الثورة الروسية: أول ثورة عمالية منتصرة في التاريخ
نشره adminz يوم سبت, 2007/11/03 - 18:24.المصدر:
(2007)النص الكامل:
بداية لابد من إيضاح الهدف من الكتابة حول الثورة الروسية الآن. ليس الهدف هو إزالة الأتربة عن أيقونة مقدسة تزين الجدران لنتلو في ذكراها تعاويذنا المحفوظة – فلا الثورة مجرد أيقونة، ولا نحن من حافظي التعاويذ! الهدف فيما نرى هو أن نتعلم من خبرة أول ثورة عمالية منتصرة في التاريخ.
ستعطينا قراءة خبرة ثورة 1917 القدرة على الدفاع ضد الأكاذيب التي تؤكد أن الثورة الروسية لم تكن إلا انقلابا سيء السمعة قاده أحد المغامرين، أو التي تطمئن نفسها بالترديد الممل لمقولة أن التجربة الكابوسية لأكتوبر 1917 لن تتكرر أبدا لأنها امتلكت ظروفا خاصة جدا تستحيل استعادتها في ظل عهد "ثورة" المعلومات والاتصالات! هذه الأكاذيب ستتساقط حالما نتتبع كيف استطاعت الجماهير أن تتقدم إلى مقدمة المشهد لتأخذ مصيرها بيديها وتصنع التاريخ.
وقبل أن ندخل إلى أحداث انتفاضة فبراير 1917، التي انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة الروسية، لا بد لنا من أن نلقي نظرة على الأوضاع العامة في روسيا القيصرية، والتي أفرزت فيما بعد ثورة اشتراكية أسقطت القيصرية وقضت على البرجوازية وحققت السلطة العمالية.
(1) قبل الثورة
علاقات القوى الطبقية
علاقات القوى الطبقية
يعني قانون "التطور المركب واللا متكافئ"، الذي صاغه ليون تروتسكي في أوائل القرن العشرين، تجاور مقومات التخلف والتقدم في بلد واحد بسبب من تأخر تطوره الرأسمالي. في بلد كهذا يحدث التطور نتيجة قفزات فوق مراحل عديدة مرت بها الدول المتقدمة الأخرى على مدى عقود وقرون.
ولقد كانت روسيا المتخلفة أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي هي إحدى ساحات تطبيق هذا القانون. حيث تطورت صناعتها بسرعة بالغة بينما بقيت غالبية أشكال الإنتاج الزراعي حتى اندلاع الثورة في مستوى زراعة القرن السابع عشر تقريبا.
وفي وقت مبكر اندمج رأس المال الصناعي ورأس المال المصرفي بشكل كامل مما عنى ارتباط الصناعة بسوق الأوراق المالية في أوروبا الغربية. حيث كان الأجانب يملكون حوالي 40% من مجموع رؤوس الأموال المستثمرة في روسيا.
وهكذا حددت بنية الصناعة الروسية وظروف تطورها الطبيعة الاجتماعية لبرجوازية البلاد وشكلها السياسي. وبما أن أهم المشروعات في مجالات الصناعة والمصارف والنقل كانت بيد الأجانب الذين وقفوا بشراسة جنبا إلى جنب مع البرجوازية المحلية الضعيفة ضد خلق نظام برلماني في روسيا، فقد أدى كل هذا للعزلة السياسية التي عرفتها البرجوازية الروسية ولموقفها المعادي للشعب والثورة.
كان "الكاديت" (حزب الديقراطيين الدستوريين) هو الإطار السياسي للبرجوازية الليبرالية التي نادت بالإصلاحات السياسية المحدودة والمتناسبة مع عجزها وضعفها ورغبتها في الوصول لحل وسط مع القيصرية المعادية للجماهير. وسنرى خلال أحداث الثورة كيف أثبت الكاديت، بعد استيلائه على السلطة في مارس 1917، عجزه وخيانته التامين للثورة ولمصالح الجماهير في السلام والخبز والحرية، وكيف أدى هذا العجز وهذه الخيانة إلى سقوط الكاديت من السلطة فاتحا الطريق لاستمرار وتعميق الثورة حتى النصر النهائي في أكتوبر.
أما بالنسبة للطبقة العاملة الروسية، فقد كان لقانون التطور المركب واللا متكافئ تأثير واضح على تطورها. حيث أنها لم تنحدر من الصناعات الصغيرة والورش الإنتاجية المتخلفة نسبيا كما هو الحال في الدول الرأسمالية الأولى التي تطورت صناعتها تدريجيا. فلم يأت العمال الروس من المدن بل من القرى، ولم تتكون الطبقة العاملة الروسية – المتمركزة في مصانع كبرى – ببطء بل بوثبات وتبدلات مفاجئة وبقطع عنيف لكل ما كان قائما بالأمس. ولقد تضافرت هذه العوامل مع نظام القمع القيصري الشديد في جعل العمال الروس مؤهلين تماما لتقبل أكثر الأفكار الثورية جرأة.
ونستطيع أن نربط عجز البرجوازية الروسية السياسي آنذاك بعدم قدرتها على جر العمال وراءها. ناضل العمال ضد الرأسماليين بشكل يومي في المصانع، ليس هذا فقط بل أنهم عرفوا كيف يعطون مطالبهم معنى أوسع. ولقد تعلموا ذلك مبكرا جدا.
ونظرا لشبكة المصالح التي ربطت بين البرجوازية وكبار الملاك الزراعيين فقد تقطعت الصلة بينها وبين الفلاحين كذلك. وحتى عندما واتت الفرصة البرجوازية في أحداث ثورة 1905 (المقدمة الحقيقية لثورة 1917) لكي تستخدم حركة الجماهير كورقة حماية من القيصرية، كانت النتيجة هي الفشل. ذلك أن العمال لم يمنحوها تلك الأمنية عندما نظموا صفوفهم في سوفييتات (أو مجالس عمالية) وتحركوا بشكل مستقل تماما عن البرجوازية ومال إليهم الفلاحون وعناصر ثورية من الجيش. ولكن لأن الطبقة العاملة وحزبها الثوري لم يكونا قد امتلكا بعد الخبرة الكافية لتصعيد الموجة لحدها الأقصى ثوريا فقد تأجلت، لمدة 12 عاما، اللحظة الحاسمة التي أطاحت بالقيصرية والبرجوازية.
بعد أحداث ثورة 1905، التي انفصل فيها البرجوازيون تماما عن جماهير العمال والفلاحين، أضحت البرجوازية أشد تحفظا وأكثر شكا ورجعية، وتقلص تأثير المثقفين الديمقراطيين بازدياد خضوعهم لليبرالية البرجوازية. هنا كانت البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة القادرة على تقديم برنامج وقيادة للفلاحين ولكافة الجماهير المضطهدة والمستغلة والمتأخرة.
ولقد تأسست على هذه الظروف مفارقة الثورة الروسية في 1917. ففي دولة لم تنجز بعد مهام ثورتها البرجوازية (الديمقراطية، الإصلاح الزراعي، الاستقلال السياسي الكامل)، أضحت الطبقة العاملة – وليست البرجوازية – هي الطبقة المؤهلة لقيادة المجتمع إلى التغيير الثوري. وكان معنى هذا أن الثورة العمالية في أكتوبر 1917 قامت على تضافر عاملين تاريخيين مختلفين تمام الاختلاف: حرب فلاحية، أي حركة تحدد فجر التطور البرجوازي، وانتفاضة بروليتارية، أي حركة تبشر بغروب المجتمع البرجوازي.
القوى السياسية
ولقد تعلم العمال الطليعيون الروس السياسة الاشتراكية الثورية في مدرسة البلشفية (الحزب العمالي الثوري في روسيا)، وأخذوا دروسهم الأولى من خلال الإضرابات والمظاهرات ومصادمات الشوارع مع الشرطة والجيش، وأيضا من خلال الحلقات الثورية السرية الأولى التي تأسست في روسيا في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر، وأخيرا من خلال المعلم الأعظم: ثورة 1905.
ونظرة سريعة على عدد واتساع الإضرابات التي شهدتها روسيا في سنوات المد والثورة (من التسعينات وحتى 1907، ومن 1912 وحتى 1917) تجعلنا نكتشف عمق الطاقة الثورية التي امتلكها عمال هذا البلد المتخلف صناعيا والذي وصل عدد عماله في 1905 إلى مليون ونصف المليون وفي 1917 إلى مليونين.
وبالفعل كانت الحركات والأحزاب الثورية في حالة غليان وتطور – بل وتبدل عنيف – في طول المراحل المؤدية إلى 1917. كان هناك البلاشفة، الذين أسمتهم تقارير الشرطة السرية "المجموعات والأفراد المتحلقين حول لينين". كان البلاشفة هم أكثر القوى فعالية وحماسا، وكانوا يتميزون عن باقي القوى الاشتراكية بنضالهم المستميت ضد رضوخ الطبقة العاملة الروسية لسيطرة البرجوازية الليبرالية، وبدفاعهم المتواصل عن استقلالية السياسة البروليتارية وعن المصالح الكلية وطويلة الأجل للعمال. كان الحزب البلشفي يعبر في حقيقة الأمر، وبشكل رئيسي، عن المطامح الثورية للعمال، وأيضا عن مطامح اغلب الفلاحين الفقراء معدومي الملكية الذين خانتهم البرجوازية في 1905.
أما المناشفة، وهو حزب يضم اشتراكيين من كل جنس ولون، فقد كان – كما أثبتت الأحداث – قلعة الانتهازية في الحركة العمالية الروسية. اعتقد المناشفة إنه بما أن هناك ملامح برجوازية أساسية للثورة الروسية القادمة، فإنه من الواجب على العمال أن يسيروا وراء البرجوازية، وأن يقبلوا مشروعها السياسي بكامله وبدون اعتراض. ظل المناشفة، طوال السنوات المؤدية إلى الثورة، يحاولون "قيادة" البروليتاريا الروسية إلى "تذيل" البرجوازية الرجعية. وهكذا، فإن حجتهم الأساسية ضد أي مبادرة ثورية حقيقية للعمال، كانت دائما: "أننا بهذا سنخيف الليبراليين وسندفعهم إلى أحضان القيصر! والواقع أن الليبراليين كانوا قد وقعوا منذ زمن طويل في أحضان القيصر – زمن يسبق بكثير زمن وقوع المناشفة في أحضان الليبراليين.
