟ والأهم من ذلك ألا يمكن أن يشكل أقباط مصر قاعدة واسعة إذا ما سقط النظام وصعد نظاما إسلاميا معاديا للمصالح الأمريكية؟

اضطهاد الأقباط ليس مؤامرة أمريكية أو صهيونية بل واقع أليم يعانى منه ملايين المسيحيين الفقراء. ومحاولات الإمبريالية استغلال أوضاع الأقباط لخدمة مصالحها لا يعد أمرا جديدا أو غريبا، ولا يعنى بأي حال من الأحوال تجاهل قضايا الأقباط بحجة أن واشنطن تتحدث عنها. بل على العكس من ذلك فلن يمكننا كسب فقراء الأقباط للنضال ضد الإمبريالية والرأسمالية ونحن نتجاهل قضاياهم.

وهذا يرجعنا لليسار وموقفه من القضية القبطية. فإذا كان هدف اليسار هو توحيد الطبقة العاملة وقيادتها في النضال ضد النظام الرأسمالي والإمبريالي فمن البديهي أن هذا الهدف لن يتحقق إلا بوحدة نضالية بين العمال المسلمين والعمال الأقباط. وهذه الوحدة لا يمكن أن تأتى بمجرد ترديد الشعارات حول وحدة الطبقة العاملة. فلا يمكن كسب العامل القبطي لهذا المشروع النضالي إلا من خلال تبنى اليسار لمطالبه الخاصة بهويته القبطية، وليس فقط هويته الطبقية. ولا يمكن أيضا كسب العامل المسلم لضرورة النضال مع العامل القبطي إلا إذا أدرك أن مصلحته الطبقية تتناقض مع استمرار اضطهاد العمال الأقباط.

هذه المهمة ليست سهلة بأي حال من الأحوال، فقد ترك اليسار الساحة منذ عقود للحركة الإسلامية من جانب والكنيسة من جانب آخر. ولكن هذا هو الطريق الوحيد لتجنب أهوال الصراع الطائفي. إما بناء البديل الطبقي المتجاوز للانقسامات الطائفية أو السقوط في هاوية الحرب الأهلية. إما الاشتراكية أو البربرية.

تعليقات القراء المنشورة على هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي مركز الدراسات الاشتراكية.

Source URL (retrieved on 2008/07/23 - 20:24): http://ayyam.e-socialists.org/ar/node/217

Links:
[1] http://ayyam.e-socialists.org/ar/biblio/author/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86