ومن ناحية أخرى كان هناك حزب الاشتراكيين الثوريين، وهو حزب البرجوازية الصغيرة الفلاحية في روسيا. ولقد تميز تاريخ هذا الحزب الذي ورث حركة الشعبويين (المناضلين الأوائل ضد القيصرية) بالتذبذب بين أقصى المتناقضات. وفي مرحلته الأخيرة – عشية الثورة – كان الحزب قد تكيف مع مقتضيات التطور البرجوازي، عاكسا بذلك عدم قدرة ممثلي الفلاحين – "المستقلين" عن الطبقة العاملة – على الاستقلال عن البرجوازية ومصالحها الاستراتيجية.
هذه، وبشكل مخل، هي خريطة القوى "الاشتراكية" الأساسية التي تصارعت على مدى الشهور الثمانية من فبراير وحتى أكتوبر 1917، والتي عبرت عن الميول والإمكانات المختلفة التي خلقتها روسيا الثورية.
الحرب العالمية
بدأت الحرب العالمية الاستعمارية الأولى في عام 1914، وشاركت فيها روسيا القيصرية بأطماعها المحدودة. قبل بداية الحرب كانت الحركة العمالية تمضي من تصاعد إلى تصاعد. ولكن مع اندلاع القتال – وفي السنتين الأولتين – حدثت تغييرات مهمة. عبأت الحكومة المجموعات الفعالة والثورية من العمال وأرسلتها إلى الجبهة، ففقدت الطبقة العاملة أفضل عناصرها الثورية. من ناحية أخرى، بدأت الحكومة في قمع سافر للإضرابات وعطلت الصحف وخنقت نشاط النقابات. كذلك، استخدمت المصانع الأطفال والفتيات والفلاحين بأعداد كبيرة عوضا عن الذاهبين للحرب مما عرّض الطبقة العاملة للترهل والتخلخل في تماسكها ووحدتها. ثم أنه بإزاء الطنطنة الوطنية المرتفعة في كل مكان، خفتت شعلة التحركات العمالية وانحسرت ومضاتها في صدور العمال.
في غمار كل هذا كان من الطبيعي أن ينعزل الثوريون البلاشفة عن أوساط العمال، خاصة وأن الحكم القيصري لاحق وسجن ونفى كل العناصر الأساسية في هذا الحزب الذي كان يعد الأخطر على مصالح طبقة حاكمة متعطشة للدماء.
نتيجة لهذا، خمدت جمرة الثورة التي كانت قد بدأت تشتعل قبيل الحرب. خمدت الجمرة ولكنها لم تنطفئ. فقد كانت فقط مختبئة تحت كل هذا الغبار، تنتظر أول هبة ريح حتى تعاود الاشتعال. وللمفارقة، كانت الحرب – التي أخمدت الجمرة بادئ ذي بدء – هي العاصفة التي أشعلت الحريق من جديد.
وفيما يتعلق بالحرب، لم يكن اشتراك روسيا فيها قائما على أية أطماع إمبريالية عريضة فيما عدا بعض التطلعات الإقليمية الضئيلة. كان اشتراك الحكم القيصري في الحرب – في الواقع – ثمنا لكون روسيا دولة عظمى حديثة عليها أن تتحالف مع الدولة المتقدمة التي حصلت منها مؤخرا على الأسلحة الحديثة كما حصلت من قبل على الميكنة الصناعية. فبالنسبة لحلفائها، كانت روسيا تمثل مستعمرة، وإن كانت من نوع أرقى من العادي. ولذا، لم تكن لعبة الحرب مضمونة لروسيا إلا بمقدار ظهورها في القتال كتابع مخلص عسكريا للسادة الحلفاء، كما هو الحال في علاقتها الاقتصادية بهم.
ولم تكن الهزائم الجزئية التي منيت بها روسيا سوى نتيجة طبيعية للتناقض الحاد بين تخلفها الصناعي وبين متطلبات الحرب. وإذا كان لهذه الهزائم من ميزة فهي أنها جعلت الجماهير تدرك – بثمن الدم – كيف أن أرواحها أرخص ما في الوجود بالنسبة لطبقتها الحاكمة. إذ لم تفقد أي دولة أخرى مثلما فقد روسيا من ضحايا: مليونان وخمسمائة ألف قتيل، أي ما يعادل 40% من مجموع خسائر جيوش الحلفاء كلها. لم تأت من فراغ إذن مقولة آن "انجلترا مصممة على الصمود حتى آخر قطرة من دماء الجندي الروسي!"
بدأ الجنود يفقدون حماستهم للقتال، وبدأت بعض العناصر في التذمر والفرار من جحيم الموت على الجبهة ومن عذاب المعاملة في الثكنات. وانتشرت – بناء على ذلك – الأقوال التي نددت بالجيش المتخاذل الجبان. وكان رد فعل السلطة على تهاوي المعنويات هو إعدام الرجال رميا بالرصاص.
في تلك الظروف ارتفع صوت التحريض الثوري مرة أخرى في صفوف الجيش. حيث لعبت العناصر الثورية التي أبعدت إلى الجبهة أول الحرب دورا محوريا في تحويل غضب الجنود (الفلاحين في الزى الرسمي) إلى وعي سياسي بالروابط بين الموت على الجبهة وبين الاستبداد والاستغلال في الداخل.
ولكن إذا كان الجنود قد تعلموا بالخبرة المريرة أن الحرب ليست حربا من أجلهم، وأن النصر فيها كالهزيمة تماما لن يبدل بؤس الأحوال، وأن السلام وحده هو ما يريدون؛ إذا كان الجنود قد تعلموا كل هذا، فإن السؤال قد أصبح "كيف يمكن وقف هذه الحرب الاستعمارية الغشوم بينما هناك داخل روسيا من يقف على الضفة الأخرى من نهر الدماء ليحصى القتلى ويحصى أيضا الأرباح الطائلة التي يجنيها من وراء استمرار القتال؟!
فبالفعل كانت الفترة ما بين عامي 1915 و1916 فترة رواج هائل بالنسبة لعدد من الشركات والمصانع التي حققت ثروات حقيقية وأرباح مرتفعة بسبب الحرب. فمثلا إحدى شركات النسيج في موسكو وصلت أرباحها إلى حوالي 75%، وشركة مانيفاتورة أخرى وصلت مكاسبها إلى 111%.. وغيرها كثير بينما العاصمة تعاني من نقص الخبز والحاجات الأساسية. كان المجتمع الراقي كله في حالة انتعاش مثيرة للتقزز نظرا لأوحال الدم التي يسير عليها من دون مبالاة. وكان من الطبيعي أن نجد سادة هذا المجتمع يرفعون ألوية الوطنية ليل نهار، وأن نجدهم – على الجانب الأخر – يتحسرون على حالة جيشهم المريض وعناصره المتمردة.
ولكن انتعاش البورصة الذي غذته دماء الجنود لم يكن له نتيجة إلا استمرار الحرب، وبالتالي استمرار التوتر والغليان في الثكنات والمصانع. وقد كان رئيس حزب الكاديت محقا حين علق قائلاً: "إن التوتر وصل إلى على درجاته، وأننا نسير فوق بركان... يكفي أن يلقي أحدهم عود ثقاب حتى يشتعل حريق رهيب". ولكن حزب الكاديت هذا، الذي وعى رئيسة بالحريق القادم، لم يكن له هم سوى مطالبة القيصر المبجل بأن ينعم على روسيا بحكومة جديدة مؤلفة من شخصيات تتمتع بثقة البلاد – وبالطبع لم تكن هناك أية شخصيات تتمتع بثقة الجماهير آنذاك.
القيصر
ورغم كل هذا الخنوع لم يعر القيصر الليبراليين أي التفات ولم يفعل حيال الأزمات التي تحاصر إمبراطوريته وحكمه سوى الاستمرار في بلادته ولا مبالاته المدهشين. واصل القيصر هوايته في تأجيل انعقاد جلسات مجلس الدوما (أو الهيئة الاستشارية البرلمانية للدولة) المرة تلو المرة، وفي كل كرة كان نواب هذا المجلس يصرخون بأعلى أصواتهم: "يحيا القيصر"!
ربما لم يكن وقت القيصر يسمح بهذه التفاصيل الثانوية! فإلى جانب جولات الصيد والتنزه بالقوارب واستقبال الضيوف وتناول الطعام القيصري معهم... إلى جانب هذه الأشياء التي حفلت مذكرات القيصر الشخصية بها (والتي تنم عن فراغه النفسي والفكري التام) لم يكن للقيصر من هم سوى الإنصات إلى خزعبلات زوجته المستمدة في الأساس من رؤى صديقهم المشعوذ الفاسد "راسبوتين" الذي تصرف في شئون البلاد كسيد بلا منازع.
كان هذا هو حال القيصرية في حشرجة النزع الأخير، عندما امتزج العمى الكامل بالبلادة وفقدان الصواب. ورغم أن الجميع في الطبقة الحاكمة، النبلاء والارستقراطية، كانوا يستشعرون العفن المستشري في طبقتهم (وهذا ما دعاهم في محاولة أخيرة للخلاص إلى اغتيال راسبوتين "رأس الأفعى") إلا أنه لم يكن بوسع أحد أن يوقف التدهور. وكان الجميع يتحدثون عن ضرورة أحداث ثورة قصر (تغيير من أعلى). ولكن لم يكن يجرؤ أحد على المبادرة بفعل شيء قد يفتح عليه أبواب الجحيم.
وقد ظلت الأحلام بفعل "شيء إيجابي" تراود الأرستقراطية المحتضرة حتى اللحظة الأخيرة التي ظهر فيها أن الطبقة الوحيدة التي تملك القدرة على "توقيف عربة القيصر والحكم الاستبدادي" كانت هي – من دون شك – الطبقة العاملة الروسية يؤازرها الفلاحون الفقراء.
(2) الثورة
انتصار انتفاضة فبراير
"..وتوجهت مجموعة من النساء، لم تكن كلها من العاملات، إلى دوما البلدية للمطالبة بتوفير الخبز، ولكنها كانت كمن يطلب الحليب من تيس. وظهرت الأعلام الحمراء في أحياء متفرقة تحمل لافتات تقول بأن العمال يطالبون بالخبز، ويرفضون الحكم المستبد، كما أنهم لا يريدون الحرب..."
(ليون تروتسكي – تاريخ الروسية).
هكذا اشتعلت الشرارة الأولى للثورة في صباح 23 فبراير 1917 من خلال مبادرة الجناح الأضعف في الطبقة العاملة (عاملات النسيج)، ومعهم النساء اللواتي فقدن ذويهن من جراء الحرب. لكن منذ اللحظة الأولى كانت الصبغة السياسية واضحة لانتفاضة فبراير. فالعمال – في شعاراتهم ولافتاتهم – لم يستطيعوا فصل تدهور أوضاعهم عن ظروف الحرب مع ألمانيا أو عن فساد واستبداد القيصرية التي ترقص وتغني على طبول الحرب.
كانت انتفاضة فبراير تشق طريقها جيدا رغم أن أحدا من الحكام والقادة والزعماء وقتها – مثل حكومة القيصر أو الليبراليين أو حتى قادة الحزب البلشفي نفسه – لم يكن يعتبرها في البداية أكثر من مجرد مظاهرة مثل غيرها.. ستأخذ وقتها ثم تنتهي. وحدهم العمال والجماهير كانوا مصممين على أن تمضي الانتفاضة قدما معلنة للجميع أن ساعة التغيير الثوري قد حانت.
نزل العمال إلى الشوارع مصممين على طرح مسألة السلطة في مواجهة القيصرية ورجالها. وكانت القيصرية تهيئ نفسها – بعد أن عرفت أنها تواجه انتفاضة شبيهة بأحداث 1905 – للقمع السافر وفقا لخطة مدروسة أعدت جيدا باستقاء دروس ثورة 1905. كانت النقطة المفصلية في الخطة هي الاستخدام – في الوقت المناسب – لفصائل من الجيش لقمع المتظاهرين. ولكن أي جيش كان سيوظف في قمع الانتفاضة؟ أليس هو نفس الجيش المنهك، والذي يطالب بالسلم ولا يجده، والذي تسرى في أوساط جنوده روح التذمر والرفض؟
أصابت الجنود – المرسلين لقمع الانتفاضة – حالة من التردد والبلبلة. فهم يشعرون تماما بما يعانيه العمال والعاملات. بل أنهم هم أنفسهم يعانون من ظروف شبيهة، ويريدون للجماهير أن تنتصر. ولكن ماذا لو انضموا للعمال ووجهوا أسلحتهم للقادة والحكام؟ أليس من الممكن – هكذا كان يفكر الجنود – أن ينتهي الأمر إلى إخماد الانتفاضة؟ بعدها سيعود الجنود إلى الثكنات ليدفعوا ثمن تمردهم وعصيانهم.
الحقيقة أن أي ثورة يتوقف مصيرها على تحول الرأي العام في الجيش لصالح الثورة، ولن يحصل هذا التحول الحاد إلا إذا شعر الجنود بالثقة في إمكانية انتصار الثورة، أي إلا إذا شعروا بأن العمال مستعدون للنصر بأي ثمن حتى بدون أسلحة. هذا فقط هو ما سيدفع الجندي الفار من الثكنة إلى الاتحاد مع العمال الثائرين – وهذا بالضبط ما حدث في فبراير 1917.
كان العمال يشعرون بتردد الجنود، ويشعرون أيضا بالحاجة إلى الاتحاد معهم بأي ثمن. ولذا فقد توجهت الطاقة الأساسية في الأيام الأولى لجذب الجنود. العاملات بالذات لعبن دورا هاما في ذلك. حيث كن يذهبن إلى الجنود ويتحدثن إليهم داعين إياهم إلى الانضمام للثورة. وشيئا فشيء بدأ حاجز الخوف يتحطم بانضمام بعض الجنود إلى المتظاهرين، حتى أتي صباح يوم 27 فبراير، وهو اليوم الذي تمردت فيه كتائب الاحتياط الواحدة تلو الأخرى والتحمت بالجماهير هنا وهناك. وفي مساء نفس اليوم – 27 فبراير – كان مدى التحول قد وصل إلى أن أحدى السرايا تمردت وتركت مواقعها باحثة عن أول تجمع للثوريين لتضع نفسها تحت قيادته ولوائه!
طوال هذه الأيام الأربعة العاصفة والحاسمة – من 23 حتى 27 فبراير – كانت القوى السياسية والبلاشفة منهم مختفية تقريبا. فمثلا أول منشور لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين القريبة من البلاشفة لم يكتب إلا في مساء 26 فبراير وتم توزيعه صباح 27 وكان مليئا بالعبارات المترددة في نواحي عديدة، ولم يحرض الجيش على الانضمام لجانب الشعب. أما بالنسبة للبلاشفة فلم يكتبوا منشورا يدعون فيه الجنود للانضمام للعمال إلا في صباح 27 – بعد أن ترك الجنود ثكناتهم بالفعل في الصباح واتحدوا مع الجماهير التي بدأت في تنفيذ جدول أعمالها الثوري باقتحام أقسام الشرطة ونزع السلاح عن أفرادها ثم أطلاق سراح العمال الموقوفين هناك وكذلك المسجونين السياسيين.
من الذي قاد انتفاضة فبراير؟
"... وكانت أخبار الانتصارات المفرحة تأتي خبرا أثر خبر. وكنا تملك آليات مدرعة. وكانت هذه الآليات مزينة بالأعلام الحمراء تنشر الرعب في كل الأحياء التي لم تخضع بعد للثورة. ولم يعد الثائر بحاجة إلى الزحف تحت بطن حصان رجل الشرطة. فقد انتصبت الثورة بكل قامتها.."
(ليون تروتسكي – تاريخ الثورة الروسية).
وبينما كانت الثورة تنتصب بكل قامتها الشامخة، كان مسئولو الحكومة المتهاوية لا يزالون يطلبون وحدات جديدة لقمع المتظاهرين والمتمردين. وما أن تأتي الوحدات الخاصة المدربة جيدا على القمع، والموثوق في ولائها (!)، حتى تختفي.. وتقول التقارير أن مصيرها غامض. بدون شك لم يكن مصير هذه الوحدات غامضا تماما. فلم تنبت لها أجنحة ولم تحلق كشخصيات أسطورية، وإنما التحمت بالثورة وذابت في الجماهير. كان الالتحام بالثورة هو أكثر الأفعال طبيعية لجنود وجدوا في الثورة الخلاص من قمع ضباط الجيش القيصري، ومن دموية الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وهكذا، وفي غضون أربعة أيام، كانت الثورة قد أمنت لنفسها الانتصار الأولى الساحق – فلقد سقطت السلطة القديمة كثمرة متعفنة، ولكن لما تزل مسألة طبيعة السلطة الجديدة غير محسومة. فالي أي مصير كانت تتجه الثورة؟ وإلى أي طبقة ستئول السلطة؟ لقد اكتسبت هذه الأسئلة أهميتها آنذاك من حقيقة أن القوى السياسية كلها – حتى البلاشفة أنفسهم – كانت متأخرة عن حركة الجماهير في الأيام الحاسمة الأولى. فإذا كانت الثورة تقدمت خطواتها الأولى وحيدة وبدون قادة، فمن إذن الذي قاد انتفاضة فبراير 1917؟ ومن إذن الذي سيجلس على كرسي الحكم؟
بالنسبة للسؤال الأول – من الذي قاد الانتفاضة؟ – كانت الإجابة الشائعة والمبتذلة هي أنه "لم يقد أحد الانتفاضة، بل هي التي انفجرت من تلقاء ذاتها". الليبراليون وجدوا في هذه الفكرة – "انفجرت من تلقاء ذاتها" – ملاذا وحماية من إمكانية انعطاف الثورة ناحية البلاشفة، فتمسكوا بها بكل قوة. بلور الليبراليون اعتقادهم الساذج هذا في نظرية "القوى الأولية" التي مفادها أن الجماهير تحركت مطيعة لنداء داخلي لا شعوري. وبالرغم من الطابع الصوفي الأسطوري لهذه النظرية، إلا أنها استندت إلى حقيقة ضعف التنظيمات الثورية السرية الناجم عن السحق البوليسي المتواصل لها. فعلى سبيل المثال، لم تكن التنظيمات البلشفية قد قامت على قدميها بعد في فبراير 1917 بعد عهد كامل من السحق والتفتيت.
وقد فضح ليون تروتسكي – أحد أهم قادة ومؤرخي ثورة 1917 – زيف نظرية القوى الأولية ومنافاتها لحقائق الأحداث. أوضح تروتسكي أن انتفاضة فبراير "العفوية" لم تكن عفوية تماما. فقد كان لها قادتها المجهولين من العمال البلاشفة الذين تربوا – على مدى السنوات الماضية – في مدرسة لينين الثورية. ولكن لأن هؤلاء العمال الطليعيين – صناع التاريخ – لا يجدون الوقت ليدونوا أدوارهم الحاسمة والأساسية، فقد ضاعت تفاصيل أحداث الأيام الأولى التي قادوا فيها جماهير العمال إلى التظاهر والانتفاض واستمالة الجنود.
إلا أن تروتسكي يشير في نفس الوقت إلى أن هذه القيادة، وإن كانت كافية لتأمين انتصار الانتفاضة، إلا أنها لم تكن قادرة على وضع أدارة البلاد منذ البدء بين أيدي الطليعة الثورية. لقد كان هذا محتاجا ليس فقط إلى عمال ثوريين مشبعين بروح النضال والثورة، ولكن إلى جهاز حزبي قوى يوجه طاقات هؤلاء العمال ويقودها إلى الاستيلاء على السلطة، وهذا ما لم يكن الحزب البلشفي – المتردد والمحافظ في قمته حتى أبريل – قادرا على توفيره.
هنا بالضبط يكمن أصل الإجابة على السؤال الثاني: من الذي أوصلته أحداث فبراير إلى السلطة؟ لقد أوصلت انتفاضة فبراير الليبراليين (حزب الكاديت) إلى السلطة لأن قيادة البروليتاريا لم تكن مستعدة لاستلام السلطة، بالرغم من أن السلطة الحقيقية كانت في يد سوفييتات (مجالس) عمال وجنود روسيا، أي في يد العمال والجنود.
لقد استلمت البرجوازية، المذعورة من الثورة، السلطة بسبب من الفارقة بين ثورية حركة الجماهير وتأخر حركة القادة. وعلى أساس هذا المفارقة وتناقضاتها كان إيقاع الأحداث يسير من فبراير وحتى أكتوبر.
مفارقة الثورة
"إن قلب السلطة القديمة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وتستطيع البرجوازية في ثورة من الثورات الاستيلاء على السلطة لا لأنها ثورية، بل لأنها البرجوازية. فهي تسيطر على الممتلكات، والتعليم، والصحافة، وشبكة من نقاط الاستناد، وتسلسل في المؤسسات. ويختلف الوضع بالنسبة للبروليتاريا. إذ لا تستطيع البروليتاريا المتمردة الاعتماد إلا على نفسها، وتماسكها، وكوادرها، وأركانها، لأنها محرومة من المزايا الاجتماعية الموجودة خارجها".
(ليون تروتسكي – تاريخ الثورة الروسية).
في كل الثورات السابقة على الثورة الروسية كان الوضع يسير دوما كالتالي: يقاتل العمال وصغار الصناع وعدد من الطلاب أمام المتاريس، وينجحون في شد بعض الجنود إلى جانبهم. ولكن البرجوازية المترفة، التي راقبت قتال المتاريس من النافذة، تنجح في التقاط ثمرة السلطة من قلب الدماء والخراب. وإذا ما قسنا ثورة فبراير بهذا المقياس البسيط فلن يكون هناك أي مجال للعجب فيما يتعلق باستيلاء البرجوازية على السلطة بعد انتهاء أيام فبراير العاصفة.
ولكن ثورة فبراير 1917 تختلف عن سابقاتها. فهي تتميز بطابع اجتماعي رفيع وبمستوى سياسي عالي تمتعت بهما الطبقة الثورية. وتتميز أيضا بحذر وروح معادية إزاء البرجوازية الليبرالية، وبإنشاء جهاز جديد للسلطة الثورية في لحظة الانتصار ذاتها: سوفييت يعتمد على القوة المسلحة للجماهير. فلماذا أذن وقعت هذه الثورة أيضا تحت "طائلة القانون" الذي حكم سابقاتها؟
يتعزز هذا التناقض إذا ما علمنا أن البرجوازية الكبيرة نفسها لم تكن تفكر في استلام السلطة مطلقا، بل أنها كانت تعتبر الثورة خطرا مميتا على مجمل وضعها الاجتماعي. ولم تكن الديمقراطية السوفييتية – في حقيقة الأمر – مضطرة للتنازل عن السلطة للبرجوازية بحكم الظروف الموضوعية. فبرغم أن الأفكار السياسية للجماهير الثورية في هذه الأيام كانت مشوهة في عديد من النواحي، إلا أن شيئا واحدا كان واضحا في أذهانها بصورة لا تحتمل الشك: عداء البرجوازية الكبيرة والطغمة المالية وممثلوها السياسيين للمطالب المباشرة التي ثاروا من أجلها.
ولكن بالرغم من كل هذا، استحوذت البرجوازية على السلطة وشكلت حكومتها المؤقتة. ولفهم هذا اللغز علينا أن نتعرف على حلقة سياسية وسيطة في حلقات تتابع الوقائع: هي حلقة تأثير صغار البرجوازيين الديمقراطيين والاشتراكيين – الذين يجدون أساسهم الاجتماعي في فئات صغار ومتوسطي الموظفين في الصناعة والتجارة والمصارف، في الصحفيين والمهنيين، وفي البيروقراطية العمالية – على حركة وميول الجماهير في الأيام الأولي بعد انتصار ثورة فبراير. لقد لقن هؤلاء – المولعين دائما باللفظية الثورية، ولكن ذوي الميول الوسطية والمترددة – الجماهير أن البرجوازية هي الخصم الأول. لكنهم كانوا يخشون في نفس اللحظة من سلطة هذا الخصم. ولهذا السبب فقد استحقوا لقب ممثلي الطبقة الثالثة: أي الطبقة التي تقع بين البرجوازية والبروليتاريا. ولقد كان لهؤلاء في روسيا أسم سياسي محدد: المناشفة والاشتراكيون الثوريون.
ولقد لعب هؤلاء الوسطيون دورهم على النحو التالي: خلال الأيام الأولى للثورة قبل انتصار الانتفاضة – عندما كان القتال في الشوارع – كان العمال البلاشفة يمثلون فيالق الهجوم الأكثر طليعية، وكانوا يتعرضون للخطر والقمع أكثر من غيرهم. ولذلك فقد كانوا في هذه الأيام هم القادة الحقيقيون لجماهير العمال في معركة الالتحام مع القيصرية. أما بعد تأمين الانتصار فقد تبدل الوضع. إذ لم تعد المسألة قتال شوارع وإنما اختيار سياسي بين قوي متباينة ومتناقضة. عند هذه النقطة لعب التشوش السياسي الأولي لدى الجماهير دورا حاسما. فلم يكن هناك سوى أقلية ضئيلة بين العمال فهمت بم يتميز البلاشفة عن غيرهم من الاشتراكيين (المناشفة والاشتراكيون الثوريون).
وهكذا فقد أتاحت انتخابات مجالس السوفييتات نجاحات هائلة للمناشفة والاشتراكيين الثوريين. فقد صوت المتطوعون، والكتبة، وضباط الصف وغيرهم في الجيش لصالح الحزب الاشتراكي الثوري الذي يعبر أفضل من غيره عن جمود تلك الفئات وقصورها السياسي. أما الجنود العاديون فقد ساروا وراءهم ببساطة لأنهم لم يدركوا الفارق الذي اتضح في الشهور التي تلت ذلك بين هؤلاء وبين البلاشفة. من جهة أخرى، سار العمال وراء الكتلة الأساسية في الجيش لأنهم كانوا يريدون توثيق تحالفهم المشترك بالدم مع الجنود. ولذلك فقد صوتوا للاشتراكيين الثوريين وحلفائهم المناشفة.
نتجت عن هذه المفارقة – اختلاف قادة المتاريس عن قادة السوفييتات – وضعية جديدة ومتناقضة. فلقد وضعت الجماهير ثقتها في القادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين للسوفييتات. ولكن هؤلاء كان همهم الأول هو فرض استلام السلطة على العدو الطبقي: البرجوازية! ولأجل ذلك ابتدعوا حججا مثيرة للشفقة حقا بسبب تهافتها وانتهازيتها. مثلا تلك الحجة المذهبية – المتشددة ظاهريا – التي تقول أنه بما أن الثورة برجوازية فإن علينا – كاشتراكيين – ألا نتورط في استلام السلطة وعلى البرجوازية أن تتكفل بنفسها! حجة أخرى عملية هذه المرة أثارها الوسطيون تقول أن القوى الديمقراطية – يقصدون أنفسهم – لو حكمت روسيا (وكان جهاز حكمها هو السوفييتات) ستتناثر كل التنظيمات المؤثرة وستتفتت الدولة!
كل هذه الحجج كانت بالطبع هراء. الحقيقة هي أن البرجوازية الصغيرة كانت تخفي وراء مذهبيتها وتشددها وتحذلقها عجزها وعدم أهليتها، وكانت تخفي أيضا ولعها ونفاقها لقوة الثروة ولجهاز الدولة الذي لا يقهر. كان صغار البرجوازيين يعترفون للبرجوازية الكبيرة بنوع من الحق الأساسي باستلام السلطة، بصرف النظر عن موازين القوى الطبقية.
لقد كان الديمقراطيون يخشون من السلطة، ولا يثقون في الجماهير ومدى دعمها. ولذلك فقد رأوا أنهم ليسوا مدعوين لاستلام قيادة الشعب في مده الثوري القصوى، بل هم معينين كجناح يساري للنظام البرجوازي.. كخيط واصل بينه وبين الجماهير، لا كقوة حاسمة تقطع كل الصلات مع النظام القديم. وكانت النتيجة الطبيعية لكل هذا هي أنهم سلموا السلطة على طبق من فضة لعدو طبقي لم يكن يحلم بها. ويوم ذهب ممثلو المجلس التنفيذي للسوفييتات لمجلس الدوما (البرلمان) لمناقشة "شروط دعم السوفييتات للحكومة الجديدة" سكت برنامجهم عن مسألة الحرب سكوتا تاما، كما أسقط مسألة إعلان الجمهورية، وكذلك توزيع الأراضي، وبالطبع تحديد يوم العمل بثماني ساعات. سكت البرنامج عن كل ذلك، ولم يتمسك إلا بطلب واحد وحيد: هو حرية التحريض بالنسبة للأحزاب اليسارية! هنا نستطيع أن نفهم أي نوع من الاشتراكيين أولئك الذين يملكون السلطة بالفعل، ويملكون منح أو منع حرية التحريض للآخرين، ولكنهم يتنازلون عنها طواعية لأعدائهم الطبقيين "شريطة أن يعدوهم بحرية التحريض"!
وإزاء هذه المسرحية الهزلية السخيفة وجد العمال والجنود أنفسهم وقد تمت تصفيتهم سياسيا وهم على حالة من التشوش والجزع، ولكنهم لم يجدوا المخرج فورا. فلم يعط العامل ولا الفلاح صوته للاشتراكي الثوري أو المنشفى باعتباره توفيقيا، بل لأنه عدو القيصر والمالك والرأسمالي. لكن ذلك التصويت نفسه بني حاجزا بين العمال والفلاحين وبين أهدافهم الثورية القصوى، حاجز لا يسعهم التقدم للأمام بدون الاصطدام به، بل وتقويضه بلا هوادة.
الخلاصة أن ثورة فبراير انتهت إلى خلق حالة من ازدواج السلطة بين الحكومة المؤقتة ومجالس العمال "السوفييتات". ففي الأول من مارس تشكل مجلس الوزراء الذي ضم أغلب الشخصيات التي أوصي بها القيصر مرارا منذ عام 1915 من كبار الصناعيين والمزارعين، ومندوبي المعارضة في الدوما فيما عدا استثناء وحيد بدا العلامة الوحيدة لثورة فبراير – التي وكأنها لم تحدث أصلاً – وهو كيرنسكي.
ازدواجية السلطة تلك كانت واضحة في وجود حكومتين: الأولى هي الحكومة البرجوازية، الحكومة الانتقالية، التي تمسك في أيديها كل أجهزة السلطة. والثانية حكومة تكميلية وموازية في شكل سوفييت عمال وجنود بتروجراد الذي لم يكن يسيطر على أي من أجهزة السلطة حقا لكنه كان يتمتع بأغلبية واضحة بين الشعب والعمال والجنود المسلحين. ولأن ازدواجية السلطة تعبر عن مرحلة انتقالية في تطور الثورة حين تذهب أبعد من الثورة البرجوازية الديمقراطية العادية وفي الوقت نفسه لا تكون قد وصلت بعد إلى الديكتاتورية "النقية" للعمال والفلاحين، لذلك فهي بالأساس وضع مؤقت.
من هنا بدأت معركة جديدة. فقد بدأ مجلس الدوما يدعو المواطنين الروس لنظم الصفوف حول الحكومة التي أصبحت تمثل السلطة الشرعية، في الوقت الذي أدانت فيه مؤسسات الطبقة المالكة ازدواجية السلطة وألقت مسئولية الفوضى على عاتق السوفييتات.. بحذر في بادئ الأمر ثم بجرأة فيما بعد. وفي الوقت نفسه أدى ذلك إلى مزيد من ابتعاد العمال والجنود، ومعهم الصناع وباعة الصحف والموظفون الصغار والحوذية والخدم، عن الحكومة المؤقتة، وكأن كل ما هو خارج السوفييتات سقط خارج الثورة وانتمى لعالم آخر. ولم يكن بالفعل هناك نفوذ واضح للحكومة إلا بمقدار ما يسمح السوفييت.
كان الوضع إذن لا يحتمل سوى خيارين: أما أن تستولي البرجوازية فعلا على جهاز الدولة القديم وعندها يصبح على السوفييتات أن تزول وتتلاشي، أو أن تشكل السوفييتات قاعدة الدولة الجديدة بعد أن تقضي على جهاز الدولة القديم وكذلك على تفوق الطبقات التي تستخدمه أيضا. توجه المناشفة مع الاشتراكيين الثوريين للخيار الأول بينما تمسك البلاشفة بالخيار الثاني.
الحرب والثورة
وكما كانت الحرب سببا في اندلاع ثورة فبراير، فقد كانت تناقضاتها عاملا أساسيا في تطورات الأوضاع بعد ثورة فبراير. فقد بدأت الحكومة الانتقالية ومعها مناصروها السياسيون في استخدام الحرب كسلاح ضد الثورة. وكانت المهمة الرئيسية التي تنطح التوفيقيون لتنفيذها هي: ربط قوة الجماهير الثورية بتيار الوطنية. وانصبت بالتالي جهودهم على أمرين: الأول هو محاولة إيقاظ الروح القتالية داخل الجيش وهذا أمر صعب، والثاني هو مطالبة حكومات الحلفاء بالتخلي عن عمليات النهب وهذا مطلب في غاية السخف.
ويبين ضابط منشفي في أحد المؤتمرات تحولات موقف المناشفة: "القضية ليست قضية من يسيطر على السلطة. أن مصيبتنا ليست الحكومة، بل الحرب.. ولابد من كسب الحرب قبل تحقيق أي تبديلات.. هؤلاء المحرضون البلاشفة هم الديماجوجيون.. فلننس الصراع مؤقتا."
لكن الموقف المقابل كان واضحا على لسان جندي من الفرقة 548:
"أيها الرفاق، إن الذين يحتلون المناصب العليا يدعوننا دائما إلى تضحيات جديدة فجديدة أبدا، ولكنهم في الوقت نفسه لا يمسون من يملكون كل شيء. إننا في حرب مع ألمانيا. فهل ترانا ندعو الجنرالات الألمان للعمل في هيئة أركاننا؟ ونحن في حرب مع الرأسماليين أيضا، ومع ذلك ندعوهم إلى حكومتنا.. بينوا لي لماذا أحارب. أفي سبيل القسطنطينية أم في سبيل روسيا الحرة؟ أفي سبيل الديمقراطية أم في سبيل الرأسماليين قطاع الطرق؟ إذا ما أثبتوا لي أني أدافع عن الثورة فلسوف أمشي وأحارب. ولن تكون ثمة حاجة لتشجيعي على المحاربة بالتهديد بالإعدام. حين تكون الأرض للفلاحين والمصانع للعمال والسلطة للسوفييتات. فسنعلم إذ ذاك أن لدينا ما نحارب في سبيله، وإذ ذاك سنحارب."
إن الجيش يعطينا صورة مكثفة عن الأوضاع في المجتمع. فلم يعد الجيش قائما كجيش. فقد هزت الهزائم، والتراجعات، وفضائح القادة، روح القطاعات العسكرية هزا عنيفا. ولم يعد من الممكن معالجة الأمر بتدابير إدارية، كما لم يعد من الممكن تعديل جهاز البلاد العصبي. وأصبح الجندي الآن ينظر إلى أكداس القنابل باشمئزاز، وكأنه ينظر إلى أكداس لحم متفسخ يعيث فيه الدود فسادا. ولم يعد الضابط قادرا على أن يقول له ما يقنعه، كما لم يعد قادرا على ضربه ودفعه إلى العمل بالقوة. واعتقد الضابط نفسه أن القيادة العليا خدعته. وكثيرا ما وجد نفسه مسئولا عن رؤسائه أمام الجنود. وهكذا غدا الجيش مصابا بمرض عضال لا شفاء منه.
البلاشفة ولينين
وسط كل التخبطات والفوضى، وإبان مرحلة ازدواجية السلطة ومحاولات هيمنة البرجوازية من خلال الحكومة المؤقتة، أين كان الحزب البلشفي وماذا كان موقفه؟ في الحقيقة – قبل عودة لينين – يصعب تمييز موقف البلاشفة عن موقف المناشفة أو الاشتراكيين والثوريين. فبالرغم من أن مكتب اللجنة المركزية البلشفية أخذ قرارا يقول أن الحكومة المؤقتة حكومة مضادة للثورة وأنه من الضروري التوجه نحو الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين. لكن لجنة بتروجراد (البلشفية أيضا)، رأت أن هذا القرار أكاديمي بحت طالما أنه لم يحدد ما ينبغي القيام به في اليوم نفسه.
كان هذا يحدث بينما داخل الحزب ذاته كان هناك من يختلف مع هذا الانحناء الضمني أمام الحكومة المؤقتة. فمثلا عقدت لجنة فيبورج اجتماعا ضم آلاف العمال والجنود الذين أقروا بالإجماع قرارا يؤكد ضرورة استيلاء السوفييت على السلطة. لكن لجنة بتروجراد "رفضت بشكل حاسم هذه القرارات فأجبرت لجنة فيبورج على الخضوع."
واضطرب موقف زعماء الحزب حتى بالنسبة لمحتوى الثورة الاجتماعي. قرر البعض أنهم متفقون مع المناشفة حول فكرة أن روسيا تمر بمرحلة تدمير ثوري لعلاقات الإقطاع والقنانة ليحل محلها كل أنواع الحريات مما يميز البرجوازية. وأقرت "البرافدا" صحيفة الحزب الأساسية أن المهمة الأساسية هي: إقامة نظام جمهوري ديمقراطي.
هكذا كان الوضع قبل وصول لينين: الحزب البلشفي لا تتعارض مواقفه مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين؛ قواعد عريضة بالحزب، مثل لجنة فيبورج، تطالب باستيلاء السوفييت على السلطة؛ البرافدا (لسان حال الحزب) تعكس الاضطراب السائد دون أنه تربط بين كل التخبطات في وحدة كلية؛ "كامنييف" و"ستالين" رجلا الحزب العظيمان لا يجدان خلافا مع المناشفة يستدعي الانشقاق.
لكن وبمجرد وصول "لينين" تغيرت دفة الأحداث تماما. دون شك يمتلك لينين قدرة تحليلية عالية مع تماسك تنظيمي مدهش. لكنه وحتى فبراير 1917 لم يكن قد تجاوز الصيغة السياسية القديمة التي ميزت البلاشفة: الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين. فقط في غمار ثورة 17 استطاع لينين أن يكتشف الإمكانية الجديدة ويطرح البرنامج الثوري الأكثر جذرية: التقدم صوب الثورة العمالية، حيث كانت الطبقة العاملة مهيأة بالفعل لتجاوز القيصرية والبرجوازية الهشة معا.
كانت ثورة 1917 ذات طاقات ضخمة لم يقدرها حق قدرها كل قادة البلاشفة آنذاك فيما عد لينين الذي ما أن وطأت قدميه أرض بتروجراد حتى أعلن رفضه لاتجاه الأحزاب الأخرى الممثلة في السوفييتات، أي المناشفة والاشتراكيين الثوريين، وألقي بها في معسكر أعداء الثورة. وبخصوص طبيعة السلطة أعلن أننا لسنا بحاجة لجمهورية نيابية، ولسنا بحاجة لديمقراطية برجوازية، ولسنا بحاجة لأي حكومة تأتي من خارج سوفييتات مندوبي العمال والجنود والفلاحين.
وسأل لينين لماذا لم يتم الاستيلاء على السلطة؟ أجابه البعض بتعابير غامضة مؤكدين أن الثورة البرجوازية هي المرحلة الأولى بالإضافة لوجود الحرب. لكنه أعلن أن كل هذا هراء. فالمسألة من وجهة نظره تكمن في أن الطبقة العاملة لا تتمتع بالوعي الكافي أو التنظيم الكافي، وأنه لابد من الاعتراف أن القوة المادية بالفعل بيد البروليتاريا، لكن البرجوازية ظهرت واعية ومنظمة أكثر بكثير من الجماهير التي افتقدت – في أقصى حاجتها لهم – قادتها الحقيقيين.
وهكذا فقد دفع لينين النقاش بعيدا عن الظروف الموضوعية، وطرحه بقوة حول الشرط الذاتي (ضعف الحزب). حيث رأي أن عدم استيلاء البروليتاريا على السلطة في فبراير كان ناجما عن أن الحزب البلشفي لم يكن على مستوى المهمات الموضوعية الملقاة على عاتقه. ومن ثم أصبحت المهمة الملحة الآن هي إعادة تسليح الحزب فكريا.
ودون إبطاء اتجه لينين في حربه ضد أفكار قدامي البلاشفة إلى الشريحة العمالية التي وقفت على قدميها خلال 1912 – 1914، وطرح مهمة رئيسية هي "الشرح الصبور" من أجل رفع وعي الجماهير لمستوى الوضع الذي دُفعت إليه بحكم مسار التطور التاريخي. وما أن ظهرت صيغ لينين الداعية إلى تجاوز الثورة البرجوازية والتقدم صوب الثورة العمالية، حتى سلطت ضوءا جديدا على تجربة الشهر الماضي وتجربة كل يوم جديد. وظهر في وسط الجماهير اتجاه يقول: إلى اليسار، إلى اليسار، إلى أفكار لينين. وأعلنت المناطق الواحدة تلو الأخرى تأييدها وما إن عقد مؤتمر الحزب لعموم روسيا في 24 أبريل حتى أعلن تنظيم بتروجراد بأسره عن وقوفه إلى جانب أفكار لينين.
إلا أنه لا يصح النظر لدور لينين على أنه المخلص المنتظر الذي لولاه لما تطورت الثورة الروسية من فبراير إلى أكتوبر. فبرغم صعوبة تصور الأوضاع في حالة عدم وجوده، إلا أنه لم يكن هو نفسه عنصرا قدريا في التطور التاريخي، بل كان نتاجا لمجمل التاريخ الروسي السابق. فقد كان على اتصال دائم بالعمال الطليعيين وشاركهم نضالاتهم خلال ربع القرن الذي سبق الثورة. لذا يمكن اعتبار خلافه مع القيادات البلشفية على أنه صراع ماضي الحزب مع مستقبله.
الطريق إلى النصر
لقد خلقت انتفاضة فبراير وضعا مؤقتا ومتناقضا بسبب ازدواجية السلطة التي نتجت عنها. بالطبع هذا الوضع لم يكن قابلا للاستمرار. لكن المهم أن السوفييتات التي خرجت من قلب الانتفاضة جعلت الثورة الاشتراكية مهمة منظورة.
حل محل الحكومة البرجوازية المؤقتة (التي حكمت البلاد بعد انتصار فبراير) ائتلاف عقيم لم يسمن ولم يغنى من جوع ضم القوى الاشتراكية المزعومة ولم يستطع أن يحقق مطالب الجماهير في السلم والحرية والأرض.
هذا الفشل هو ما دفع الأحداث في اتجاه مظاهرة يونيو التي حددت تاريخها وقيامها اللجنة التنفيذية لمجلس السوفييتات بمبادرتها الخاصة تحت ضغوط الجماهير وحالة غليان التي تسودهم. وأبرزت المظاهرة أن عمال بتروجراد وجنودها يتجهون نحو ثورة ثانية كتبوا أهدافها على أعلامهم. وكانت الدلائل التي لا تقبل النقض تبرهن على أن كل البلاد تقف إلى جانب خط بتروجراد، أي الخط القائل بأن ما حدث في فبراير لا يكفي.
وهكذا تم استنزاف ثورة فبراير من الناحية السياسية في حوالي نهاية الشهر الرابع للثورة. وخسر التوفيقيون ثقة العمال والجنود. وأصبح النزاع بين الأحزاب المسيطرة على السوفييتات والجماهير السوفيتية أمرا محتما بعد ذلك متخذا طابعا عنيفا ومعلنا.
فبعد مظاهرة يونيو المنظمة من القمة، خرج العمال والجنود أنفسهم للشارع بعد خمسة عشر يوما، بمبادرتهم هذه المرة، وطالبوا اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات باستلام السلطة. وفي يوليو حدثت صدامات عنيفة في الشوارع وقع فيها العديد من الضحايا، وأسفرت عن توجيه ضربات شديدة للبلاشفة. حيث منعت صحفهم وشلت قواتهم العسكرية وسحب من العمال سلاحهم واتهم زعماء الحزب بأنهم مرتزقة يعملون لصالح الألمان واضطر بعضهم إلى الاختفاء على حين سجن البعض الآخر.
بعد سحق حركة يوليو أعلن لينين أنه لا يمكن الاستيلاء على السلطة إلا بانتفاضة مسلحة. وبدءا من منتصف سبتمبر أصبح يدفع ويضغط بكل قواه، إذ لم يعد الخطر في السير بسرعة بل الخطر كله في التأخر أكثر من ذلك. لقد انتقلت أكثرية عمال وجنود بتروجواد إلى جانب البلاشفة بصورة لا تحتمل النقاش وكان الجو العام قد وصل لنقطة الغليان. في هذه اللحظة بالضبط أعلن لينين ضرورة قيام الانتفاضة فورا، وقد كرر أكثر من مرة بأن الجماهير أكثر يسارية من الحزب، كما أن الحزب أكثر يسارية من لجنة المركزية. ومع نفاد صبر العمال والجنود اندفع الحزب في طريق المواقف الجذرية. وهكذا تم اتخاذ القرار بتحويل الأغلبية التي تحققت لفكرة "كل السلطة السوفييات" (أي لخلق دولة العمال) إلى واقع عملي؛ تم اتخاذ القرار بالقيام بانتفاضة أكتوبر التي سلمت السلطة للسوفييتات.
لم يكن العمال يفكرون أثناء انتفاضة فبراير في الاستيلاء على مصرف الدولة أو على قصر الشتاء الذي يحكم البلد، بل كانوا يفكرون في تحطيم مقاومة الجيش. وكانوا يكافحون لا لكسب بعض مراكز القيادة، لكن لكسب نفسية الجندي.
وفي انتفاضة أكتوبر، تلك الانتفاضة التي حلت الحكومة المؤقتة وألقت القبض على قيادات البرجوازية وسلمت السلطة للسوفييتات، كانت المشكلة – عمليا – أبسط بكثير. فخلال الشهور الثمانية التي مرت بين فبراير وأكتوبر كانت السوفييتات قد أصبحت سلطة البلاد الفعلية، وكان البلاشفة قد أصبحوا أغلبية في السوفييتات، وكانت الطبقة العاملة قد حملت السلاح، وكانت الجماهير قد تعلمت درس فبراير واقتنعت بضرورة الانتقال خطوة جبارة أخرى إلى الأمام.
هذا ما أدى إلى كون انتفاضة أكتوبر أخذت شكل الحدث البسيط والسلس. فبعيدا عن بعض معارك الشوارع المحدودة، وبعيدا عن الاستيلاء على قصر الشتاء، لم تظهر انتفاضة أكتوبر بأكثر من عملية منظمة قادها مجلس السوفييت ونفذها حفنة من الثوريين والعمال لتأمين انتقال السلطة فعليا إلى جهاز سلطة الجماهير العريضة – السوفييتات. كانت هذه هي آخر خطوة على طريق مؤتمر السوفييتات في 25 أكتوبر الذي دشن لإعلان السلطة الجديدة: سلطة مجالس العمال والفلاحين.
(3) دروس الثورة
مبادرة الجماهير والسوفييتات
"لم يتسلم البلاشقة السلطة نتيجة مساومة مع الطبقات المالكة أو مع القادة الآخرين، ولا بإرضاء جهاز الحكومة القديم، ولا عن طريق عنف منظم مارسته فئة قليلة العدد. فلو لم تكن الجماهير في كافة أنحاء روسيا مستعدة للانتفاضة لأخفقت محاولتها. إن السبب الوحيد لنجاح البلاشقة يكمن في إنجازهم أوسع الرغبات وأبسطها لطبقات الشعب الدنيا، داعين لهدم القديم وتدميره، ثم التعاون معه لإقامة بنية للعالم الجديد وسط فوضى الخرائب المتهاوية"
(جون ريد، عشرة أيام هزت العالم)
إن هذا الاقتباس السابق يؤكد على فكرة أن الثورة لم يصنعها مجموعة من المغامرين قادهم متآمر محنك إلى السلطة، وإنما صنعتها انتفاضة جماهيرية أشعلتها عوامل عدة فجرت الغضب الكامن في صدور الجماهير وحولته إلى لهيب ثوري أطاح بالقيصرية والبرجوازية معا.
فمنذ أن أرغمت سيول الجماهير المتدفقة من العمال والجنود في مارس1917 مجلس دوما الدولة (البرلمان) المتخاذل على تولي زمام السلطة، منذ تلك اللحظة أصبح واضحا للعيان أن حركة الجماهير هي التي كانت تحدد كل انعطاف رئيسي في مسار الثورة. فالجماهير هي التي أطاحت بالوزارة المؤقتة، وهي التي طالبت بانتقال السلطة إلى السوفيتات، وهي التي حددت – وفقا لمصالحها الأممية – شروط الصلح السوفييتي في حرب النهب الإمبريالية (الحرب العالمية الأولى).
ولقد كان الشكل الأكثر عبقرية الذي احتوى حركة الجماهير الثورية هو السوفييتات. بالطبع لم تكن السوفييتات نتاج حركة عفوية خالصة: فقد كانت هناك خبرة 1905 (عندما ظهرت السوفييتات إلى الوجود لأول مرة)، وكانت هناك العناصر العمالية الطليعية المرتبطة بالأحزاب الثورية، ولكن لا شك أن الطاقة الثورية للجماهير هي منشئتها الأولى. وحتى فبراير 1917 لم يكن أحد يتصور – حتى من بين الثوريين الأكثر بعدا في نظرهم – أن السوفيتات ستكون هي أداة السلطة العمالية الظافرة.
وتكمن روعة الشكل السوفييتي للسلطة في مزجه بين المركزية لضمان عدم اضطراب الصفوف وانتشار الفوضى، وبين الديمقراطية المباشرة التي تضمن لكل كادح مهما كان بعيدا حقه في أن يدلي برأيه وصوته وفي أن يراقب تنفيذ المهام وفي أن يحاسب القادة ويعزلهم. لقد ردت الجماهير بالسوفييتات – بالديمقراطية الأتم – على زيف وكذب البرلمانات البرجوازية التي أدمنت الكلام وعشقت الطبقات المالكة وحققت مصالحها بكل دأب وإتقان. إن السوفييتات في رأي تروتسكي "هي أصدق تمثيل للشعب، أصدق من حيث تجربتها الثورية وأفكارها وأهدافها. وهي باعتمادها المباشر على الجنود في الخنادق وعلى العمال في المصانع وعلى الفلاحين في القرى، تعتبر بالفعل، بمثابة العمود الفقري للثورة."
ونلاحظ خلال الثورة الروسية أن ميزان القوى عند كل خطوة للأمام كانت تخطوها الثورة كان يميل ناحية مبادرة الجماهير الخلاقة. فكلما كانت الجماهير تبدأ بعرض قوة اندفاعها، وكلما حاولت الطبقات المالكة المذعورة الحد من هذه القوة، كلما بدا أن الزمام الأمور في يد الطبقات الخاضعة، وأن سادة العالم القديم يفقدون سطوتهم وسلطتهم.
ففي انتفاضة فبراير، عندما انتفض عمال بتروجراد وجنودها ممن كانوا تلاميذ نبهاء في مدرسة لينين الثورية، عندما انتفض هؤلاء (وليست القوى الأولية المزعومة)، كان ذلك ليس فقط على الرغم من الإرادة البرجوازية ومن إرادة فئات المثقفين الوسطية، ولكن أيضا على خلاف حسابات التنظيمات الثورية. حتى البلاشفة لم يتخيلوا أن انتفاضة فبراير ستمتد وتتعاظم هكذا، بل ظنوا أنها مجرد مظاهرة قصيرة عابرة كغيرها. وحدها الجماهير كانت تتقدم للأمام خالقة وضعا ثوريا لم يتوقعه ولم يقتنصه أحد. ففي خلال أيام أبريل على سبيل المثال، نزلت الأفواج والجماهير الثائرة إلى شوارع بتروجراد دون تلقي الدعوة من أي حزب، وطرحت فكرة مقاومة السياسة الإمبريالية التي تتبعها حكومة فرضها التوفيقيون على الشعب. وحصلت مظاهرات تلك الأيام على نتيجة هامة. إذ أُبعد زعيم الإمبريالية الروسية – ميليوكوف – عن الحكم.
كل هذه الأحداث وغيرها برهنت على أن الجماهير الثورية ليست جموعا "غوغائية" قابلة للخضوع لأي انتهازي محنك، وليست كيانا خاملا يقع عليه دائما عبء دفع ثمن سياسات حاكتها طبقات مالكة مستبدة ومستغلة. الجماهير تتعلم من تجربتها، وفي غمار الثورات الكبرى تستمع لصوت من يمثلون مصالحها الأساسية، ومن يستشعرون نبض حركتها وآمالها.
البلاشفة ودور الحزب الثوري
"يشتمل تسعة أعشار فن القيادة الثورية، في أحرج اللحظات، على معرفة واستجلاء صوت الجماهير وإرادتها.. وكان الذي يصنع أكبر قوة في وجود لينين هو قدرته التي لا تجارى في الخوض إلى أعماق الجماهير"
(ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية)
لم يكن لينين الذي يصفه تروتسكي في هذا المقتبس ساحرا أو دجالا، وإنما كان قائدا سياسيا للبروليتاريا الثورية يقف على رأس حزب عمالي ثوري تمرس بالنضال وتعلم خبرات الهزائم والانتصارات والكر والفر.
في البدء لم يكن البلاشفة على مستوى أحداث انتفاضة فبراير، وكان ضعف التنظيمات السرية بوجه عام ناجما عن مناورات السحق البوليسية. فمعظم القادة الثوريين وزعماء أحزاب اليسار كانوا لاجئين في الخارج. أما قادة الداخل فكان عدد لا بأس به منهم في السجون والمنافي.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجا كانت أن البلاشفة لم يكونوا على مستوى الأحداث لأسباب سياسية كثر عمقا تتعلق بعدم قدرة كل القادة البلشفيين عدا لينين أن يفهموا أن الأحداث تجاوزت المخططات القديمة للبلاشفة فيما قبل فبراير. كانت الركائز البلشفية الثلاث هي: 1- جمهورية ديمقراطية (الديكتاتورية الديمقراطية للفلاحين والعمال)، 2- مصادرة أراضي كبار الملاك والنبلاء، 3- يوم عمل من 8 ساعات. وهكذا لم تكن فكرة سيطرة البروليتاريا داخل الثورة الديمقراطية (البرجوازية) تعني شيئا سوى أن على الحزب العمالي مساعدة الفلاحين بأسلحته السياسية ليصلوا إلى السلطة.
ولكن انتفاضة فبراير حطمت مخطط البلشفية تماما. إذ أقامت حكومة برجوازية تتنازع السلطة – في فترة ازدواجية السلطة – مع سوفيتات العمال والفلاحين. وفي كل منعطف كان يثبت أن الدولة القديمة عاجزة، وأن السوفيتات هي – بدون منازع – جنين السلطة الجديدة التي ترجع إليها الجماهير في كل كبيرة وصغيرة. على الرغم من ذلك، واصلت الكوادر البلشفية تمسكها بالمخطط القديم (البقاء عند حدود ثورة البرجوازية، وعدم تحطيم جهاز الدولة البرجوازية).
ناضل لينين ضد البلشفية القديمة وضد الروح المحافظة التي سادت في قمة الحزب. وفي نضاله هذا كان يعبر عن الإمكانية الجديدة التي امتلأت بها قواعد البلاشفة: إمكانية تجاوز الثورة البرجوازية والشروع فورا في بناء سلطة البروليتاريا. ونستطيع أن نكتب العديد من المجلدات عن قدرات لينين التنظيمية والسياسية غير المحدودة. ولكن بدون شك أنه بغير أن تكون هناك ظروف خصبة، وطبقة عاملة تبرهن على قوتها على أرض الواقع، لما أمكن للقيادة الثورية الثاقبة النظر أن تحول دفة الاتجاه في قمة الحزب الثوري الوحيد في روسيا.
ولقد أكدت أحداث الثورة نظرية لينين حول الحزب على الأقل بطريقتين: أولا، أظهرت أن حزبا صغيرا في الأصل يمكنه، في سخونة الصراع، أن ينمو بسرعة كبيرة وأن يكسب تأييد الغالبية الكاسحة من الطبقة العاملة. ففي يناير 1917 كانت عضوية البلاشفة 23600، ومع نهاية أبريل نمت إلى 79204، وفي أغسطس قدرت بحوالي 200000، ونستطيع أن نفترض أن العضوية زادت على ذلك بحلول أكتوبر، شهر الانتفاضة.
وبالطبع يمكن القول أن 200000 بالنسبة لسكان روسيا رقم لا قيمة له. لكن هذه العضوية كانت مركزة في الطبقة العاملة ذات الأهمية السياسية الفائقة، والقائدة الحقيقية للنضال الثوري في 1917، أي أن البلاشفة تمكنوا خلال شهور الثورة من أن يحوزوا ثقة قسم متعاظم من الطبقة القائدة والأساسية في النضال من أجل الاشتراكية: في تسعة أشهر صعد البلاشفة من مجرد مجموعة منشقة تبدو الأهمية إلى أقوى قوة سياسية في روسيا.
البرهان الثاني الذي قدمته ثورة 1917 على صحة نظرية لينين حول الحزب هو أنها أظهرت أنه لا غنى عن حزب ثوري ممركز وطليعي من أجل استيلاء الطبقة العاملة على السلطة. لم تتحول انتفاضة فبراير التي أسقطت القيصرية وأفرزت السوفيتات إلى سلطة عمالية ظافرة بالضبط بسبب افتقاد العمال للتنظيم والقيادة السياسية، كان العمال عاجزين عن تحويل إرادتهم المسيطرة إلى سلطة سياسية قادرة على قمع الطبقة المالكة القديمة. ولم يصبح جنين السلطة العمالية – السوفيتات – قادرا على تحويل الإمكانية الكامنة فيه إلى واقع حي إلا مع نمو البلاشفة إلى حزب جماهيري، ومع ظهور أغلبية بلشفية في السوفيتات.
إن تأرجح أقسام من الحزب البلشفي، وفي بعض الأحيان الحزب ككل، لا يبطل المبادئ التي بني عليها. فلم يحدث قبل ذلك ولا بعده أن تصرف حزب عمالي بطريقة أفضل في ظل حالة ثورية. ولكن هذا التأرجح يعنى أن تنظيم الحزب على أسس لينينية ليس في حد ذاته ضمانا للنجاح. لا يوجد غنى عن الحزب الثوري الطليعي، لكن حتى أكثر الأحزاب ثورية يكون عرضة لكوابح روتينية محافظة لأن عليه ببساطة أن يخلق منظمة مستقرة وذات ضوابط. وبالمثل، فإن مجرد خلق الحزب كهيئة متميزة يتضمن خطر أن يعزل الحزب نفسه عن الطبقة التي يمثلها.
ولكن ميزة الحزب اللينيني في الحقيقة تكمن في كونه قادر على تخفيض هذه المخاطر لأدنى حد، فالقاعدة العمالية الطليعية للحزب اللينيني، ومركزيته الديمقراطية، واستراتيجيه الثورية، ونضاله الدائب ضد كل انحراف أو تشوش، وفحصه وتمحيصه لكل خبرة ولكل ظرف.. كل هذه العوامل تجعله مؤهلا لخوض المعركة الثورية الفاصلة ولقيادة الجماهير في نضالها من أجل تحطيم جهاز الدولة القديم وبناء السلطة السوفيتية.
الثورة العمالية وقيادة طبقة الفلاحين
"لم تستطع الثورة الأولى – 1905 – تصفية الحساب مع الإقطاعيين والنبلاء. ولم تثر الجماهير الفلاحية كلها دفعة واحدة. ولم تتطابق الحركة في الأرياف مع الحركة في المدن. ولم يتجرأ الجيش المكون من غالبية من الفلاحين على اتخاذ قرار حاسم، وانتهى بأن قدم قطاعات كافية لسحق العمال" (ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية)
واحدة من المعضلات الرئيسية التي كان على الثورة الروسية حلها، والتي سيكون على أي ثورة عمالية في بلد متخلف حلها، كانت هي جذب الطبقة الواسعة من فقراء ومعدمي الريف إلى الثورة. فإذا ما تركت البروليتاريا الثورية الفلاحين الفقراء فريسة سهلة للأحزاب البرجوازية الصغيرة التي تؤجج فيهم نزعات الملكية الواهمة، سيكون في هذا هلاك الثورة. حدث هذا – للأسف – في كوميونة باريس وفي ثورة 1905. ولكن البروليتاريا الروسية في 1917، وتحت قيادة الحزب البلشفي، استطاعت أن تؤمن نجاح الثورة عن طريق انتزاع الفلاحين الفقراء من بين أيدي القوى البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. فلاحو روسيا الفقراء ساروا وراء أخوتهم العمال – المنظمين جيدا – بعدما اكتشفوا عبر تجربة الشهور الثورية أن السلطة العمالية هي الوحيدة التي بمقدورها أن تعطيهم ما يطلبون: السلم والأرض.
التجربة وحدها هي التي علمت الفلاحين ضرورة السير وراء العمال الثوريين: وراء البلاشفة. فقد كان وضع البلاشفة في البدء ضعيفا. ولكن هذا الضعف كان مؤقتا. وقد نجم هذا الضعف عن أن البلاشفة لا يؤيدون أوهام المزارعين وأفقهم البرجوازي الصغير الذي شدهم في أولى مراحل الثورة إلى الاشتراكية البرجوازية الصغيرة التي خدعتهم وأوهمتهم أن بمقدورها إعطاؤهم السلم والأرض من دون قطع كل الروابط مع البرجوازية ومع العالم القديم. ولذا لم تستطع البلشفية اجتذاب الريف إلا عندما مارس الريف التجربة وتعرض لخيبات الأمل. كانت قوة البلاشفة في المسألة الزراعية، كما في مسائل الأخرى، كامنة في البقاء خارج نطاق التناقضات بين القول والفعل.
الانتفاضة وفن الاستيلاء على الحكم
"لا يقوم الناس بالثورة طواعية، كما لا يخوضون الحرب عن رضى أبدا. ومع ذلك فإن الفرق بين الحرب والثورة هو أن الدور الحاسم في الحرب هو دور الإلزام والقسر. أما في الثورة فليس هناك من إلزام سوى إلزام الظروف وقسرها. وتنفجر الثورة عندما لا يبقى هناك سبيل آخر. ولا يمكن أن تحدث الانتفاضة، قمة أحداث الثورة، بصورة ارتجالية، كما لا يمكن ارتجال الثورة بمجملها. فالجماهير تهاجم وتتراجع في عدد من المرات قبل أن تقرر القيام بالانقضاض الأخير."
(ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية)
كانت الحجة الأساسية للديمقراطيين البرجوازيين الصغار والانتهازيين في معارضة الاستيلاء على السلطة هي عجز العمال عن إدارة "جهاز الدولة"، ذلك المقدس الأبدي لكل برجوازي صغير تربى على الركوع لكبار الوزراء والموظفين. لكن لينين أجاب عن ذلك التساؤل بمنتهى الثقة عندما أعلن في كراس "الدولة والثورة" أن العمال ليس هدفهم الاستيلاء على الآلة القديمة للدولة بغرض تحقيق أهداف جديدة. وإنما هدفهم هدمها تماما والاستعاضة عنها على الفور بالجهاز الذي خلقوه بالفعل، السوفييتات. وفي هذا الجهاز الجديد سيتعلم العمال بسهولة كيف يديرون شئونهم بأنفسهم.
وحتى يستولي العمال على السلطة لا بد من الانتفاضة المسلحة. علينا أن نفرق هنا بين الانتفاضة الجماهيرية التي تصنعها طبقة مؤهلة لقيادة الأمة، وبين المؤامرة كمشروع تدبره أقلية من وراء ظهر الجماهير. ففي كل مجتمع طبقي من التناقضات ما يكفي لتخطيط وتنفيذ مؤامرة. لكن المؤامرة لا تستطيع، حتى لو انتصرت، أن تؤدي إلا إلى استبدال رجال دولة بآخرين في حدود نفس النظام الطبقي. أما انتصار نظام اجتماعي على آخر لا يمكن أن يحدث إلا بانتفاضة جماهيرية مسلحة.
لكن الانتفاضة والمؤامرة، على الرغم من تباينهما، ليسا منفصلين كل الانفصال. فعنصر التآمر يدخل تقريبا دوما في الانتفاضة. صحيح أن بعض الانتفاضات الشعبية تستطيع أن تنتصر وأن تجر جزء من الجيش وأن تشل قوة العدو وتقلب السلطة القديمة في بعض الظروف حتى بدون انتفاضة مخططة مسبقا، وذلك إذا ما انبعثت في ظروف تخلق التخبط والشلل في أوساط الطبقة الحاكمة. ولكن تبقى بعد ذلك معضلة خلق السلطة الثورية الجديدة. فكما بقول تروتسكي:
"أن قلب السلطة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وكما أن الحداد لا يستطيع أن يمسك بيده العارية الحديد الحامي، فإن البروليتاريا لا تستطيع وأيديها عارية الاستيلاء على السلطة: فهي تحتاج إلى تنظيم خاص بهذه المهمة يكون دوره هو المزج بين انتفاضة الجماهير وبين المؤامرة، والتأكد من تبعية المؤامرة للانتفاضة، وتنظيم الانتفاضة من خلال المؤامرة."
هذا هو ما أسماه ماركس وانجلز "فن الانتفاضة"، وهو فن يقتبس بعضا من أدواته من العلوم العسكرية. فهو يفترض قيادة ثورية صحيحة ومتحركة ومرنة في التوجيه إزاء الظروف المتبدلة وخطة للهجوم تم تمحيصها وحذرا في الإعداد التقني وجرأة في توجيه الضربة ودقة في اختيار التوقيت المناسب. وبهذا المعنى فالانتفاضة هي الهجوم الأخير، هي تحويل الطاقة الثورية إلى عمل منظم تحت قيادة حازمة. وهذه الانتفاضة العسكرية هي شل قدرة العدو الطبقي على تقويض السلطة الجديدة (بالقبض على قياداته، والاستيلاء على مراكز قواه.. الخ) وتأمين السيطرة للسلطة العمالية الثورية الجديدة.
الأممية والثورة العالمية
كان واحد من أهم أسباب هزيمة وانحسار ثورة 1917 في أواخر العشرينات وتحولها – على يد ستالين – إلى مسخ الاشتراكية في بلد واحد هو هزيمة الثورات الأوروبية التي تلتها. فالثورة العمالية – أي ثورة عمالية – لا يمكنها أن تولد وتستمر في بلد واحد. بالطبع تشتعل الشرارة الأولى للثورة من داخل نطاق وطن قومي واحد، لكنها إذا ما سجنت داخل حدوده فسوف تموت دون شك.
ولم يكن هناك من يعرف أكثر من البلاشفة صحة هذه الحقيقة. كانت فكرة عالمية الثورة حجر الزاوية في الإستراتيجية الثورية للبلاشفة. وقد ترجمت هذه الفكرة نفسها بشكل عملي في عملهم الدءوب من أجل إنشاء الأممية الثالثة في 1919، وذلك بغرض خلق قيادة أممية موحدة للثورة البروليتارية العالمية.
ومع انحسار أفق الثورة العالمية، بدأت المعضلات التي واجهت الثورة الروسية تطرح نفسها بشكل جديد. فالتيار الستاليني الذي استنتج من انحسار الثورة فكرة "الاشتراكية في بلد واحد" كان في الحقيقة هو تيار الثورة المضادة الذي بدأ يتشكل داخل روسيا ذاتها من جراء العزلة والحصار والحرب الأهلية وضعف الطبقة العاملة وسيطرة البيروقراطية على الحزب الشيوعي. ولذلك فقد اتخذ النضال بين الثورة (الحفاظ على السلطة البروليتاريا) والثورة المضادة (محاولة إعادة العالم القديم)، في أحد جوانبه، شكل الصراع بين التيار الأممي وبين التيار القومي الذي أراد حبس الثورة في داخل حدودها القومية وأراد المساومة والتعاون مع الإمبريالية العالمية وضد الثورة العالمية.
إن مسألة أممية الثورة – كما أثبتت هزيمة الثورة الروسية – هي – بدون مبالغة – قضية حياة أو موت. القضية لا تتعلق فقط بتعاطف بروليتاريا دولة ما مع بروليتاريا دولة أخرى. وإنما تتعلق بإمكانية – أو عدم إمكانية – خلق اقتصاد ومجتمع اشتراكي بدون القضاء على كل السلسلة الرأسمالية. وهذا هو بالضبط ما وعته البروليتاريا الروسية الثورية وما ناضل من أجله البلاشفة الأمميين تحت قيادة لينين.
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| الثورة الروسية أول ثورة عمالية منتصرة في التاريخ - ماجد عزيز.pdf | 142.3 كيلوبايت |



